بهرز العراقية… سيرة مدينة كتبها الماء والنخيل



ليست بهرز مدينةً تفرض حضورها بالضجيج، بل بذلك النوع الهادئ من الرسوخ الذي لا تخطئه العين. تقع شرقي العراق، وتتبع إداريا محافظة ديالى، وتبعد عن مدينة بعقوبة -مركز المحافظة- خمسة كيلومترات، يخترقها نهر خريسان، حيث يقسم المدينة على ضفتيه، كما يحيط بها من جميع الاتجاهات نهر ديالى، وينتهي ببحيرة في الناحية الغربية للمدينة. تنفتح المدينة بوصفها واحدة من الأماكن العراقية التي صاغتها الجغرافيا قبل أن تصوغها السياسة؛ فهنا لا يبدو الماء مجرد مورد طبيعي، بل كاتب أول لسيرة المكان، فيما يبدو النخيل سجلاً حياً لذاكرته الطويلة.
في بهرز، لا يمكن الفصل بين العمران والطبيعة. فالمدينة نشأت داخل فضاء نهري وزراعي كثيف، حيث يتجاور نهر ديالى ونهر خريسان، وتتوزع البساتين على المجال المحيط بوصفها جزءاً من هوية المدينة لا خلفية لها. ولهذا لم يكن وصفها بـ«بستان العراق» محض مبالغة بلاغية، بل تعبيرًا مكثفًا عن حقيقتها: مدينة نما جسدها في ظل الماء، وتنفست طويلًا من رئة البساتين.
هذا الموقع منحها خصوصية مزدوجة. فهي من جهة ريفية الجذور، شديدة الصلة بالأرض والزراعة وأنظمة الري، لكنها من جهة أخرى ليست معزولة عن المجال الحضري الأوسع. قربها من بعقوبة، واتصالها المباشر ببغداد، جعلاها نقطة تماس بين الريف والمدينة، بين الاقتصاد الزراعي التقليدي ومسارات التحول الحديثة. ولذلك احتفظت بهرز بطابع تركيبي نادر: ليست قرية ممتدة، ولا مدينة كبيرة، بل مركز محلي تشكلت شخصيته من هذا التوازن الدقيق بين البستان والطريق.
ولأن النهر في المدن العراقية كثيرًا ما يكون حدًا فاصلًا، فإنه في بهرز كان أيضًا صلة وصل. فنهر خريسان، الذي يشق المدينة، لم يؤد وظيفة مائية فحسب، بل أسهم في تشكيل النسيج المديني والاجتماعي للبلدة. حوله نشأت القناطر، وتجاورت الأسواق، وازدهرت فضاءات الاجتماع الشعبي، وبقي الماء حاضرًا في الذاكرة اليومية لأهل المدينة بوصفه جزءًا من معنى العيش نفسه. ليست بهرز مدينة على نهر فقط، بل مدينة يمر النهر من داخل تعريفها.
ومثل كثير من مدن العراق الوسطى، نمت بهرز ببطء، من دون قفزات صاخبة، لكن هذا البطء نفسه هو ما منحها تماسكها. فقد تدرجت من بلدة زراعية ذات طابع بستاني واضح إلى مركز محلي أكثر اتساعًا، من غير أن تفقد كليًا صورتها الأولى. حتى حين تمدد العمران، وزحفت الأحياء الجديدة على أطراف المساحات الخضراء، ظل البستان عنصرًا مكوّنًا لصورة المدينة في المخيال المحلي.
هذا التكوين المكاني ترك أثره المباشر في تكوين المجتمع أيضًا. فالمكان صنع نمطًا من العلاقات، وأنتج إيقاعًا خاصًا للحياة، وربط الناس بالأرض والماء والعمل اليومي ربطًا عميقًا. ولهذا تبدو بهرز، حتى في تحولات الزمن الحديث، مدينة احتفظت بجوهرها الزراعي، وإن تغيّرت أشكال العيش فيها.
