مدينة أوذنة التونسية: كنز مخفي في دهاليز التاريخ وتعاقب الحضارات
غير بعيد عن مدينة تونس، العاصمة التونسية، وعن مدينة قرطاج الأسطورية رمز الحضارة العريقة، تقف آثار مدينة أوذنة التاريخية شامخة متحدية للزمن، شاهدة على العراقة الحضارية لهذه الأرض الموغلة في القدم. مدينة شيدت في الماضي السحيق على ربوة واسعة مطلة على سهل فلاحي فسيح ومنبسط يعمه الإخضرار المهيب الممتد على مرمى البصر الذي يميز تونس خصوصا في فصل الربيع، حيث ترتفع سنابل القمح في البيادر تنشد النضج والإصفرار من أشعة الشمس منتظرة على أحر من الجمر موسم الحصاد.
تقع مدينة أوذنة الأثرية تحديدا في حوض وادي مليان المعروف بخصوبة أراضيه والذي تغنى به الفنانون والشعراء في أناشيدهم وقصائدهم، وهي غير بعيد عن قناة وادي مجردة التي تسقي بساتين مرناق والخليدية الخصبة والغناء والمنتجة للخيرات الفلاحية. كما تقع على طريق الحنايا أو قناة مياه قرطاج التاريخية المعلقة، التي كانت تعتبر في عصرها من عجائب الدنيا بالنظر إلى الحسابات الدقيقة في هندستها التي جعلتها تجلب المياه من بعيد ومن دون مضخات من مدينة زغوان المشهورة بعذوبة مياهها إلى مدينة قرطاج عاصمة جمهورية قرطاج والحضارة البونية أو البونيقية.
محطات تاريخية
تؤكد المراجع التاريخية على أن الإسم التاريخي لأوذنة هو أوتينا قبل أن يتغير مع الوقت ومع تعاقب الزمن إلى أوتنا ثم أوذنة وهو الإسم المستعمل رسميا اليوم للدلالة على هذا الموقع الأثري. وتقع أوذنة اليوم قرب منطقة الخليدية التابعة لولاية بن عروس التي تقع ضمن إقليم تونس الكبرى الذي يضم أربع ولايات هي تونس وأريانة ومنوبة وبن عروس والتي كانت تشكل جميعا مدينة تونس قبل أن يقع تقسيمها إلى أربع ولايات لتقريب الخدمات الإدارية.
وتنتمي أوذنة إلى فئة المدن التونسية التي وجدت قبل الاحتلال الروماني للبلاد في القرن الثاني قبل الميلاد والتي استوطنها الرومان بعد سقوط دولة قرطاج وأضافوا لها وقاموا بتوسعتها ثم نسبوها لأنفسهم رغم أنهم ليسوا المؤسسين. فكل المراجع التاريخية تؤكد على أن أوذنة كانت مدينة قائمة بذاتها قبل قدوم الرومان، وهي تنتمي إلى الحضارة التونسية السابقة لقدوم الرومان وفيها مؤثرات هذه الحضارات ومن بينها الحضارة القرطاجية.
لكن لا يمكن إنكار أن الرومان أضافوا الكثير من البناءات لهذه المدينة فازدهر معمارها في عهدهم إلى درجة لافتة وحازت على أهمية بالغة خلال فترة احتلالهم للبلاد التونسية بحدودها التاريخية التي كانت أوسع مما هي عليه اليوم. ولعل ما أعطى هذه الأهمية لأوذنة في العهد الروماني هو أنها تحولت إلى مكان لاستقرار ضباط عسكريين متقاعدين من الأهالي المحليين، وتم منحها صفة المستوطنة التي يجوز لسكانها التصويت في الانتخابات والترشح لمختلف المناصب.
وبالتالي فقد حصل سكان أوذنة على الجنسية الرومانية في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس قيصر. ومارسوا الفلاحة في الأراضي الخصبة المحيطة بالمدينة والتي مازالت قائمة إلى اليوم ولم يطلها التوسع العمراني. كما تم إعفاء سكان أوذنة من دفع الضرائب خلافا لمدن أخرى طالها الاحتلال الروماني للبلاد التونسية بعد سقوط قرطاج.
وبقيت المدينة محافظة على ألقها مع أفول نجم الإمبراطورية الرومانية الغربية وتأسيس الوندال لمملكة عاصمتها مدينة قرطاج التي كانت قبل ذلك عاصمة لولاية أفريكا الرومانية بعد سقوط جمهورية قرطاج التاريخية على يد الرومان في القرن الثاني قبل الميلاد. كما حافظت أوذنة على ألقها مع سقوط البلد بيد الروم الشرقيين أو البيزنطيين الذين أنهوا مملكة الوندال بعد قرابة القرن من تأسيسها وانتقموا لبني عمومتهم الرومان الغربيين الذين أنهى وجودهم في شمال أفريقيا الوندال.
