رواية العربي الذي لايموت لمحمد سليمان الشاذلي صدرت عن دار الفينيق
كتب مالك العالول – "العربي الذي لا يموت" ملحمة إنسانية تجثم على صدرك بثقل التاريخ وبخفة الشعر في آن واحد، وهذه معادلة لا يتقنها إلا الكتاب الذين وُلدوا وهم يحملون اللغة في دمائهم لا في رؤوسهم فحسب.
ستفهم ذلك مع رؤية ما يعيشه العرب اليوم في غزة النازفة والمكتظة بالجرحى والجوع والمر، حين تنظر للبنان، للقصف والنزوح القسري، حين تسمع صدى القنابل التي هوت على دول الخليج، حين تنظر للسودان؛ في إثر كل ذلك تأتي هذه الرواية لتقول بصوت لا يرتجف: هذا ليس جديدا. العربي حورب وحوصر من قبل، والعربي لم يمت.
عالم لم تطأه رواية عربية
الرواية تنقلك إلى بلدة "رامون"، مدينة عربية تجارية شامخة، على ضفاف نهر جبال القمر، في قلب الصراع بين بقايا روما المتآكلة وبيزنطة الطامحة. إنها بيئة لم يجرؤ أحد على استدعائها للرواية العربية بهذا الاتساع: تجار عرب مسلمون، ورومان يرهقهم المنفى الإمبراطوري، وأهالٍ أفارقة بسحرهم وطقوسهم وزعمائهم، وأوبئة تتصاعد من النهر كالغيوم السوداء، ومراكب تنزف على الموج دماء.
"رامون هي غزة بلغة التاريخ الأعمق، ورامنوس الأصلع تاجر الرقيق الروماني هو كل من جعل من الإنسان بضاعة".
هذا المكان لا يوجد على الخريطة لكنه يوجد في القلب، وحين تقرأه اليوم وغزة تُحاصَر وتُقصف وأهلها يُهجَّرون قسرا من بيوتهم وحقولهم وذكرياتهم، يصبح مكانا أقرب من أي مكان على الأرض.
نبض لا يخفت
الفتى عُبيد الله العربي شاب يتمسك برامون يرفض مغادرة أرضه حين يتخلى عنها الجميع. إنه ليس قديسا مملا، إنه إنسان مكسور يحب بعمق ويفقد بعمق، يهذي باسم بلدته على فراش المرض كما يهذي العاشق باسم محبوبته. وحين تقرأه اليوم لا يمكنك إلا أن ترى فيه كل شاب عربي يرفض أن يُهجَّر، يحفر تحت الأنقاض ويُسعف بيديه ويقول: مكاني هنا. البطولة نفسها، الجرح نفسه، الإصرار ذاته.
الصبية الثريّا منحها الشاذلي ما هو أعمق من صورة المرأة العاشقة الرقيقة المعتادة في الأدب العربي: جنونا كاملا، وعشقا يُشعل النار، وكبرياء تنكسر. إنها الجريحة الأكثر بشرية في الرواية، تكره وتبكي وتشد شعرها وتمسك بسكين وتنتهي ضائعة في الصحراء، ومأساتها تقطر دما حقيقيا يشبه دم كل امرأة فقدت كل شيء في ليلة واحدة.سارينا هي الحب المستحيل الأجمل في الرواية. بنت الحدود التي تجلس على صخرة شاطئ النهر وقدماها في الماء وعيناها في النجوم.
نهايتها من أكثر الصفحات فظاعة وتأثيرا في الأدب العربي المعاصر، إذ يتحول الجمال إلى رماد بجريمة لا يتحملها القلب، تماما كما تحول البيت الجميل إلى ركام في لحظة لا يتحملها العقل.
