التنازل عن نفقة الطفل ام نقل عبء اداءها....
مصطفى جواد الكريم
باحث قانوني مستقل
اثير في الاونة الاخيرة موضوع في مواقع التواصل الاجتماعي قرار صادر من محكمة التمييز الاتحادية هيئة الاحوال الشخصية، كان موضوعه ان اتفق الاب مع الام، ان تتنازل الام عن نفقة الطفل المحضون لديها المنفقة من قبل الاب.
وحق الطفل بالحصول على النفقة من الحقوق اللصيقة به والمحمية بموجب القانون ولا يجوز لاي شخص التنازل عنها، ولكن، ماذا يفعل الاب اذا كان بوضع مادي سيء وارادت الام مساعدته بالانفاق وايقاف تنفيذ النفقة المفروضة على الاب للطفل بموجب حكم قضائي منفذ من خلال دائرة التنفيذ.
نظم المشرع العراقي هذا الحق الخاص بالطفل والواجب الملقى على عاتق الاباء في (مدونة قانون الإحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الشيعي الجعفري) في المادة 101 التي نصت على:- (كما يثبت للولد - ذكراً كان أو انثى - حق اﻹنفاق على أبيه)، والمادة 103 التي نصت على:- (يثبت حّق اﻹنفاق للولد مع فقد اﻷب أو إعساره على جّده ﻷبيه وإن علا اﻷقرب فاﻷقرب، ومع فقده أو إعساره فعلى أُّمه، ومع فقدها أو إعسارها فعلى أبيها وأُّمها وأبي أبيها وأُّم أبيها وأبي أُّمها وأُّم أُّمها وهكذا اﻷقرب فاﻷقرب).
يُشير النصان القانونيان من مدونة الأحكام الشرعية الجعفرية إلى تنظيم "حق النفقة الأقارب" وفق تسلسل هرمي ومسؤولية متبادلة، ويمكن فهمهما من خلال النقاط التالية:-
- مسؤولية الأب المباشرة: الأصل أن الأب هو المسؤول الأول والملزم قانوناً بالإنفاق على أولاده، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، وهذا حق شرعي وقانوني ثابت للطفل بمجرد ولادته.
- انتقال المسؤولية عند العجز: في حال عدم وجود الأب، أو كان موجوداً لكنه "معسر" (فقير ولا يملك مالاً)، تنتقل مسؤولية الإنفاق إلى الطبقة الاعلى وهو "الجد" تجاه احفادهم.
- قاعدة الأقرب فالأقرب: يعتمد القانون مبدأ الأولوية في القرابة؛ فالمسؤولية تقع على القريب المباشر، وإذا تعذر ذلك تنتقل لمن يليه في الدرجة (الأب، ثم الجد، ثم الام وهكذا).
- المساواة في الاستحقاق: النص لم يفرق بين الذكر والأنثى في "حق" الحصول على النفقة؛ فالبنت والابن لهما نفس الحق في أن يُنفق عليهما والداهما أو أجدادهما عند الحاجة.
واجمالا، يعكس النص حرص المشرع على ضمان الحماية المالية للفئات الضعيفة داخل الأسرة (الأطفال وكبار السن) عبر توزيع التكافل الاجتماعي بين الأصول والفروع، وان دعاوى التنازل عن هذا الحق، يكون مصيرها دائما الرد، باعتبار ان الانفاق على الطفل من الواجبات التي تحقق حصول الطفل على حقه بالغذاء والملبس والمسكن والتعليم وغيرها من الامور المهمة في تقويم حياته، وهذه الحقوق لا يجوز التنازل عنها خاصة اذا كان صاحب الحق فيها صغير وينوب عنه اخر بالتنازل عنها.
كما نصت المادة 100 من ذات المدونة على ان:- (يجوز أن يشترط الزوج في عقد الزواج أن تشارك الزوجة من مالها - كراتبها - في اﻻنفاق عليها وعلى اوﻻدهما، فيلزمها الوفاء بذلك).
