من أهل الدار
تاريخ التسجيل: October-2013
الجنس: ذكر
المشاركات: 107,306 المواضيع: 103,155
مزاجي: الحمد لله
موبايلي: samsung A 14
آخر نشاط: منذ 14 ساعات
مدينة مروي السودانية ذاكرة حضارة كوش… حين يواجه مجد التاريخ تهديد الحاضر
مدينة مروي السودانية ذاكرة حضارة كوش… حين يواجه مجد التاريخ تهديد الحاضر

على الضفة الشرقية لنهر النيل، في شمال السودان، تقف مدينة مروي الأثرية شاهدة على واحدة من أعظم الحضارات الأفريقية القديمة، وحاملة لذاكرة مملكة كوش التي امتد نفوذها السياسي والثقافي والديني لقرون طويلة عبر وادي النيل، وصولاً إلى شمال أفريقيا. وتمثل مروي معلماً إنسانياً استثنائياً، لا يروي تاريخ السودان وحده، بل فصلاً مهماً من تاريخ الحضارة الإنسانية جمعاء.
تقع المدينة الأثرية على بعد نحو ستة كيلومترات شمال شرقي محطة كبوشية، بالقرب من مدينة شندي، وعلى مسافة تقارب 200 كيلومتر من العاصمة الخرطوم. ويجاور الموقع عدد من القرى المعروفة باسم البجراوية. وكانت مروي عاصمة للمملكة الكوشية لعدة قرون، وأطلق الكوشيون اسمها على الإقليم الواقع بين نهر عطبرة شمالاً، والنيل الأزرق جنوباً، ونهر النيل شرقاً، وهو الإقليم المعروف جغرافياً باسم إقليم البطانة.
ورغم مرور أكثر من ألفين وثلاثمئة عام على ازدهارها، لا تزال آثار مروي قائمة، شامخة في وجه الزمن. غير أن المدينة شهدت في كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظة فارقة، تقاطعت فيها عظمة الماضي مع أخطار الحاضر، حين شوهدت قوات الدعم السريع في محيط المنطقة الأثرية، بالتزامن مع اشتداد المعارك حولها، ما أثار مخاوف حقيقية على سلامة أحد أهم مواقع التراث العالمي. كانت مروي العاصمة الجنوبية لمملكة نبتة، وتشير النصوص المروية، التي لم تُفك رموزها كاملة بعد، إلى أن عمر المملكة امتد من نحو 800 قبل الميلاد حتى 350 ميلادية، وكان اسمها «ميدوي» أو «بيدوي». وكشفت الأبحاث الأثرية، خاصة في مناطق التكدس البشري، عن دلائل مهمة في المدافن الملكية الكوشية بالمقابر الغربية، التي تعود إلى الفترة ما بين 800 و200 قبل الميلاد.
ويرتبط تطور الثقافة المروية بالأسرة الكوشية الخامسة والعشرين التي نشأت في كوش، والتي لعبت دوراً محورياً في تاريخ المنطقة. كما يُنسب تطور الحياة المدنية في مروي إلى عهد الملك أركماني، الذي بدأ حكمه نحو عام 280 قبل الميلاد، حين نُقلت المدافن الملكية من جبل البركل في نبتة إلى مروي، في خطوة عكست تحولاً سياسياً ودينياً مهماً.
صناع الحديد
قامت مروي في كنف مملكة غنية ومزدهرة، اشتهرت بصناعة الحديد وبنشاطها التجاري الواسع مع الهند والصين ومراكز التجارة العالمية في ذلك الزمان. واستقطبت المدينة عمال التعدين من مختلف أنحاء العالم القديم، ما دفع المؤرخين إلى تسميتها «بيرمنغهام أفريقيا»، نظراً للإنتاج الضخم من خام الحديد والحديد المصنع. وكان المرويون من أمهر صناع الحديد في العالم، مستخدمين أفران الصهر والمحارق بكفاءة عالية. ويذهب بعض العلماء، مثل جورج أندرو ريزنر، إلى أن حضارة مروي امتداد لحضارة كرمة، التي تُعد من أقدم حضارات وادي النيل.
ولم يقتصر ازدهار مروي على الحديد، إذ صدّرت المملكة المنسوجات والمجوهرات، واشتهرت بالمنسوجات القطنية التي بلغت ذروة تطورها نحو عام 400 قبل الميلاد. كما كانت المملكة غنية بالذهب، ونشطة في تجارة الحيوانات النادرة، ما عزز مكانتها الاقتصادية والإقليمية.
أما نظام الحكم النوبي، فكان نظاماً أوتوقراطياً، يحتكر فيه الملك اتخاذ القرار، مع دور محدود أو غير مباشر للملكة الأم، المعروفة بلقب «الكنداكة». وكان الملك يشرف بنفسه على إدارة الخزينة وحملة الأختام والسجلات ورؤساء الكتبة. وبحلول القرن الثالث الميلادي، طوّر المرويون أبجدية كتابية تتكون من 23 حرفاً، استُخدمت لكتابة اللغة المروية، مع وجود دلائل تشير إلى أن ظهورها الأول ربما كان في القرن الثاني الميلادي.
