من أهل الدار
تاريخ التسجيل: October-2013
الجنس: ذكر
المشاركات: 106,679 المواضيع: 102,572
مزاجي: الحمد لله
موبايلي: samsung A 14
آخر نشاط: منذ 7 ساعات
جامع حمودة باشا في مدينة تونس: معلم ديني وتاريخي في قلب الحضارة الإسلامية
جامع حمودة باشا في مدينة تونس: معلم ديني وتاريخي في قلب الحضارة الإسلامية

في قلب مدينة تونس العتيقة، حيث تتشابك الأزقة كخيوط التاريخ وتتجاور البيوت البيضاء ذات الأبواب الثقيلة الزرقاء والصفراء، تقف المعالم الدينية شاهدة على قرون من الحضارة الإسلامية. ويطل جامع حمودة باشا بهدوئه الوقور بين الأسواق القديمة وروائح البخور والعنبر المتصاعدة من الدكاكين العتيقة، وكأنه صفحة مفتوحة من كتاب تاريخ تونس الثري.
ليس هذا الجامع مجرد مكان للصلاة، بل هو جزء من الذاكرة العميقة للمدينة. فهو شاهد على مرحلة تاريخية حاسمة، مرحلة الحكم المرادي، التي تركت بصمتها في عمران تونس وثقافتها ومؤسساتها الدينية. ومنذ تشييده في القرن السابع عشر ظل الجامع حاضراً في الحياة اليومية لسكان المدينة العتيقة، يستقبل المصلين ويحتضن حلقات العلم ويمنح المكان روحاً خاصة لا تزال محسوسة حتى اليوم.
رحلة في الزمن
إن زيارة هذا الجامع ليست مجرد دخول إلى فضاء معماري، بل هي رحلة في الزمن تعود بالزائر إلى مرحلة كانت فيها المدينة العتيقة قلب الدولة ومركزها السياسي والثقافي والديني. وتُعد المدينة العتيقة بالعاصمة واحدة من أغنى المدن العربية والإسلامية من حيث كثافة المعالم التاريخية وتنوعها، إذ تختزن بين أزقتها الضيقة وأسواقها العتيقة وجوامعها وزواياها قروناً من التاريخ السياسي والثقافي والديني.
فجامع حمودة باشا ليس مجرد مبنى ديني يؤدي فيه الناس صلواتهم اليومية، بل هو معلم تاريخي يعكس تحولات سياسية وثقافية شهدتها البلاد خلال العهد المرادي الذي يمثل بداية استقلال تونس عن الاستعمار العثماني. ومنذ تشييده في القرن السابع عشر ظل هذا الجامع جزءاً من الذاكرة الحية للمدينة، يستقبل المصلين وطلاب العلم ويمنح الحي المحيط به طابعاً روحياً خاصاً.
إن التوقف عند جامع حمودة باشا وغيره من الجوامع التاريخية داخل المدينة العتيقة يذكرنا بأن الحضارة لا تُبنى بمعلم واحد مهما كان عظيماً، بل تتشكل عبر شبكة واسعة من المؤسسات الدينية والعلمية والثقافية التي تتكامل فيما بينها. فالزيتونة كانت القلب العلمي الأكبر، لكن الجوامع الأخرى مثل جامع حمودة باشا كانت الشرايين التي تنقل الحياة الدينية إلى مختلف أحياء المدينة. ومن خلال هذا التكامل تشكلت الهوية الروحية والثقافية لمدينة تونس العاصمة عبر القرون، حيث ظل الدين والعلم والعمران عناصر مترابطة صنعت ملامح المدينة وجعلتها واحدة من أبرز الحواضر الإسلامية في المنطقة.
