الإسكندرية مدينة الحلم والإبداع وجسر الحضارات



على شريطٍ طويل يمتد بين البحر والسماء، تقف الإسكندرية كأنها حافة العالم القديم، المدينة التي أراد لها الإسكندر الأكبر أن تكون «عاصمة الكون» فأصبحت عبر القرون جسراً بين الحضارات، ومستودعاً للمعرفة، وملتقىً للبشر الذين حملوا إلى شوارعها لغاتهم ودياناتهم وثقافاتهم. فصارت طبقات فوق طبقات من التاريخ والفن والذكريات.
المدينة التي وُلدت من فكرة
أسّس الإسكندر الأكبر المدينة عام 331 ق.م على يد مهندس يدعى دينوقراطيس، الذي وضع لها مخططاً يشبه رقعة الشطرنج: شوارع مستقيمة تتقاطع بزاوية قائمة، وساحة كبرى وميناءآن شرقي وغربي، فكانت واحدة من أوائل المدن «المخططة» في العالم القديم.
بفضل هذا التخطيط المبكر، أصبحت الإسكندرية في العصر البطلمي عاصمة سياسية وثقافية، وموطنًا لمكتبة الإسكندرية الشهيرة التي وصل عدد لفائفها، وفق تقديرات جيبون ومونرو في «تاريخ الإمبراطورية الرومانية»، إلى ما يقارب 700 ألف لفافة. كانت المكتبة جزءًا من «الموسيون» الذي يُعد أول مؤسسة بحثية في التاريخ، وفيه ظهر إقليدس مؤسس الهندسة الحديثة، وزينودوتوس، وكاليماخوس الذي وضع أول نظام تصنيف مكتبي معروف، وأرشميدس الذي ينتمي إلى المدرسة العلمية الأوسع لمدينة الإسكندرية. وتصف برديات «زينون» وكتابات كليمان السكندري هذا العصر بأنه العصر الذي «تداخلت فيه اللغات، وتصارعت فيه العقول لإنتاج معرفة لا حدود لها».
على مدار قرون، رسّخت المدينة مكانتها بوصفها نقطة التقاء فريدة للحضارات. قبل الفتح العربي ثم بعده، بقيت الإسكندرية مدينة متعدد اللغات والجاليات. تقارير الرحالة مثل ابن بطوطة (القرن 14) والرحالة الإيطالي بيلون (القرن 16) تشير إلى أن المدينة لم تفقد طابعها المختلط، رغم التغيرات السياسية. ومع القرن التاسع عشر، وبعد حملة فريزر الإنكليزية وإعادة بناء أجزاء من المدينة، أصبحت الإسكندرية مركزًا دوليًا للتجارة، وافتُتحت الأسواق الحديثة وتدفقت الجاليات المختلفة التي شكلت نسيجًا اقتصاديًا وثقافيًا وصفه تيموثي ميتشل في «استعمار مصر» بأنه «مختبر للحداثة قبل أن تصل إلى القاهرة».
كوزموبوليتان…
يتحدث سكّانها بلغات مختلفة
على عكس كثير من المدن الأخرى، كانت الإسكندرية مدينة «مفتوحة»، تتجاور فيها جاليات اليونان والرومان والمصريين والسوريين واليهود والإيطاليين والأرمن والمالطيين والفرنسيين والإنكليز. هذه الفسيفساء هي التي جعلت منها «المدينة الكوزموبوليتانية» الأشهر في شرق المتوسط، وهو ما وثقته عشرات الدراسات؛ من بينها كتاب روبرت إيلين «مدينة عالمية في المتوسط» الذي يتتبع سجلات الجاليات الأجنبية، وأعمال المؤرخ إدوارد عطية، ودراسات مكتبة الإسكندرية الحديثة التي تُظهر أن المدينة كانت تضم أكثر من 20 صحيفة بلغات متعددة في مطلع القرن العشرين، وأن مسارحها كانت تعرض أعمالًا إيطالية وفرنسية إلى جانب المسرح العربي.