بهذا المعنى، فإن صورة بهرز لا تبدأ من حدودها الإدارية، بل من وظيفتها التاريخية بوصفها مدينة خصب، وموضع عبور، ومجتمع نشأ على تماس دائم بين الطبيعة والاستقرار. ومن هذا المدخل يمكن فهم لماذا لم يكن اسمها مجرد تسمية عابرة، بل بابًا يفضي إلى طبقات أعمق من التاريخ.
الاسم والتاريخ
في العراق، لا تكون أسماء المدن بريئة من التاريخ. كثير منها يختزن آثار عصور كاملة، وبعضها يبقى أشبه بلغز مفتوح، تتنازعه الروايات وتكشفه الذاكرة على دفعات. وبهرز من هذا النوع؛ اسمٌ يبدو بسيطًا في نطقه، لكنه يحمل وراءه طبقات من الاحتمال التاريخي، ويقود إلى ماضٍ أقدم بكثير من صورة المدينة الحديثة.
إحدى الروايات الأكثر تداولًا، وهي التي أوردها مصطفى جواد وأعادها أحمد الرجيبي الحسني في كتابه «تاريخ بلدية بعقوبة في العهد العثماني» ص20، وتوقف عندها جمال بابان في كتابه «أسماء المدن والمواقع العراقية» ص73، وهذه الروايات ترى أن الاسم مركب من مقطعين: بو وهرز، ويرتبط ـ بحسب هذا التأويل ـ باسم أحد القادة أو الملوك الفرس في العهد الساساني، بما يرجّح أن التسمية بصيغتها الحالية تعود إلى ما قبل الفتح الإسلامي، وربما إلى القرن السادس الميلادي، وهو التاريخ الذي تذهب بعض المصادر إلى ربط تأسيس البلدة به، حوالي سنة 521م بالتزامن مع إنشاء المدائن. وهذه الرواية، وإن لم تكن محسومة، تظل ذات وزن لأنها تتكرر في أكثر من مصدر محلي وتاريخي.
غير أن تاريخ بهرز لا يبدأ عند التسمية. فالمكان نفسه ينتمي إلى فضاء حضاري أعمق، هو فضاء وادي ديالى، الذي احتضن منذ الأزمنة القديمة واحدًا من أهم المراكز الرافدينية، مملكة إشنونا. ولهذا تميل بعض الكتابات إلى ربط بهرز الحديثة بامتداد المجال الإشنوني الأموري البابلي، لا بمعنى المطابقة الحرفية، بل بوصفها جزءًا من المجال الجغرافي الذي عرف استقرارًا سياسيًا وعمرانيًا مبكرًا. في هذه النقطة تحديدًا، تكتسب المنطقة المحيطة ببهرز، بما فيها التلول الأثرية الكبرى، قيمة خاصة، لأنها تكشف أن المكان لم يكن هامشًا، بل جزءًا من قلب حضاري قديم.
ويأتي ذكر تل أسمر في هذا السياق بوصفه واحدًا من أبرز الشواهد الأثرية في المنطقة. فوجود موقع أثري بهذا الثقل في محيط بهرز يفتح الباب أمام قراءة المدينة لا كوحدة حديثة فحسب، بل كامتداد لطبقات من الاستقرار البشري المتواصل. وهكذا يصبح تاريخها أوسع من تاريخ بلدة نشأت في العصر الوسيط أو الحديث؛ إنه تاريخ مكان تتابعت عليه الحضارات، وتبدلت عليه الأسماء والأدوار، فيما بقيت الجغرافيا تحتفظ بخيوط الاستمرار.