ومع قدوم الإسلام إلى المنطقة وانتهاء دور قرطاج التاريخي والحضاري كمدينة عاصمة، وذلك بعد انتهاء دورها كدولة جمهورية أشعت على كامل الحوض الغربي للمتوسط بعد القضاء عليها من قبل الرومان، تراجع دور أوذنة مثلما تراجع دور قرطاج لصالح مدينة تونس التي أخذت المشعل عن قرطاج في الشمال. وفيما يتعلق بالبلاد ككل فقد أصبح قطب الرحى في منطقة الوسط وتحديدا بمدينة القيروان التونسية التي تحولت إلى عاصمة ليس فقط للبلاد التونسية بل لكامل بلاد المغرب الإسلامي.
وتؤكد المصادر بأن العرب والمسلمين لم يشيدوا مبان بمدينة أوذنة وأن كل إنشاءاتهم استحوذت عليها مدينة تونس التي أقيمت فيها دار لصناعة السفن انطلقت منها الفتوحات لاحقا نحو أوروبا الغربية، وبنيت فيها أسوار وحصون وجامع كبير هو جامع الزيتونة المعمور الذي يلقب بالجامع الأعظم ماضيا وحاضرا. وكل تلك الإنشاءات بمدينة تونس شيدت من حجارة قرطاج المدينة التي قطع عنها القائد الأموي حسان بن النعمان الماء من خلال تهديم قناتها التاريخية المسماة الحنايا المشار إليها والتي جلبت لها مياه مدينة زغوان العذبة.
لكن رغم ذلك فإن الفترة الإسلامية تركت آثارا من بينها التحف الخزفية التي تعود إلى القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد والتي لها مثيل في مدينة القيروان ومتاحفها. ومن المؤكد أن صناعة الفخار هي صناعة قديمة في تونس منذ عهد الحضارة القبصية السابقة للحضارة القرطاجية بآلاف السنين، والدليل على ذلك هو الآثار الخزفية التي عثر عليها والمودعة بالمتاحف التونسية والغربية، والنصوص التاريخية التي تتحدث عن تجارة الفخار في تونس في تلك العهود الغابرة. لكن اللافت أن في العهد الإسلامي برزت أشكال جديدة في التزويق بعضها مستمد من الخط العربي وتحديدا الخط القيرواني التونسي الذي نشأ بمدينة القيروان ثم أطلق عليه البعض تسمية الخط المغربي، بما أن مدينة القيروان التونسية كانت خلال عهود الإسلام الأولى عاصمة للمغرب الإسلامي، وبقيت على الدوام الحاضرة الاعتبارية للإسلام في المنطقة المغاربية ورمزه.
ولم تذكر المصادر التاريخية شيئا عن أوذنة خلال فترة حكم الحفصيين والعثمانيين والمراديين والحسينيين، بينما عاد ذكرها خلال فترة الاستعمار الفرنسي لتونس. حيث قام المستعمر بمنح جزء هام من الأراضي الخصبة المحيطة بأوذنة لعائلة مستوطنة فرنسية فقامت بالعبث بالآثار فأزاحت بعضها على غرار معبد الكابيتول وردمت البعض الآخر مثل المسرح الدائري وشيدت وسط الآثار بيتا على النمط الأوروبي.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، بدأ الفرنسيون ينتبهون للأهمية التاريخية لأوذنة، فتم القيام بحفريات في المدينة الأثرية بمساعدة الجيش الفرنسي. وعلى الأرجح فإن تلك الفترة شهدت سرقة جزء كبير من آثار أوذنة تم نقله إلى المتاحف الأوروبية كما حصل مع مدن أثرية أخرى مثل قرطاج ودقة وسبيطلة وبيلاريجيا وأوتيكا وكركوان وغيرها.
ولم تعر دولة الاستقلال في تونس اهتماما كبير في البداية لمدينة أوذنة الأثرية على غرار اهتمامها بمواقع ومدن أخرى، لكن وصولا إلى ثمانينات القرن الماضي التفتت البلاد إلى مواقع أثرية كثيرة ومنها أوذنة ونظمت عمليات التنقيب عن الآثار فيها. وأدت الحفريات إلى اكتشاف منازل تضم لوحات فسيفسائية هامة توثق للحياة اليومية للتونسيين في ذلك العصر وتم أخذ الكثير منها إلى متحف باردو التونسي الشهير بلوحاته الفسيفسائية وبتحفه التاريخية النادرة التي جلبت إليه اهتمام العالم. وفي أطار العناية بموقع أوذنة قامت الدولة بترميم الحمامات العمومية للمدينة الأثرية ومعبد الكابيتول الذي هدم المستوطنون الفرنسيون أجزاء منه، وأزيحت الأتربة التي طمر بها المستوطنون المسرح الدّائري.