نقطة انطلاق
نحو عصر الصورة في مصر
ولأن الإسكندرية كانت دائمًا تسبق القاهرة بخطوة، فقد شهدت أول عرض سينمائي في تاريخ مصر، حيث تشير المصادر الأولية مثل «سجل عروض السينماتوغراف في مصر» لشارل بحري (1896–1906)، وكتابات المؤرخ السينمائي أحمد الحضري، إلى أن أول عرض سينمائي في مصر كان في مقهى «زواني» بمحطة الرمل في الخامس من تشرين الأول/نوفمبر 1896، بعد أقل من عام من العرض الأول للإخوة لوميير في باريس، وأصبحت الإسكندرية لاحقًا مركزًا لصناعة الأفلام التسجيلية المبكرة عبر الأخوين بنداري، ثم ظهرت دور العرض الدائمة مثل سينما دوريس وكليوباترا والأمير، وهي أسماء موثقة في سجلات بلدية الإسكندرية ومحاضر المجلس البلدي في مطلع القرن العشرين.
ثم قدمت الإسكندرية كثيرا من الأيقونات السينمائية من بينهم، يوسف شاهين الذي جعل من الإسكندرية وطنًا سينمائيًا كاملاً، فأعاد رسم شوارعها في ذاكرة السينما من خلال «إسكندرية ليه؟» و«حدوتة مصرية» و«إسكندرية كمان وكمان»، كأنه يكتب سيرة مدينة بقدر ما يكتب سيرة جيله، وعمر الشريف إبن الإسكندرية الذي انطلق للعالمية وأصبح أحد أهم ممثلي السينما عبر تاريخها، وامتد الإرث السكندري ليشمل الفنان محمود عبد العزيز، ابن حي الورديان، الذي شكّل ذاكرة سينمائية خالدة بأدواره التي حملت خليطًا من الشجن والقوة، وسمير صبري الذي خرج من قلب بحري ليصبح واحدًا من أكثر الفنانين تأثيرًا في الإذاعة والتلفزيون والسينما. كما لا يمكن تجاهل الفنانة الرائدة بهيجة حافظ، ابنة أسرة سكندرية، التي قدمت مساهمات رائدة في السينما الصامتة والموسيقى التصويرية.
مدينة المبدعين
كانت الإسكندرية دائما ولادة للفنانين والمبدعين، فكان الموسيقار سيد درويش ابنًا لهذه المدينة قبل أن يكون ابنًا للموسيقى العربية؛ وُلد في كوم الدكة، وتشرّب من شوارع المدينة ومن تراثها الشعبي ومن أصوات العمّال والبحارة، ومن مسارحها التي شكّلت بداياته قبل انتقاله إلى القاهرة ليغيّر شكل الموسيقى إلى الأبد. أما في الفنون التشكيلية، فالإسكندرية هي مسقط رأس محمود سعيد، أحد أهم رواد الفن التشكيلي العربي، الذي جسد ملامح المدينة ووجوه نسائها وسحر بحرها في لوحات صارت أيقونات بصرية للفن المصري الحديث. كما ظهر فيها الفنان محمد ناجي، مؤسس متحف الفنون الجميلة في الإسكندرية، والذي أسهم في صناعة حركة تشكيلية قوية في المدينة، قبل أن تتوسع إلى القاهرة وبقية الوطن العربي.
ولم يكن الأدب بعيدًا عن هذا الامتداد؛ فقد احتضنت شوارع الإسكندرية أسماء عالمية مثل قسطنطين كفافيس الذي كتب قصائده عن المدينة وأسواقها وشوارعها، ولورنس داريل الذي صاغ «رباعية الإسكندرية» ليحوّل المدينة إلى رمز للرغبة والسلطة والتعدد. أما على مستوى الأدب العربي، فقد منحَتنا المدينة إبراهيم عبد المجيد الذي لم يتوقف عن إعادة رسمها في رواياته الكبرى، ومصطفى نصر الذي كتب عن أحيائها الشعبية، وأمين عز الدين والعديد من الأصوات التي شكلت خطًا سرديًا قائمًا على إعادة اكتشاف المدينة، حيث تتحول الإسكندرية لديهم إلى فضاء روائي يختبر الحرية والهزيمة والتحول الاجتماعي.
سجل حي للثقافات المختلفة
وتمثل الإسكندرية سجلا حيا لثقافة ممتدة من أيام بطليموس إلى زمن العالم الرقمي، تحمل في طياتها رواسب الحضارة اليونانية والرومانية، وبصمات العرب والمماليك والعثمانيين، وذكريات جاليات كانت تشكل نسيجها الاجتماعي حتى منتصف القرن الماضي. إنها مدينة تشبه كتابًا مفتوحًا على البحر، تقرأ فيه مصر تاريخها، ويقرأ فيه العالم معنى المدينة التي استطاعت أن تكون ملتقى للثقافات، ومهدًا للأدب والفنون.