في المدونات العربية الوسيطة، تظهر بهرز بصورة أكثر وضوحًا. فقد وصفها ياقوت الحموي بأنها قرية ذات بساتين عامرة، فيها جامع ومنبر، وتقع قرب بعقوبة، وبينها وبين بغداد ثمانية فراسخ. وهذه الإشارة، على وجازتها، شديدة الدلالة؛ فهي تثبت أن بهرز كانت معروفة في عصره، وأنها لم تكن مجرد موضع زراعي مبهم، بل بلدة لها عمرانها وسمتها الدينية وخصبها الزراعي. والأهم أن هذا الوصف المبكر يعيد تثبيت الصفة التي ستلازم المدينة قرونًا: البساتين.
ومع الفتح الإسلامي دخلت بهرز ضمن المجال السياسي والإداري الجديد للعراق، وأصبحت جزءًا من شبكة الطرق والممرات التي تصل بغداد بديالى وما بعدها. ومهما احتاجت بعض الروايات المحلية عن مرور القادة والخلفاء والعلماء بها إلى مزيد من التمحيص، فإنها تعكس حقيقة أساسية: أن المدينة كانت بحكم موقعها جزءًا من حركة أوسع، لا بقعة منسية على أطراف العمران. لقد استفادت من قربها من العاصمة العباسية، ومن مرور التجارة والناس عبرها، ما جعلها تتأثر مبكرًا بمركزية بغداد الاقتصادية والثقافية.
وفي العهد العثماني تتضح صورة بهرز أكثر. ففي هذه المرحلة تبلورت بعض معالمها التي ستدخل لاحقًا في الذاكرة المحلية: الجوامع القديمة، القناطر، المقاهي، والخانات. وهذه ليست مجرد شواهد معمارية، بل علامات على وظيفة المدينة في ذلك الزمن؛ بوصفها بلدة زراعية نشطة، وممرًا محليًا للتبادل والعبور، ومركزًا اجتماعيًا يتجاوز حدود القرية التقليدية. هنا يبدأ المكان في اكتساب ملامح مدينية أكثر رسوخًا.
ومع قيام الدولة العراقية الحديثة دخلت بهرز طورًا جديدًا من تاريخها، إذ لم تعد مجرد بلدة من بلدات ديالى، بل أخذت تتشكل بوصفها مجتمعًا فاعلًا في المجال السياسي والثقافي المحلي. تشير بعض الشهادات والمصادر إلى مشاركتها في وثبة كانون 1948، وإلى حيوية سياسية واضحة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حتى إن الذاكرة المحلية أطلقت عليها، في فترة ما، تسمية «موسكو الصغرى» في إشارة إلى قوة النشاط اليساري والثقافي فيها. ومهما كانت هذه التسمية رمزية، فإنها تكشف أن المدينة لم تكن ساكنة سياسيًا، بل كانت جزءًا من الحراك العراقي الحديث.
هكذا لا يظهر تاريخ بهرز خطًا مستقيمًا، بل طبقات متراكبة: مجال رافديني قديم، ثم روايات عن أصل ساساني للاسم، ثم حضور في الجغرافيا الإسلامية، ثم تبلور عثماني، فاندماج أعمق في تحولات العراق الحديث. وميزة هذه المدينة أنها لم تفقد نفسها مع كل طور من هذه الأطوار، بل أعادت صياغة حضورها وفق ما يتيحه الزمن. لذلك فإن اسمها، مثل تاريخها، ليس أثرًا جامدًا من الماضي، بل صيغة بقاء طويلة لمكان عرف كيف يغيّر شكله من دون أن يتخلى عن جذره.
الوضع الاجتماعي والاقتصادي
إذا كان الماء والنخيل قد كتبا جغرافية بهرز، فإن المجتمع المحلي هو الذي كتب استمراريتها. فهذه المدينة لم تنشأ على قاعدة سياسية أو عسكرية، بل على قاعدة معيشية واضحة: الأرض، والزراعة، وشبكة العلاقات التي يفرضها العمل اليومي في فضاء بستاني مفتوح. ومن هنا فإن فهم بهرز اجتماعيًا واقتصاديًا يبدأ من فهم تلك العلاقة العضوية بين الإنسان والمكان.
