طول اليوم على الأرض سيصل في نهاية المطاف إلى 25 ساعة (غيتي)
أحدثت دراسة جيوفيزيائية حديثة صدمة في الأوساط العلمية بعد أن كشفت أن البشرية بدأت بالفعل في إعادة ضبط "ساعة الأرض" الكونية، حيث تسبب النشاط البشري المفرط في إبطاء سرعة دوران الكوكب حول نفسه بمعدلات غير مسبوقة.وبحسب النتائج المنشورة في دورية "وقائع الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم" في عدد أبريل/نيسان 2026، فقد أدى الذوبان المتسارع للكتل الجليدية في القطبين إلى إعادة توزيع كتلة المياه نحو خط الاستواء، مما جعل الكوكب "أكثر تفلطحا" وأبطأ حركته، وهو ما ينذر بأن اليوم الأرضي الذي نعرفه بـ24 ساعة يتجه تدريجيا ليصبح 25 ساعة، في سابقة تاريخية لم تعد فيها الأجرام السماوية هي المتحكم الوحيد في طول يومنا.
المدّيات القمرية تسببت في إبطاء دوران الأرض على مدى مليارات السنين، لكن ذوبان الجليد بدأ في إرباك هذا الإيقاع القديم (شترستوك)
اطمئن.. لست بحاجة إلى تعديل منبهك غدا
الجملة الأهم التي يجب أن تعرفها هي أن اليوم المكون من 25 ساعة سيتحقق فعليا، ولكن بعد نحو 200 مليون سنة، ومع ذلك، فإن المثير للقلق ليس الرقم البعيد، بل الحقيقة العلمية التي اكتُشفت الآن، أن النشاط البشري بدأ "يفرمل" دوران كوكب الأرض بمعدل أسرع من قوى الطبيعة.
وبذلك لن يكون القمر هو المسؤول الوحيد بعد الآن؛ فقد أثبتت القياسات الحديثة أن التغير المناخي بدأ يتدخل في أقدس ثوابت الكوكب، وهي سرعة دورانه حول نفسه.
أغرب ما في الاكتشاف.. ذوبان الجليد "يفلطح" الكوكب
لكن أغرب معلومة في الدراسة هي أن ذوبان الجليد في القطبين لا يرفع منسوب البحار فحسب، بل يغير شكل الكرة الأرضية حرفيا. والتفسير العلمي لذلك أنه عندما يذوب الجليد في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، تتدفق المياه نحو خط الاستواء.
تؤدي المياه المتدفقة من القطبين الذائبين نحو خط الاستواء إلى تسطيح الأرض قليلًا، مما يبطئ دورانها، تمامًا كما يفعل المتزلج عندما يمدّ ذراعيه (شترستوك)
هذا التدفق يعيد توزيع كتلة الأرض نحو "خصر" الكوكب، مما يجعله أكثر تفلطحا عند المنتصف، تماما مثل المتزلج على الجليد الذي يمد ذراعيه ليبطئ من سرعة دورانه، فإن الأرض عندما تتسع عند خط الاستواء يتباطأ دورانها.
القمر يفقد السيطرة لصالح التغير المناخي
تاريخيا، كان القمر هو "المكابح" الأساسية للأرض من خلال قوى المد والجزر التي تبطئ الدوران بمقدار 2.4 ملّي ثانية كل قرن. لكن الدراسة التي قادها "مصطفى كياني شاهفاندي" كشفت أن ذوبان الجليد وحده أضاف 1.33 ملّي ثانية كل قرن منذ عام 2000.
وتكمن التوقعات الصادمة في أنه بحلول عام 2100 إذا استمرت تلك الانبعاثات فسيصبح ذوبان الجليد القوة المهيمنة على طول اليوم، متجاوزا تأثير القمر لأول مرة في تاريخ الكوكب البالغ 4.5 مليارات سنة.
لماذا تمثل "أجزاء من الثانية" كارثة للحياة الحديثة؟
قد تظن أن أجزاء الألف من الثانية لا تهم، لكنها بالنسبة للتكنولوجيا الحديثة تمثل فرقا بين النجاة والكارثة، وإليك مثالين:
تعتمد أنظمة تحديد المواقع "جي بي إس" على توقيت ذري دقيق للغاية. وحيث إن الضوء يقطع 300 متر في ميكروثانية واحدة؛ فإن أي انحراف بسيط في دوران الأرض يجعل نظام تحديد المواقع يخطئ في تحديد مكانك بمساحات تعادل أحياء سكنية كاملة.
يتسبب انحراف طفيف في دوران الأرض في أخطاء قد تصل إلى مئات الأمتار في أنظمة تحديد المواقع (شترستوك)
منذ عام 1972 اضطر العلماء لإضافة 27 "ثانية كبيسة" لمزامنة الساعات الذرية مع دوران الأرض المضطرب، وسيتضاعف عدد الثواني المضافة مستقبلا.
انحراف المحور.. الأرض "تترنح"
ولا يتوقف الأمر عند السرعة، بل إن "محور الدوران" نفسه بدأ ينجرف. فبفضل خوارزميات التعلم الآلي، وجد العلماء أن المحور تحرك بمقدار نحو 9 أمتار خلال القرن الماضي بسبب إعادة توزيع المياه والكتلة الجليدية، مما يؤثر على دقة الحسابات الفلكية والملاحية.
ومع دخولنا هذا العصر الجيولوجي الجديد الذي يُطوع فيه النشاط البشري دوران الكوكب، لم يعد الحفاظ على مناخ الأرض مجرد قضية بيئية لحماية السواحل أو التنوع البيولوجي، بل أصبح ضرورة تقنية للحفاظ على استقرار "ساعة الكون" التي نضبط عليها حياتنا الرقمية الفائقة.
القطب الشمالي المغناطيسي، الذي تشير إليه إبرة البوصلة ينزلق بمعدل يقترب من 56 كيلومترا سنويا باتجاه روسيا (الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي)
فهل سيتدارك الإنسان أثر أقدامه الكربونية قبل أن تضطر الأجيال القادمة إلى إعادة كتابة قوانين الوقت وتعديل خرائط الفلك، أم أننا سنمضي في "فلطحة" كوكبنا حتى يفقد إيقاعه الطبيعي الذي دام مليارات السنين؟
إن استعادة التوازن البيئي ليست مجرد ترف، بل هي صمام الأمان لضمان أن تظل الأرض تدور تحت أقدامنا بالسرعة التي اعتدنا عليها وتآلفنا معها منذ فجر التاريخ.
فهل ستتمكن التكنولوجيا القادمة من التكيف مع هذا التباطؤ، أم سنضطر لتغيير مفهومنا عن الوقت تماما؟





ذوبان الجليد القطبي يُنافس القمر في إبطاء دوران الأرض





رد مع اقتباس