من أهل الدار
تاريخ التسجيل: October-2013
الجنس: ذكر
المشاركات: 107,306 المواضيع: 103,155
مزاجي: الحمد لله
موبايلي: samsung A 14
آخر نشاط: منذ 14 ساعات
حين يقصف التاريخ: تدمير قصر الباشا في غزة شاهد على جريمة بحق الذاكرة الفلسطينية
حين يقصف التاريخ: تدمير قصر الباشا في غزة شاهد على جريمة بحق الذاكرة الفلسطينية

تعد غزة رغم صغر مساحتها الجغرافية من أقدم المناطق التاريخية على البحر الأبيض المتوسط، فهي ليست مجرد مدينة حديثة، بل موقع عمره آلاف السنين يعكس تتابع حضارات وثقافات متعددة، حيث مر عليها الفراعنة والكنعانيون، والفينيقيون، والرومان والبيزنطيون وغيرهم، فيما يتميز موقع غزة بأنه ممر للتجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتضم عددا كبيرا من المواقع الأثرية التي تجسد تاريخها العريق، ومن أبرز المعالم التي بقيت شاهدة حتى قبل نشوب حرب الإبادة، قصر الباشا أو ما يعرف بقلعة نابليون.
وركز الاحتلال خلال حربه على غزة على تدمير كافة المعالم التاريخية والأثرية، من حمامات وكنائس وأديرة وقصور، حيث تعرضت البلدة القديمة وسط المدينة والتي تضم المئات من المعالم التاريخية، لقصف عنيف ومركز طوال فترة الحرب سواء من الطائرات أو المدفعية، فلم يبق معلم إلا وتعرض سواء للدمار الكلي أو الجزئي، وهذا هو حال قصر الباشا الذي يقع في البلدة القديمة وسط مدينة غزة في حي الدرج، حيث يضم هذا الحي القديم والذي كان مركزا إداريا وتجاريا مهما في العصور الإسلامية القديمة، العديد من المعالم ومن أبرزها قصر الباشا، الذي تعرض للقصف الجوي والنهب لمقتنياته والتدمير شبه الكلي.
وقصر الباشا أحد أبرز المعالم التاريخية والأثرية في مدينة غزة، ويمثل شاهدا حيا على تعاقب الحضارات التي مرت على فلسطين عبر العصور، ويتميز القصر بقيمته التاريخية والمعمارية، إذ ارتبط اسمه بالحكم والإدارة، وشهد أحداثا سياسية وعسكرية مهمة، مما جعله رمزا من رموز التراث الفلسطيني، ويتميز موقع القصر بقربه من معالم أثرية أخرى، مثل المسجد العمري الكبير والأسواق القديمة، وحمام السمرا، وكنيسة دير اللاتين، والعديد من معالم البلدة القديمة وسط مدينة غزة.
ويمثل قصر الباشا نموذجا فريدا للعمارة الإسلامية المملوكية والعثمانية، ويتكون من طابقين رئيسيين مبنيين من الحجر الرملي المحلي، وساحة داخلية تتوسط القصر كانت تستخدم للأنشطة الرسمية، وغرف واسعة ذات أسقف مقببة، ونوافذ وأبواب مقوسة تعكس الطراز المعماري الإسلامي، وزخارف حجرية بسيطة تحمل طابع الوقار والقوة، كما يتميز القصر باستخدام العقود المدببة والقباب، وهي سمات شائعة في العمارة المملوكية. وعرف قصر الباشا بعدة أسماء عبر العصور، من أبرزها قصر الباشا نسبة إلى الولاة (الباشاوات) العثمانيين الذين أقاموا فيه، وقصر ابن رضوان، نسبة إلى الأمير المملوكي رضوان بن عبد الله، دار السعادة، وهو اسم يعكس مكانته كمقر للحكم والرفاه، وقلعة نابليون، حيث يقال إن القائد الفرنسي نابليون بونابرت أقام فيه لفترة وجيزة أثناء حملته على بلاد الشام عام 1799م. ومر تاريخ بناء وترميم القصر بالعديد من العصور، فخلال العصر المملوكي شيد القصر، حيث كان مقرا للحكم المحلي ومركزا إداريا وعسكريا، وفي العصر العثماني استخدمه الولاة العثمانيون مقرا رسميا لهم، وتم توسيعه وإضافة عناصر معمارية جديدة، ما أكسبه طابعا معماريا مميزا، وخلال فترة الانتداب البريطاني استخدم القصر لأغراض إدارية وعسكرية، وفي العصر الحديث جرى ترميم القصر وتحويله إلى متحف أثري، يعرض تاريخ غزة عبر العصور المختلفة، وبات القصر على غرار العديد من المعالم التاريخية ذات الأهمية مقصدا للزوار من داخل فلسطين وخارجها، وكان هناك أيضا اهتمام كبير من قبل الجهات الحكومية المختصة في غزة بهذا القصر، من خلال تشديد الحراسة عليه ومتابعة عمليات الترميم له بشكل مستمر.