منذ زمن طويل، شكّلت الزراعة العمود الفقري لاقتصاد المدينة. خصوبة الأرض، وقرب الماء، ووفرة البساتين، كلها جعلت من بهرز واحدة من البيئات الزراعية المعروفة في ديالى، واشتهرت خصوصًا بالنخيل والحمضيات والرمان وسواها من المزروعات التي جعلت اسمها يقترن بالخصب أكثر من اقترانه بالعمران. لكن الزراعة هنا لم تكن مجرد نشاط إنتاجي، بل كانت نظامًا للحياة نفسها؛ فهي التي تحدد مواسم العمل، وتشكّل علاقات الناس، وتنظم توزيع الأدوار داخل المجتمع المحلي.
لهذا ارتبطت البنية الاجتماعية في بهرز طويلًا بالبنية الزراعية. الروابط العائلية والعشائرية لم تكن منفصلة عن الاقتصاد الريفي، بل كانت جزءًا منه، سواء في تنظيم العمل أو في إدارة الملكية أو في توزيع المسؤوليات داخل المجال الاجتماعي. غير أن هذا الطابع التقليدي لم يحوّل المدينة إلى فضاء مغلق؛ فقربها من بعقوبة وبغداد، ومرور التجارة والناس عبرها، منحاها درجة من الانفتاح جعلت مجتمعها أكثر قابلية للتكيف مع التحولات من كثير من البيئات الريفية الأخرى.
ومع تطور الدولة العراقية الحديثة، بدأت بنية مجتمع بهرز تشهد تحولات تدريجية. التعليم، والوظيفة الحكومية، والعمل خارج الزراعة، فتحت مسارات جديدة للصعود الاجتماعي، بحيث لم تعد الأرض وحدها محدد المكانة. ظهرت فئات من المعلمين والموظفين والحرفيين، وبدأت المدينة تتخفف جزئيًا من اعتمادها الكامل على الاقتصاد الزراعي، من دون أن تقطع صلتها به. وهذا ما منحها صفة انتقالية واضحة: فهي ليست ريفًا صرفًا، ولا مدينة حديثة مكتملة التكوين، بل مساحة تتجاور فيها أنماط متعددة من العيش.
إلى جانب الزراعة، احتفظت بهرز بمجموعة من الحرف والأنشطة التقليدية التي ارتبطت مباشرة بمواردها المحلية. اشتهرت بصناعة الدبس وشراب الرمان، وبحياكة العباءات، وبصناعات تعتمد على سعف النخيل، مثل السلال والأقفاص والأسرة الشعبية. وهذه الأنشطة، وإن بدت صغيرة في الحسابات الاقتصادية الكبرى، فإنها كانت تمثل جزءًا أساسيًا من الدورة المحلية للإنتاج، وتعكس قدرة المجتمع على تحويل موارده الزراعية إلى أشكال متنوعة من العمل والمعيشة.
غير أن التحولات الحديثة حملت معها وجهًا آخر أقل طمأنينة. فالدراسات التي تناولت استعمالات الأرض في بهرز تشير إلى توسع واضح في الاستعمال السكني، وإلى تمدد عمراني أخذ يتقدم على حساب المساحات الخضراء والبساتين. وهذا ليس تغيرًا شكليًا فقط، بل تحوّل يمس جوهر هوية المدينة؛ لأن البستان في بهرز ليس منظرًا خارجيًا، بل مكوّن تأسيسي لشخصيتها الاقتصادية والاجتماعية. وكل تراجع فيه يعني تراجعًا في جزء من تعريف المكان نفسه.