معالم المدينة
لم يتم بعد الكشف عن كل معالم مدينة أوذنة الأثرية وما زالت الحفريات ستبوح بالكثير من الأسرار حول هذه المدينة التاريخية التي تعود إلى عصور ما قبل الميلاد. لكن معبد الكابيتول يبقى أهم المعالم على الإطلاق بحسب الكثير من المختصين باعتباره معبد سكان المدينة ومقصد أهلها في الماضي لممارسة طقوسهم الروحانية.
ويتشكل معبد الكابيتول في مدينة أوذنة الأثرية من ثلاثة معابد، أي معبد رئيسي يتوسط معبدين فرعيين وتفتح المعابد جميعها على الساحة العمومية المسماة الفوروم. كما يتشكل الكابيتول من طابق علوي وطابقين سفليين، والبناء بالطوابق كان يميز المعمار القرطاجي في ذلك العصر واقتبسه الرومان من عمارة القرطاجيين وواصلوا اعتماده.
ومن المعالم في أوذنة أيضا منازل الأثرياء في المدينة والمغطاة أرضياتها باللوحات الفسيفسائية والتي تم اكتشافها خلال ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي. وأهم هذه المنازل التي نقلت لوحاتها إلى المتحف الوطني بباردو منزل إيكار الذي تبلغ مساحته قرابة 2300 متر مربع ويبلغ عدد غرفه ثلاثين غرفة بالتمام والكمال.
ومن معالم أوذنة أيضا الحمّام العمومي الذي يتكون من طابقين واحد علوي ويضم القاعات الباردة والساخنة المخصصة لاستحمام المواطنين، والطابق السفلي المخصص لخزن الحطب المستعمل للتسخين. وقد كان الحمام مكانا عاما للقاء والتعارف بين سكان المدينة وللإطلاع على الأخبار المتعلقة بالشأن العام في غياب وسائل الإعلام في ذلك العصر، وكان أيضا مكانا لإبرام الصفقات الفلاحية والتجارية وغيرها.
ويعتبر المسرح الدائري من أهم معالم المدينة ويلعب دور الملاعب الرياضية اليوم حيث يقصده سكان المدينة للترفيه، ويقع في أطراف أوذنة ويتسع لقرابة 17 ألف متفرّج. ويعتبر المسرح الثالث من حيث طاقة الاستيعاب بالنسبة للمسارح التاريخية التونسية وذلك بعد مسرحي الجم وقرطاج اللذين نالا شهرة أكثر منه بفعل المهرجانات التي تقام فيهما.
كما يوجد في أوذنة أيضا مسرح نصف دائري مخصص للعروض الثقافية والفنية، فقد كان الولع بالفنون والتظاهرات الثقافية كبيرا ويفوق الوصف. فالمدن التونسية القديمة تتوفر عادة على مسرحين اثنين، واحد دائري مخصص للعروض الرياضية وللمصارعة بين البشر فيما بينهم أو لصراعهم مع الحيوانات، ومسرح نصف دائري خاص بالمسرح والشعر والموسيقى.
ومن المعالم في أوذنة أيضا المنشآت المائية العمومية ومن أهمها الحنايا التي كانت تزود المدينة بالماء الصالح للشراب وتزود الحمامات العمومية بمياه الاستحمام وذلك في طريقها إلى قرطاج. ومن المنشآت المائية أيضا الخزانات العمومية الكبرى للمياه، حيث لم يتقن سكان المدينة جلب المياه فحسب وإنما برعوا في تخزينها وتوزيعها على الحمامات والمعابد والبيوت وغيرها.
وتبقى الطرق المبلطة التي تسير فيها العربات المجرورة بالخيول من أهم إبداعات مهندسي المدينة الذين شيدوها من حجارة خاصة تم ترصيفها بدقة ومن دون نتوءات قد تعرقل سير العربات وعلى طبقات لا ترتخي ولا تتعرض للحفر رغم الأمطار والعوامل المناخية. ولعل صمود هذه الطرقات إلى يوم الناس هذا دليل على براعة مهندسي ذلك العصر وبنائيه وإتقانهم لعملهم وحرصهم على جمال مدينتهم التي كانت تتنافس مع مدن أخرى في المحيط القريب.