الصبية الثريا منحها الشاذلي ما هو أعمق من صورة المرأة العاشقة الرقيقة المعتادة في الأدب العربي
الضحك في مواجهة الموت
عاصم بن صائب، إنه الشخصية التي ستبهجك، ستضحكك وأنت تبكي. فتى بدين قصير يتدحرج كبرميل دهن، يعلم الناس القرآن ولا ينقطع عن بيت الدعارة، ويغني بصوت سماوي "ترلال ترلال" في كل الفصول. إنه قلب البلدة الشعبي الحي، وحين يموت تقول الرواية ببساطة مذهلة: "لم يكن موت رجل. كان موت بلدة". كم مرة قلنا هذا! هذا لم يمت وحده، مات معه ضحك وموسيقى وذاكرة.
"اللغة في هذه الرواية إيقاع جسدي.. كأنك تسمع طبلا بعيدا يقترب كلما قلبت الصفحات"
والرواية لا تخاطبك من الخارج، إنها تجلس بجانبك على الأرض وتحكي. أصوات الرواة الأربعة، إكليزياتس وابن ظبية وكاهن الصخرتين وصاحب القصص، تتناوب في تركيب المشهد كأصوات كورس مسرحي إغريقي لكنه عربي الروح.
مواجهة الإمبراطورية
الهوية في مواجهة الإمبراطورية هي قلب المسألة. رامون ليست دولة ذات سيادة، إنها بلدة صغيرة محاصرة بين قوتين إمبراطوريتين متنافستين. روما من جهة وبيزنطة من جهة أخرى، وكلتاهما تتاجر بوعودها وتبيع عهودها حين تتغير الموازين. العرب هناك يدفعون ضريبة الحماية ذهبا وفضة وعاجا ثم يجدون أنفسهم حين تأتي الأزمة بلا حام.
هذا الهيكل هو الخلفية الصاخبة لغزة في مواجهة آلة الحرب المدعومة بترسانات أكبر منها، والشعب الذي يدفع ثمن توازنات لم يصنعها. وفي خلفية أبعد وأخفت صوتا، كخيوط دخان في أفق الرواية، تتردد أصداء الحسابات الإقليمية المعقدة: الحضور الذي يلوح من وراء ستار، والقوة التي تتحرك وفق منطق المصلحة لا منطق المبدأ، تماما كما كان رجال أروسان وستافرا يحسبون خطواتهم على رقعة شطرنج لا تحسب فيها أرواح أهل رامون بكثير.
الحب والكرامة
يأخذ الحب شكلا مختلفا هنا. عبيد الله وسارينا يتحدثان على حجر الشاطئ ومن الخلف تنطلق صفارات مراكب العبيد. الحب لا يوجد في فراغ، إنه يصارع الوباء والاحتلال وتجارة الإنسان في آن واحد، وهذا هو الحب الوحيد الصادق: الذي يعرف ما حوله ولا يهرب منه.
أما الكرامة الإنسانية وتجارة الرق، فلا تبشر لهما الرواية ولا تخطب، لكنها تضع عبيد الله وهو يبذل مصاغ أمه وأخواته ليعتق عبيدا والرومان لا يفهمون كلمة "عتق"، وهذا التناقض يُدان فيه عالم بأكمله بهدوء مقطر.
العربي الذي لا يموت ليس عبيد الله وحده، إنه رامون نفسها وإصرارها، والببغاء الأعور الذي يصرخ "رامون تحيا" ثم يُغمى عليه. وهذا المعنى اليوم، وسط الأشلاء وفوق الأنقاض، ليس استعارة. إنه حرفي تماما.
مرآة التاريخ
"العربي الذي لا يموت" فيها عبيد الله يجلس في سوق خاوية ويقول: "رامون أجمل قصيدة شعر". وفيها ببغاء أعور ألثغ يصرخ "إن رامون لتحيا" ثم يُغمى عليه من شدة ما يحمل. وسيُغمى عليك أنت أيضا، لكنك ستفيق وأنت أكثر إنسانية مما كنت قبلها.





"العربي الذي لا يموت".. رواية تقرأ حاضر العرب في مرآة التاريخ

رد مع اقتباس