سياق تاريخي
يرتبط تأسيس الجامع بسياق تاريخي محدد عاشته تونس في النصف الثاني من القرن السادس عشر، حين أصبحت البلاد جزءاً من الإمبراطورية العثمانية عقب الغزو العثماني لتونس سنة 1574 وذلك بعد مقاومة شرسة لهذا الغزو دامت لعقود من قبل الإمارة الشابية في القيروان حاضرة الإسلام الأولى في تونس وسائر المنطقة المغاربية. فقد أدى هذا الحدث إلى إدخال تونس ضمن المجال السياسي والثقافي العثماني مع بروز نزعة استقلالية انفصالية مبكرة من قبل شعبها للتخلص من سلطة الباب العالي الذي لولا الحروب الإسبانية على الدولة الحفصية التونسية والتي أنهكتها لما تمكن منها العثمانيون بعد أن ضيقوا عليها الخناق وحاصروها انطلاقا من الجزائر وطرابلس الغرب اللتين سقطتا مبكرا بيد الغزاة العثمانيين.
ورغم مرارة الغزو فقد حمل العثمانيون معهم تقاليد فقهية ومعمارية جديدة، أبرزها المذهب الحنفي الذي كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية والذي سعوا لنشره في دولة هي مهد تطور المذهب المالكي على يد علمائها وفقهائها في مدينة القيروان ثم في مدينة تونس من خلال جامعة الزيتونة. لذلك ظهرت الحاجة إلى إنشاء جوامع تتماشى مع هذا المذهب الجديد وتستجيب للتقاليد المعمارية المرتبطة به. ومن هنا بدأ ظهور عدد من الجوامع الحنفية في المدينة العتيقة لتونس، كان من بينها جامع حمودة باشا الذي أصبح لاحقاً واحداً من أبرز معالمها.
كان مؤسس الجامع هو حمودة باشا المرادي، أحد أبرز حكام الدولة المرادية التي حكمت تونس خلال القرن السابع عشر وبدأت البلاد تخرج معها من سلطة الباب العالي لتنتهي مملكة مستقلة بذاتها تماما في العهد الحسيني، وقد حارب العثمانيون استقلالها من خلال ولاتهم في الجوار. وعرف عهد حمودة باشا من الاستقرار السياسي ما سمح له بتنفيذ مشاريع عمرانية مهمة داخل العاصمة، أي مدينة تونس التي أصبحت الحاضرة الأولى للبلاد بعد تدمير القيروان على يد قبائل بني هلال العربية. وكان بناء الجوامع في تلك الفترة جزءاً من تقاليد الحكم، إذ كان الحكام يسعون إلى ترك بصمة معمارية تخلد أسماءهم وتؤكد حضورهم السياسي والديني في المدينة. ولذلك لم يكن تشييد جامع حمودة باشا مجرد مبادرة دينية، بل كان أيضاً عملاً ذا دلالة رمزية يعكس مكانة الحاكم داخل المجتمع ويجسد العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة الدينية.
واختير موقع الجامع بعناية داخل النسيج العمراني للمدينة العتيقة، حيث شُيّد في منطقة نشطة تربط بين عدة شوارع رئيسية وتجاور بعض المعالم الدينية المهمة. ومن أبرز هذه المعالم زاوية سيدي بن عروس، وهي زاوية أحد الأولياء الصالحين الذين يحتلون مكانة بارزة في الوجدان الشعبي التونسي. وساهم هذا القرب في إضفاء بعد روحي خاص على المنطقة، إذ أصبح المكان يجمع بين العبادة والتصوف والتعليم الديني. كما أن موقع الجامع بالقرب من الأسواق القديمة جعله جزءاً من الحياة اليومية لسكان المدينة، حيث كان التجار والحرفيون يقصدونه لأداء الصلوات خلال يوم العمل.
إبداع هندسي
يعكس التخطيط المعماري للجامع مزيجاً من التقاليد المحلية والتأثيرات الخارجية، فقد صُمم وفق نموذج يتضمن صحنًا داخلياً تحيط به أروقة، إلى جانب بيت صلاة واسع ومئذنة مميزة وضريح للمؤسس. ويشكل الصحن فضاءً مفتوحاً يتيح دخول الضوء والهواء إلى داخل المبنى، كما يوفر مكاناً يجتمع فيه المصلون قبل دخول بيت الصلاة. وتستند الأروقة المحيطة بالصحن إلى أعمدة رخامية تحمل أقواساً نصف دائرية، وهي عناصر معمارية تمنح المكان إحساساً بالانسجام والاتساع. ولم يكن الصحن مجرد عنصر معماري وظيفي، بل كان أيضاً فضاءً اجتماعياً يلتقي فيه الناس بعد الصلاة ويتبادلون الأخبار والأحاديث، ما جعله جزءاً من الحياة اليومية لسكان الحي.