وقد تعمقت هذه الأزمة مع شح المياه، وضعف مردود الزراعة، ومنافسة المنتجات المستوردة، وهي عوامل دفعت كثيرًا من أصحاب البساتين إلى تقليص نشاطهم أو التخلي عنه، فيما فتحت الضغوط السكانية والعمرانية الباب أمام التجاوز على بعض المساحات الخضراء. وهكذا بدأت بهرز، مثل مدن عراقية كثيرة، تواجه معضلة صعبة: كيف تحافظ على هويتها الزراعية وهي تتعرض في الوقت نفسه لضغط التحضر وضعف الموارد؟
ومن جهة أخرى، أفرز النمو السكاني والتوسع الحضري تحديات تتعلق بالخدمات والبنية التحتية والتفاوت بين الأحياء. فبعض الدراسات المحلية تكشف عن تفاوت في بيئة السكن، وعن ضغوط على المجال الحضري لا تخلو من مظاهر الهشاشة، وهو ما يعكس انتقال المدينة من نموذج البلدة البستانية الهادئة إلى مركز محلي يواجه مشكلات المدن الصغيرة المتنامية. ومع ذلك، فإن هذا الانتقال لم يُنتج قطيعة كاملة مع البنية الاجتماعية القديمة، بل خلق حالة من التداخل بين التقليدي والحديث.
ولعل أكثر ما يميز مجتمع مدينة بهرز هو هذه القدرة على الاحتفاظ بدرجة من التماسك رغم التحولات. فالروابط المحلية، وشبكات التضامن الاجتماعي، والذاكرة المشتركة للمكان، ظلت تؤدي دورًا مهمًا في حفظ الاستقرار الاجتماعي. وهذا ما يفسر تكرار وصف مجتمع بهرز في بعض الكتابات المحلية بأنه مجتمع منفتح ومستقر ومتعدد، يجد في العمل والعيش المشترك أساسًا للاستمرار.
ولا يكتمل هذا المشهد من دون الإشارة إلى البعد الثقافي. فبهرز لم تكن مدينة تنتج الغذاء وحده، بل أنتجت أيضًا معلمين وشعراء وباحثين وأصحاب خبرات علمية، وهو ما يكشف أن المجتمع المحلي لم يبقَ حبيس اقتصاده الزراعي، بل استطاع أن يرفد المجال الثقافي والتعليمي بأسماء تجاوز أثرها حدود المدينة. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن البنية الاجتماعية في بهرز أكثر غنى وتعقيدًا من الصورة النمطية التي تختزل المدن الصغيرة في الزراعة وحدها.
ذاكرة المكان واستمرارية المدينة
في نهاية المطاف، لا تعيش المدن في الجغرافيا وحدها، بل في الذاكرة. ثمة أمكنة تخلّدها الحروب أو العواصم أو الوقائع الكبرى، وثمة أمكنة أخرى تحفظ نفسها بطريقة أكثر هدوءًا: عبر التفاصيل. وبهرز من هذا النوع؛ مدينة لا تحتاج إلى حدث صاخب لكي تثبت وجودها، لأن وجودها ماثل أصلًا في ذلك النسيج الكثيف من العلامات الصغيرة التي صنعت روحها عبر الزمن.
في بهرز، لا تبدأ الذاكرة من الأطلال الكبرى، بل من معالم موزعة داخل الحياة نفسها: قنطرة قديمة، مقهى عثماني، خان للمسافرين، جامع عتيق، تكية، وحمام شعبي. هذه العناصر ليست مجرد شواهد على ماضٍ تليد، بل بقايا وظائف اجتماعية وثقافية كانت ذات يوم جزءًا من دورة المدينة اليومية. فقنطرة العباسية لا تختصر وظيفة العبور فقط، بل تختصر مدينة كانت موضع مرور وتبادل. ومقهى النقيب ليس مكانًا قديمًا فحسب، بل شاهد على زمن كانت فيه المقاهي مراكز للخبر والحكاية والجدل والذاكرة.
ولعل ما يمنح هذه المعالم قيمتها الحقيقية هو أنها ليست منفصلة عن المجتمع الذي أحاط بها. فالتكايا والجوامع القديمة، مثلًا، تكشف عن طبقة من التدين الشعبي والروابط الروحية التي صاحبت تشكّل المدينة، فيما تكشف الخانات والحمامات والمقاهي عن وجهها الاجتماعي والمديني. وهكذا تبدو بهرز، حتى في مادتها المعمارية البسيطة، مدينة كتبت تاريخها في الحياة اليومية بقدر ما كتبته في السجلات.