وان الجواز الوارد في المادة 100 اعلاه، ظاهره ان يتم التصريح به قبل ابرام عقد الزواج، وان يثبت فيه، واذا ما اردنا النظر له من جهة الانسجام والتعاون فيما بعد ابرام عقد الزواج، خلال الحياة الزوجية فتكون المشاركة ما بين الزوجين في ادارة الحياة الاسرية ولا سيما الانفاق واعباء الحياة الاخرى، فان التشارك في ادارتها تكون من الاطلاقات المتروكة لمساحة التعاون والتفاهم ما بين الزوجين، فييكون لهما الحق في التعاون بالانفاق حتى لو لم يتم حذا الاتفاق حين العقد، بل حتى لو حصل بعد سنوات من العقد فلا مشكلة في ذلك، فيمكن ان تنفق الام جزء محدد في جانب محدد (الطفل) او ان تختص بكامل نفقته، وبالامكان توثيق ذلك.
ان الخطا الحاصل في مثل هذه الحالة عند اجراءها امام القضاء، لا يكون بسبب النيبة، لان النية منعقدة اصلا تجاه عدم حرمان الطفل من الانفاق عليه، بل بسبب طريقة صياغة اللوائح والدفوع المقدمة للقضاء وطريقة ادارة الدعوى، الان العبرة في تكييف الدعوى بالمقاصد والمعاني الظاهرة للألفاظ، ولا يجوز للمحكمة التأويل بحثاً عن غايات غير مصرح بها.
فتكون الدعوى واجبة الرد بمجرد ان تجد المحكمة ان موضوع الدعوى هو التنازل عن حق مهم من حقوق الطفل، مثل حقه في الانفاق عليه.
ولما كان الانفاق واجب يقع على الاب عبئ اداءه، وفي نفس الوقت عند الرجوع الى النصوص اعلاه (100 و101 و103) نجد ان هذه الواجب من الممكن ان ينتقل الى شخص اخر، فالمسؤولية تقع على القريب المباشر، وإذا تعذر ذلك تنتقل لمن يليه في الدرجة، (الجد) ومن ثم الام.
أي ان عبء الانفاق، رغم فرضه قانونا على الاب، وجعله من الالتزامات الاصلية في ولايته على ابناءه، الان انه اتاح الفرصة بان ينتقل في حال اعساره او فقده الى الجد وتليه الام في ذلك.
وهذا يعني ان المشرع لم يعطي أي ثغرة لترك هذا الطفل من دون انفاق، وبالتالي الاضرار به او قد تنتهي به المواصل الى التهلكة.
ولما كان التنازل عن حق هذا الطفل غير مقبول قانوناً، وان القانون في حالة الاعسار، فرض على الجد او الام بأن يحلوا محل الاب في الايفاء بهذا الواجب واداء النفقة الواجبة للطفل وعدم تركه بدونها.
والاصل في اثبات القدرة على الانفاق يكون من خلال الاقرار وان لم يحصل، فبأدلة الاثبات الاخرى وبواسطة البينات، وهذا الحال يكون عند ادعاء الام او غيرها، بان الاب امتنع عن الانفاق على ولده، وادعى هو بالعسر.
اما اذا كان الامر دون منازعة وبالاتفاق فيكتفي القضاء بالاقرار من وقبوله من قبل الطرف الاخر (الام)، فيتفق الاب والام امام القضاء على ان تحل الام محل الاب في اداء هذا الواجب، فينقل عبء الانفاق من الاصيل بهذا الواجب (الاب) الى الام صحبة الواجب البديل في الانفاق.
أي لا يترك الطفل بدون انفاق محدد او مثبت، كما في حالة التنازل، بل ان عبء هذا الواجب ينقل من ذمة شخص الى شخص اخر، فيصح الادعاء بذلك.





رد مع اقتباس