رحلة عبر الزمن والحضارات
تُعتبر الإسكندرية واحدة من أغنى المدن المصرية بالمناطق الأثرية التي تحكي قصص الحضارات المختلفة التي تعاقبت عليها، فهي متحف مفتوح للثقافة والتاريخ والعمارة. كل حجر فيها يحمل ذكرى، وكل موقع أثري ينقل الزائر في رحلة زمنية مذهلة تعكس التنوع الحضاري الذي ميز المدينة، من العصر البطلمي مرورًا بالروماني، وصولًا إلى الفترات الإسلامية والمملوكية.
أول هذه المواقع يأتي عمود السواري في منطقة كرموز، والذي يعتبر أحد أبرز الشواهد على العصر الروماني في المدينة. يبلغ ارتفاع العمود حوالي خمسة وعشرين مترًا، ويقف فوق قاعدة ضخمة من الغرانيت الوردي، وقد أقيم تخليدًا للإمبراطور دقلديانوس في القرن الثالث الميلادي. ما يميز العمود أنه الباقي الوحيد لمعبد السيرابيوم الضخم، وهو معبد ديني ومعرفي كان مخصصًا لعبادة الإله سيرابيس، وكان مكانًا للطقوس الدينية والاحتفالات الرسمية. وجود العمود اليوم يتيح للزائر تصور الحجم الهائل للمعبد الذي كان يحوي آلاف الأعمدة والتماثيل، ويعكس مدى براعة الهندسة الرومانية والفنية التي اتبعتها الحضارات القديمة في مصر.
بعد ذلك، تتوجه الرحلة إلى سراديب كوم الشقافة، وهي واحدة من أهم مقابر العصور البطلمية والرومانية في الإسكندرية. تعود هذه المقابر إلى القرنين الأول والثاني الميلادي، وتتميز بتصميمها المعماري تحت الأرض، حيث تم حفر غرف ودهاليز متعددة الطوابق، وتزيينها بنقوش تمثل رموزًا دينية مصرية ومن روما، وتماثيل للإلهة حورس وأكاليل رخامية. هذه المقابر كانت معابد صغيرة تعكس اعتقادات السكان في الحياة بعد الموت، وتكشف عن طقوس الدفن التي اتبعت من قبل سكان المدينة في تلك الفترة.
ومن بين المواقع الأكثر شهرة، تبرز قلعة قايتباي، التي تقع في شرق الإسكندرية على شاطئ البحر، وهي واحدة من أعظم التحصينات البحرية في مصر. شُيدت القلعة في القرن الخامس عشر على يد السلطان الأشرف قايتباي على أنقاض منارة الإسكندرية القديمة، التي كانت تُعد إحدى عجائب الدنيا السبع. القلعة تتألف من أبراج دفاعية وأسوار عالية، وتم تصميمها لتتحمل الهجمات البحرية. كما أن تصميمها الداخلي يشتمل على حجرات للإقامة ومستودعات ذخيرة وأبراج مراقبة، ما يجعلها مثالًا رائعًا للهندسة العسكرية المملوكية. اليوم، تُعد القلعة رمزًا بصريًا للمدينة، ووجهة رئيسية للزائرين الذين يستمتعون بالإطلالة البانورامية على البحر المتوسط، ويدركون أهمية الموقع الاستراتيجي للإسكندرية عبر العصور.
ولا يمكن إغفال المسرح الروماني في كوم الدكة، الذي يعكس الوجه الحضاري والثقافي للإسكندرية الرومانية. يحتوي المسرح على مدرجات حجرية تصل إلى ثلاثة عشر صفًا، وهو محاط بمجموعة من المباني التي كانت تستخدم كمراكز تعليمية وترفيهية. كان المسرح المكان الرئيسي للعروض المسرحية والموسيقية والشعرية، ما جعله قلب النشاط الفني للمدينة. تصميم المسرح يسمح للزائرين بتخيل الحياة الاجتماعية في العصر الروماني، وكيف كانت المدينة تعيش حياة عامة نابضة بالحيوية تجمع بين التعليم والفن والاحتفالات الجماعية.
من المواقع المذهلة الأخرى مقابر الأنفوشي التي تعود إلى العصر البطلمي، وتتميز بدمج الرموز المصرية القديمة مع التأثيرات اليونانية والرومانية في الزخارف الجدارية. تحتوي هذه المقابر على غرف ودهاليز متعددة تعرض طقوس الدفن المتنوعة وتوضح الطبقات الاجتماعية المختلفة في المدينة القديمة. كما أن تصميمها يوضح اهتمام الحضارات المختلفة بالموت والآخرة، وكيفية الجمع بين معتقدات متنوعة في مكان واحد، ما يوضح التعايش الثقافي والديني الذي ميّز الإسكندرية.