أما بيت الصلاة فهو القلب الروحي للجامع، حيث يجتمع المصلون لأداء الصلوات اليومية وصلاة الجمعة. ويتخذ هذا الفضاء شكلاً مستطيلاً مقسماً إلى عدة بلاطات بواسطة صفوف من الأعمدة الرخامية التي تحمل الأقواس والسقف. وقد استُخدمت في بناء هذه الأعمدة أنواع مختلفة من الرخام، بعضها أعيد استخدامه من مبانٍ قديمة وفق تقليد كان شائعاً في العمارة الإسلامية. وفي جدار القبلة يوجد المحراب، الذي زين بنقوش نباتية وهندسية دقيقة تعكس مهارة الحرفيين الذين شاركوا في بناء الجامع. وإلى جانب المحراب يوجد المنبر الخشبي الذي كان الخطيب يعتليه لإلقاء خطبة الجمعة، وهو مزخرف بنقوش هندسية معقدة تعكس جمالية الفن الإسلامي.
ومن أبرز العناصر التي تميز الجامع مئذنته المثمنة الشكل، وهي سمة معمارية ارتبطت بالجوامع الحنفية في تونس. فبينما كانت المآذن في الجوامع المالكية التقليدية غالباً مربعة الشكل مثلما هو الحال في الجامع الأعظم أي جامع الزيتونة المعمور، جاءت هذه المئذنة ذات تصميم مختلف. ويتكون هيكلها من قاعدة مربعة تعلوها طبقات مثمنة تنتهي بشرفة للأذان، حيث كان المؤذن يصعد عبر درج حلزوني داخلي ليعلن دخول وقت الصلاة. وكانت هذه المئذنة جزءاً من المشهد العمراني للمدينة، إذ كان صوت الأذان الصادر منها يتردد في أرجاء الحي ويمنح المكان إيقاعه اليومي.
تزدان أجزاء من الجامع بزخارف محلية استُخدم فيها الرخام متعدد الألوان في بعض العناصر المعمارية، كما ظهرت زخارف نباتية وهندسية في الجدران والأبواب. وتعكس هذه الزخارف مهارة الحرفيين الذين شاركوا في بناء الجامع، كما تشير إلى التفاعل الثقافي الذي كانت تعرفه تونس في تلك الفترة من تاريخها.
دور علمي
إلى جانب وظيفته الدينية، لعب جامع حمودة باشا دوراً مهماً في الحياة العلمية للمدينة. فقد احتضن حلقات لتدريس العلوم الدينية مثل الفقه والتفسير والحديث واللغة العربية. وكان بعض العلماء يعقدون دروسهم فيه لطلاب العلم الذين كانوا يقصدون الجوامع طلباً للمعرفة. وعلى الرغم من أن جامع الزيتونة وجامعته العلمية التي تعتبر أقدم جامعة في العالم يستمر فيها التدريس بدون انقطاع إلى اليوم ظل المركز العلمي الأكبر في مدينة تونس، فإن الجوامع الأخرى مثل جامع حمودة باشا المرادي ساهمت بدورها في نشر التعليم وتكوين العلماء.
ومع مرور الزمن ظل الجامع يؤدي وظيفته الدينية والاجتماعية داخل المدينة العتيقة، رغم التحولات السياسية التي عرفتها البلاد. فقد شهدت تونس فترات مختلفة من الحكم، من العهد المرادي إلى العهد الحسيني وصولا إلى فترة الإستعمار الفرنسي التي تلتها مرحلة الدولة الوطنية. وخلال هذه التحولات بقي الجامع جزءاً من الحياة اليومية للسكان، يستقبل المصلين ويحتفظ بمكانته داخل النسيج الحضري للمدينة.
وقد اكتسب الجامع أهمية إضافية بعد إدراج مدينة تونس العتيقة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، وهو ما ساهم في تعزيز الجهود الرامية إلى الحفاظ على المعالم التاريخية داخلها. وأصبح جامع حمودة باشا جزءاً من هذا التراث الذي يعكس ثراء الحضارة الإسلامية في تونس وتنوع التأثيرات الثقافية التي شكلت هوية المدينة.