يطلق اسم مروي على المدينة الأثرية وعلى الإقليم الجغرافي الذي قامت فيه، المعروف تاريخياً باسم جزيرة مروي، لوقوعه بين نهر النيل وروافده، خاصة نهر عطبرة. وقد أطلق الكوشيون هذا الاسم على عاصمتهم والمنطقة المحيطة بها، في دلالة على مركزيتها السياسية والروحية.
وتقع الآثار الرئيسية لمروي بالقرب من بلدة البجراوية في الولاية الشمالية. ورغم وجود مدينة حديثة تحمل الاسم نفسه، فإن مروي في السياق التاريخي تشير إلى المدينة الأثرية، التي شكلت القلب الملكي والديني لحضارة كوش.
كانت مروي عاصمة مملكة كوش في مرحلتها المتأخرة، بعد انتقال العاصمة من نبتة، وشكّلت واحدة من أعظم القوى السياسية في المنطقة بين القرنين الثامن والرابع قبل الميلاد. ولم تكن كوش مملكة محلية محدودة النفوذ، بل قوة إقليمية كبرى، حكم ملوكها مصر لما يقارب القرن، فيما عُرف بالأسرة الخامسة والعشرين.
وفي مروي، تبلورت حضارة أفريقية أصيلة، تفاعلت مع الحضارات المصرية والهيلينية والشرق أوسطية، مع احتفاظها بخصوصيتها الثقافية والدينية. ويتجلى هذا التفاعل في العمارة والنقوش واللغة المروية والطقوس الدينية وأنماط الحكم.
تنوع معماري وحضور رمزي
يضم الموقع الأثري في مروي عدداً كبيراً من الأهرامات الكوشية، التي تختلف عن الأهرامات المصرية بقاعدتها الضيقة وزاوية ميلها الحادة. وقد شُيّدت كمقابر للملوك والملكات والنخب الحاكمة، وتحمل نقوشاً دينية تعبّر عن معتقدات الكوشيين حول الحياة والموت.
وإلى جانب الأهرامات، تنتشر المعابد والقصور والمنشآت السكنية، فضلاً عن شبكات مياه متطورة، تعكس مستوى متقدماً من التنظيم الحضري والازدهار الاقتصادي القائم على الزراعة والتجارة وصناعة الحديد.
لا تكتمل صورة مروي بدون التوقف عند موقعي النقعة والمصوّرات الصفراء، وهما من أبرز المراكز الدينية في مملكة كوش، ويقعان ضمن إقليم جزيرة مروي، المدرج على قائمة التراث العالمي. وتعود معابد هذين الموقعين إلى الفترة ما بين 350 قبل الميلاد و350 بعده.
وتقع النقعة على بُعد نحو 170 كيلومتراً شمال شرقي الخرطوم، و50 كيلومتراً شرق نهر النيل، شمال منطقة ود بانقا، عند التقاء وادي العوتيب القادم من البطانة بالأودية المتجهة نحو النيل. وكانت النقعة محطة تجارية وموقعاً استراتيجياً مهماً، وتضم آثاراً بارزة، أبرزها معبدا أباداماك وآمون، إلى جانب المعبد الروماني، وقد صنفها علماء الآثار كأحد أهم المراكز الحضارية في أفريقيا.
في عام 2011، أدرجت منظمة اليونسكو جزيرة مروي على قائمة التراث العالمي، اعترافاً بقيمتها الاستثنائية بوصفها شاهداً على حضارة كوش، ووصفتها بأنها تضم الحاضرة الملكية للملوك الكوشيين قرب نهر النيل، إلى جانب المواقع الدينية في النقعة والمصوّرات الصفراء، المرتبطة بشبكة مائية متطورة.
حين تصل الحرب إلى التاريخ
غير أن هذا الإرث الإنساني واجه تهديداً غير مسبوق مع وصول المعارك إلى محيط جزيرة مروي في كانون الأول/ديسمبر 2024، بعد تداول مقاطع مصورة تُظهر وجود قوات الدعم السريع قرب المواقع الأثرية. وقالت الشبكة الإقليمية للحقوق الثقافية إن هذه القوات دخلت مرتين إلى موقعي النقعة والمصوّرات، ما عرضهما لخطر جسيم.
في المقابل، أعلنت السلطات المحلية في ولاية نهر النيل أن القوات الجوية تصدت لمحاولات التسلل، مؤكدة عودة الهدوء لاحقاً. ورغم ذلك، تحذر منظمات حقوقية وثقافية من أن أي ضرر يلحق بهذه المواقع لن يكون خسارة للسودان وحده، بل للذاكرة الإنسانية جمعاء.
جاء ذلك التهديد بينما تتواصل المعارك المندلعة منذ 15 نيسان/ابريل 2023، والتي أسفرت عن مقتل آلاف السودانيين ونزوح وتهجير الملايين، ما يجعل حماية التراث الثقافي تحدياً إضافياً في ظل أزمة إنسانية خانقة.
وتبقى مروي خزينة لذاكرة ملوك وحرفيين وكهنة ومزارعين، تحكي قصة حضارة استطاعت أن تكون قوة عظمى، وأن تترك بصمتها في سجل الإنسانية.