أما الميناء الشرقي والمناطق الغارقة تحت الماء، فهي تضيف بعدًا جديدًا لفهم التاريخ الإسكندري، إذ اكتشف علماء الآثار بقايا قصور ومبانٍ تعود للعصر البطلمي، ويُعتقد أن بعضها جزء من قصر كليوباترا. هذه المواقع المغمورة تحت البحر توفر للباحثين والزائرين فرصة فريدة لمعاينة المدينة كما كانت قبل آلاف السنين، وتكشف الدور الاستراتيجي والتجاري للإسكندرية كمركز بحري مهم يربط بين الشرق والغرب.
كما تضم المدينة متحف الإسكندرية الوطني الذي يعرض آلاف القطع الأثرية من مختلف العصور، ويقدم سردًا بصريًا لتاريخ المدينة منذ تأسيسها. يحتوي المتحف على تماثيل أثرية، عملات، أدوات يومية، ومخطوطات، ويتيح للزائرين فهم مراحل التطور الحضاري للمدينة، من الحقبة البطلمية إلى العصر الحديث، مع التركيز على التنوع الثقافي والديني الذي ميز الإسكندرية منذ نشأتها.
وتكتمل الصورة بزيارة مكتبة الإسكندرية الجديدة، التي رغم حداثتها إلا أنها صممت لتكون امتدادًا للماضي الحضاري للمدينة. تضم المكتبة مجموعات ضخمة من الكتب والمخطوطات والمراكز البحثية العالمية، وتعد مركزًا علميًا وثقافيًا يعكس الروح المعرفية التي كانت سائدة في المدينة منذ تأسيسها. وجود المكتبة إلى جانب القلاع والمسرح والموانئ الأثرية يوضح مدى التنوع الحضاري الذي تحتضنه الإسكندرية.
هكذا، تمثل المناطق الأثرية في الإسكندرية مزيجًا فريدًا من التاريخ والثقافة والفن. فهي شاهدة على حضارات عظيمة امتدت عبر آلاف السنين، من البطالمة والرومان إلى الفاطميين والمماليك، لتبرز تداخل الثقافات والتقاليد والفنون، وتجسد مدى تأثير المدينة على التاريخ الإنساني.
وتبقى الإسكندرية
ومع مرور الزمن، تغيرت بعض ملامح الإسكندرية كما تتغير المدن الكبرى. فهناك مناطق فقدت بعض إشراقها، وأحياء كانت مليئة بالفن والثقافة أصبح يغطيها شيء من الظلام الرمزي؛ دور سينما أُغلقت، بيوت فنانين تُركت للإهمال، شوارع تزداد ازدحامًا وضجيجًا. لكن هذا التغير لا يمحو تاريخ المدينة، فمكتبة الإسكندرية الجديدة تقف اليوم كإحياء للحلم القديم، ومهرجانات السينما والفنون تحاول أن تُعيد المدينة إلى مكانها الطبيعي كمركز ثقافي كبير، بينما تعمل مبادرات شبابية على إعادة تنشيط المسرح والموسيقى والفن في الأحياء القديمة.
وما تزال الإسكندرية قادرة على الحفاظ على جوهرها، ذلك الجوهر الذي يجمع بين العراقة والحداثة، بين الهدوء والصخب، بين البحر والتاريخ، وبين الأصالة والتنوع، فالبحر الذي يحيطها بروحه المتمرّدة كان دائمًا جزءًا من الذاكرة الجمعية للسكندريين، فهو مصدر رزق، ومتنفّس للروح، ومسرح للغواصين والبحّارة، وملهم للشعراء والرسامين الذين حاولوا مرارًا التقاط ملامحه المتغيّرة. وفي عمق المدينة، من العطارين إلى محطة الرمل، ومن بحري إلى الأنفوشي، تتعايش قصص الناس البسطاء مع هندسة معمارية أوروبية الطابع، ومبانٍ أثرية تعود إلى عصور مختلفة، ما يمنح الإسكندرية ملمسًا بصريًا لا يكتمل إلا عند غروب الشمس حين تنعكس الألوان على الواجهات القديمة كأنها تستعيد ذاكرة مفقودة.