إن التجول في أزقة المدينة العتيقة يقود الزائر في النهاية إلى مثل هذه المعالم التي تختزل تاريخ المكان. فحين يقف المرء أمام جامع حمودة باشا لا يرى مجرد مبنى حجري قديم، بل يرى أثرا حيا لقرون من الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية. فقد مر عبر أبوابه آلاف المصلين والعلماء والتجار والحرفيين، وكل منهم ترك بصمة صغيرة في ذاكرة المكان. ومع مرور الزمن تراكمت هذه البصمات لتشكل ذاكرة جماعية تجعل من الجامع أكثر من مجرد فضاء معماري.
ثراء ديني ومعماري
يرى مروان السراي الباحث في المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق في حديثه لـ«القدس العربي» أنه حين يُذكر اسم مدينة تونس يتبادر إلى الذهن مباشرة جامع الزيتونة المعمور أو الجامع الأعظم مثلما يسمى أيضا في كتب المؤرخين القدامى، ذلك المعلم الديني والعلمي الذي ارتبط بتاريخ المدينة والبلاد منذ قرون طويلة. فقد كان هذا الجامع، بحسب السراي أكثر من مجرد مكان للعبادة، حيث كان مؤسسة علمية كبرى تشكلت حولها عبر الزمن جامعة الزيتونة، التي تعد أقدم المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي، بل وأقدم جامعات العالم التي استمر فيها التدريس بدون انقطاع منذ تأسيسها سنة 737 للميلاد وإلى يومنا هذا. وقد تخرجت من هذه المؤسسة العلمية، بحسب الباحث التونسي، شخصيات بارزة تركت بصمتها في تاريخ الفكر الإنساني، ومن أشهرهم المؤرخ والفيلسوف الاجتماعي ابن خلدون الذي يعد أحد رواد علم الاجتماع ومؤسس فلسفة التاريخ الحديثة.
ويضيف محدثنا قائلا: «غير أن اختزال تاريخ مدينة تونس في جامع الزيتونة وحده، رغم عظمته ومكانته، لا يعكس الصورة الكاملة للثراء الديني والعمراني الذي تزخر به مدينة تونس العتيقة. فداخل أسوار هذه المدينة التي يعود تاريخها إلى قرون طويلة تنتشر عشرات الجوامع والمساجد والزوايا التي شكلت عبر الزمن شبكة دينية وعلمية متكاملة. وقد لعبت هذه المعالم دوراً مهماً في الحياة اليومية للسكان، إذ لم تكن مجرد أماكن للصلاة، بل كانت فضاءات للعلم والتواصل الاجتماعي ومراكز لنشر الثقافة الدينية. ففي كل حي من أحياء المدينة العتيقة تقريباً كان يوجد مسجد أو جامع يجتمع فيه أهل الحي لأداء الصلوات وتلقي الدروس الدينية والاستماع إلى الخطب، الأمر الذي جعل المدينة تبدو وكأنها نسيج من الفضاءات الروحية المتداخلة التي تمنحها طابعها الخاص.
ومن بين هذه المعالم الدينية التي تزخر بها المدينة يبرز جامع حمودة باشا باعتباره واحداً من الجوامع التاريخية التي تعكس مرحلة مهمة من تاريخ تونس، وتحديداً فترة الحكم المرادي في القرن السابع عشر. وقد شُيّد هذا الجامع في قلب المدينة العتيقة في موقع يربط بين عدة أحياء وأسواق، ما جعله جزءاً من الحياة اليومية للسكان. ورغم أن شهرته لا تضاهي شهرة جامع الزيتونة، إلا أنه يمثل بدوره صفحة مهمة من صفحات التاريخ العمراني والديني للعاصمة. فالجوامع الصغيرة والمتوسطة التي تنتشر في أزقة المدينة العتيقة كانت تشكل إلى جانب الزيتونة منظومة دينية متكاملة، حيث يتلقى الناس تعاليم الدين ويعيشون طقوسهم الروحية في فضاءات قريبة من حياتهم اليومية».