كما بقيت معاصر الزيتون والكروم شاهدة على إتقان سكان المدينة للحرفتين وعلى تطور الصناعات الفلاحية منذ تلك العصور الغابرة، وليس من باب الصدفة أن ينال زيت الزيتون التونسي سنويا اليوم كل تلك الجوائز العالمية. فغراسة الزياتين والكروم ومواقيتها وحسن اختيار نوعية التربة وطريقة العناية بالشجرة وأوان القطف والعصر وطريقة العصر وطريقة التخزين، كلها قواعد فلاحية مؤثرة على جودة منتوجات الزياتين والكروم وقد برع فيها التونسيون منذ القديم ودونها عالم الفلاحة القرطاجي التونسي الملقب بـ«أب الفلاحة» ماجون القرطاجي في مدونته الشهيرة التي ذاع صيتها واقتبس منها الرومان قواعد الفلاحة واستمر الإستئناس بها إلى عصر الحضارة الإسلامية في الأندلس.
ضرورة التثمين
يعتبر وليد المنصوري الباحث في التاريخ التونسي القديم في حديثه لـ«القدس العربي» أن موقع أوذنة التاريخي من أهم المواقع الأثرية في البلاد التونسية ولا يقل أهمية عن مواقع أخرى تم إدراجها في اليونسكو في قائمة التراث العالمي على غرار قرطاج عاصمة الدولة القرطاجية والحضارة البونية أو البونيقية ومدينة دقة العاصمة الأولى للدولة النوميدية التونسية ومهد نشأتها. وتكمن أهمية أوذنة، بحسب محدثنا في أن معالم مدينتها ما زالت بادية للعيان وبإمكان المؤرخين الاعتماد عليها في كتابة التاريخ كوثيقة تتحدث عن الحياة اليومية لأجداد التونسيين في تلك العهود الغابرة سواء من خلال المعالم أو اللوحات الفسيفسائية التي تم العثور عليها في الموقع ونقلها إلى المتحف الوطني بباردو.
ويضيف محدثنا قائلا: «تكمن أهمية أوذنة أيضا في كونها موقع خصب لم يتم اكتشافه بالكامل وإخراج كل كنوزه فما زال هناك المزيد مما يمكن القيام به لإخراج النفائس والكنوز الأثرية التي يتضمنها باطن الأرض. فقرطاج مثلا نهبت إلى حد الاستنزاف من قبل ما يسمى الآباء البيض، زمن الاستعمار وتم نقل كنوزها إلى الفاتيكان وإلى المتاحف الأوروبية، كما قام العرب المسلمون زمن الدولة الأموية بأخذ حجارة مبانيها لتوسعة مدينة تونس وبناء سورها وجامعها الأعظم، جامع الزيتونة المعمور. وقام تجار ببيع الكثير من حجارتها المصقولة وأعمدتها ونقوش جدرانها إلى التجار الأندلسيين لبناء المدن الأندلسية وتطبعت الأندلس بالطابع المعماري القرطاجي نتيجة هذا النهب الذي أكدته كل المراجع التاريخية الموثوقة.
إن ما ينقص آثار أوذنة أو أوتينا لتحوز على شهرة مدن أثرية تاريخية تونسية أخرى يأتي القاصي والداني من السياح لزيارتها، هو إدراجها ضمن المسالك السياحية الهامة في البلاد من قبل وزارة السياحة وتهيئة متحف بالموقع عوض نقل التحف التاريخية التي عثر عليها في أوذنة إلى متحف باردو الذي فيه من الكنوز ما يكفي لينال شهرته العالمية تلك وليس بحاجة إلى كنوز أوذنة. كما يجب على الدولة أن تسعى لإدراج الموقع على قائمة التراث العالمي لليونسكو على غرار الموقع الأثري بقرطاج وموقع دقة الأثري ومدينة كركوان الأثرية القرطاجية ومدينة القيروان الإسلامية والمدينة العتيقة لتونس العاصمة والمدينة العتيقة بسوسة وجزيرة جربة والمسرح الأثري بالجم ومحمية إشكل الوطنية».
ويؤكد محدثنا على ضرورة التأسيس لتظاهرة ثقافية عالمية تتخذ من مسارح أوذنة مقرا لها وتتم نسبتها إلى هذه المدينة الأثرية ويتم تنظيم هذه التظاهرة بشكل دوري، وأن لا يقع الاقتصار، حسب المنصوري، على بعض الحفلات الفنية مثل تلك التي أحياها سابقا الأوركسترا السيمفوني التونسي وفرقة الرشيدية العريقة المؤتمنة على التراث الموسيقي التونسي الأصيل. فمسارح قرطاج والجم ودقة لم تنل شهرتها برأيه إلا من خلال المهرجانات التي أقيمت فيها وهي مهرجان قرطاج الدولي والمهرجان الدولي للموسيقى السيمفونية بالجم ومهرجان دقة الدولي.






رد مع اقتباس