لكن ذاكرة المكان لا تقيم في الحجر وحده. إنها تعيش أيضًا في العادات، وفي الصناعات الصغيرة، وفي أشكال العيش التي تمنح المدينة نبرتها الخاصة. من معاصر الرمان، إلى صناعة الدبس، إلى السلال المنسوجة من سعف النخيل، إلى المهن التقليدية التي ارتبطت بالزراعة والبستان، يتكشف وجه آخر لبهرز: مدينة تنتج ثقافتها من صميم بيئتها. وهذا ما يجعلها أكثر من تجمع سكاني؛ يجعلها كيانًا ثقافيًا محليًا له مذاقه الخاص.
ومن العلامات اللافتة على وعي المدينة بذاتها، ذلك الحرص الواضح على تدوين تاريخها. فحين تنشأ عن مدينة صغيرة نسبيًا كتب محلية ودراسات ومرويات تسعى إلى حفظ أخبارها وأسمائها ومعالمها، فإن الأمر يتجاوز التوثيق إلى معنى أعمق: مقاومة النسيان. ويبدو أن بهرز، بما راكمته من حضور تاريخي وثقافي، أدركت مبكرًا أن المدن التي لا تكتب نفسها قد تُختزل أو تُهمَّش، فنهض بعض أبنائها بهذه المهمة، وحوّلوا الذاكرة المحلية إلى سردية قابلة للبقاء.
ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن استمرارية بهرز من دون الاعتراف بما واجهته من اختبارات قاسية. فالعقود الأخيرة حملت للمدينة، كما حملت لغيرها من مدن العراق، ضغوطًا بيئية وعمرانية وأمنية، وخلخلت كثيرًا من ملامح الاستقرار القديم. انكمشت بعض البساتين، وتبدلت بعض المعالم، وضاقت المسافة بين الذاكرة والتهديد. لكن المدهش أنها لم تفقد صورتها الأساسية. بقي الماء حاضرًا في تعريفها، وبقي النخيل، حتى وهو يتراجع، علامة على جوهرها، وبقيت الذاكرة المحلية تقاوم التبدد.
وهنا تكمن قوة هذه المدينة. فهي لم تبنِ مجدها على مركزية سياسية، ولم تصعد بوصفها عاصمة أو مسرحًا دائمًا للأحداث الكبرى، لكنها امتلكت نوعًا آخر من القوة: قوة البقاء. من الامتداد الرافديني القديم، إلى احتمالات الأصل الساساني للاسم، إلى حضورها في المدونات العربية، إلى تشكّلها العثماني، إلى تحولات الدولة العراقية الحديثة، ظلت بهرز تعيد إنتاج نفسها بصبر المدن التي تعرف كيف تعيش من دون ادعاء.
لهذا يبدو العنوان، «سيرة مدينةٍ كتبها الماء والنخيل»، أكثر من عنوان أدبي. إنه توصيف دقيق لجوهر المكان. فالماء هنا لم يروِ الأرض فقط، بل خطّ مسار المدينة. والنخيل لم يكن مجرد شجرة، بل أرشيفًا حيًا لصبرها الطويل. وبين الماء والنخيل، تشكل مجتمع، ونمت ذاكرة، وتعاقبت عصور، وبقيت بهرز قادرة على أن تقول شيئًا أساسيًا عن العراق: إن البلاد لا تُعرّف بالعواصم وحدها، بل أيضًا بهذه المدن الهادئة التي تحفظ المعنى العميق للاستمرار.
في النهاية، ليست بهرز مدينة تُقرأ من بعيد. إنها مدينة كلما اقتربت منها، اكتشفت أن تاريخها ليس في الماضي وحده، بل في هذا الإصرار الهادئ على البقاء.