ولعب القصر دورا كبيرا في العديد من المهام، على صعيد الأهمية السياسية، لعب دورا مهما كمقر للحكم في غزة، حيث كان مركزا لإدارة شؤون المدينة، واستخدم مقرا لاستقبال الوفود الرسمية، كما شهد اتخاذ قرارات سياسية وإدارية مهمة، أما على الصعيد الثقافي والحضاري بعد تحويله إلى متحف أصبح القصر مركزا ثقافيا مهما، حيث يضم قطعا أثرية تعود للعصور الكنعانية، الرومانية، البيزنطية، والإسلامية ومخطوطات وعملات تاريخية، ومعروضات تبرز الحياة الاجتماعية والاقتصادية في غزة قديما، أما على صعيد الهوية الفلسطينية، كان يمثل القصر رمزا للهوية الفلسطينية والصمود التاريخي، إذ يعكس عمق الحضارة وارتباط الإنسان الفلسطيني بأرضه، وأهمية الحفاظ على التراث في ظل التحديات التي تواجه المواقع الأثرية.
ويشهد القصر حاليا مرحلة قاسية من الدمار والضياع التاريخي، حيث تعرض للقصف العنيف خلال حرب الإبادة على غزة، وتم تدمير 70 في المئة من أجزائه كليا، حيث إختفت آلاف القطع الأثرية التي احتفظ بها داخل القصر من آلاف السنين بعد القصف، ووجهت تهم النهب لأكثر من 20 ألف قطعة لجنود إسرائيليين، قاموا قبل تدمير القصر بسرقة القطع الأثرية من داخله خلال عملية الاجتياح البري، حيث أثارت عمليات السرقة حالة من الغضب بين الغزيين، واعتبروا ذلك بمثابة سرقة وخطف لتاريخ غزة العريق، حيث كان القصر قبل الحرب من أكثر المواقع الأثرية جذبا للزوار، لما يضم بداخله من زوايا وممرات تحمل زخارف تاريخية، وتعرض فيها قطع تاريخية تمثل العديد من الحضارات التي مرت على فلسطين، بدءا من العصور القديمة الرومانية والبيزنطية إلى العصور الإسلامية العثمانية والمملوكية.
وتجري فرق مختصة في التنقيب عمليات بحث وتنقيب بأدوات بدائية عن ما تبقى من قطع أثرية تحت ركام القصر، كما يجري العمل على ترميم ما تبقى من أجزاء القصر، في محاولة لإبقاء مكانته التاريخية حتى ولو دمر جزء كبير منه، ومحاولة إرجاع ما فقده من قطع ومقتنيات أثرية، ومنع وقوع تلك القطع في أيدى اللصوص، الذين لا يعرفون القيمة التاريخية للآثار المدفونة تحت الحجارة، لكن تواجه عمليات الترميم والتنقيب صعوبة كبيرة، بسبب عدم توفر معدات ثقيلة لرفع الحجارة الكبيرة والأعمدة، إلى جانب شح مواد البناء الأساسية مثل الأسمنت الأبيض والجبس.
ووصف الخبير في علم التنقيب والآثار فضل العطل، ما جرى من تدمير للعديد من المعالم الأثرية وبالتحديد قصر الباشا بالجريمة الثقافية، التي تستهدف محو التاريخ الفلسطيني، فما جرى ليس خسارة مبنى أثري، بل ضربة لتاريخ ضارب في القدم، وهذا يعد انتهاكا بحق القوانين الدولية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية خلال فترة النزاعات، لكن إسرائيل دولة فوق القانون ولا تحترم القرارات والمبادئ الدولية.
وأشار في حديثه لـ«القدس العربي» إلى أن غزة خسرت معلما أثريا وتاريخيا قديما، يضم المئات من القطع الأثرية النادرة، كما أن للقصر مكانة خاصة عبر التاريخ وكان شاهدا على مراحل تاريخية هامة، كما كان يشكل مقصدا للزوار من حول العالم. ولفت إلى أن القصر تعرض لدمار كبير يصعب ترميمه بعدما فقد أجزاء مهمة منه، كما أن غياب مواد الترميم تصعب عمليات إنقاذ ما تبقى من أجزائه، ومع استمرار عمليات القصف والتقلبات الجوية والرياح، فإن أجزاء القصر الباقية والتي تعاني من تشققات، مهددة بالهدم واختفاء قصر الباشا بشكل كامل، لتفقد غزة معلما تاريخيا يمتد لآلاف السنين.