في مسلسل "أصدقاؤك وجيرانك" يخرج البطل من عالم يبدو مثاليا لينتقل إلى عالم السرقة (آي إم دي بي)
في وقت تميل فيه الدراما المعاصرة إلى تنميط صورة الأثرياء، يأتي مسلسل "أصدقاؤك وجيرانك" (Your Friends & Neighbors) ليطرح مقاربة مختلفة قليلا، تفتح الباب أمام قراءة أكثر تعقيدا لما يبدو على السطح من حياة مثالية.
ينتمي المسلسل إلى دراما الجريمة التي يغلب عليها طابع الكوميديا السوداء، وهو من إنتاج آبل ستوديوز (Apple Studios) ويعرض على منصتها، ويتصدر بطولة العمل النجم جون هام، بمشاركة كل من أماندا بيت وأوليفيا مان، ولينا هال ومارك تالمان، مع انضمام جيمس مارسدن في الموسم الثاني، ويتكون العمل حتى الآن من موسمين، مع تجديده لموسم ثالث.
سقوط الرجل المعاصر
يبدأ مسلسل "أصدقاؤك وجيرانك" في قلب عالم يبدو مثاليا من الخارج، عندما نتعرف على كوب (جون هام)، الذي يمتلك كل مقومات النجاح من وظيفة مرموقة في قطاع المال، إلى ثروة مستقرة، وأسرة تنتمي إلى الطبقة العليا.
لكن هذا التوازن الهش ينهار دفعة واحدة، عندما يتفكك زواجه، ويفقد عمله بشكل مهين، وتبدأ صورته كرجل مثالي في التلاشي تدريجياً. وهنا لا يقدم المسلسل مجرد أزمة فردية، بل يضع نموذج الرجل الناجح المعاصر تحت المجهر، الرجل الذي ترتبط هويته بالإنجاز المادي، فحتى نجاح أسرته وسعادتها يدخل ضمن إطار هذا الإنجاز المادي، فإذا انهار هذا الإنجاز، تنهار صورته في عيون نفسه والمجتمع بالطبعيخرج كوب من دائرة القوة، ومن شخص يعرّف نفسه بالنجاح، إلى آخر يبحث عن أي وسيلة لاستعادة إحساسه بالسيطرة، لذلك يتجه بدافع من المرارة واليأس إلى الجريمة، وعلى وجه التحديد سرقة جيرانه وأصدقائه.
ترضي هذه السرقات أكثر من جانب لدى كوب، فهي من ناحية محاولة يائسة للحفاظ على نمط حياة لم يعد قادرا على تحمله، ومن ناحية أخرى انتقام من هذه المنظومة التي يمكن أن تلفظه خارجها في أي لحظة يعرف فيها هؤلاء الأصدقاء والجيران أنه فقد وظيفته.
ومع كل عملية سرقة جديدة، نكتشف أن الأمر لا يتعلق بالمال وحده، بل بالإحساس الذي افتقده كوب بالقوة والقدرة على التحكم، وكل جريمة هي بديل نفسي عن شعوره بالخذلان من كل وعود المجتمع الرأسمالي الحديث، الوعود بأنه إذا تزوج وأنجب وكرس وقته لعمله ونجح فيه وأصبح ثريًا، سينجو ويصبح مثالًا يُحتذى به.
المفارقة أن هذا العالم الذي يحاول كوب التشبث به، أي عالم سكان الضواحي الراقية، ليس كما يبدو، فهو عالم مصطنع تماما، فالشوارع الهادئة والمنازل الفاخرة والنادي الاجتماعي، كل ذلك يخفي وراءه شبكة كثيفة من الأسرار والخداع، وكل منزل يقتحمه كوب لا يحتوي فقط على الممتلكات الثمينة -والكثيرة لدرجة أن من يفقدونها لا يشعرون بخسارتها إلا بعد وقت طويل- بل يحتوي كذلك علاقات مختلة وخيانات وأزمات نفسية عميقة.
شخصيات المسلسل سواء كوب أو أصدقاؤه وجيرانه يعيشون بالفعل في وفرة مادية، لكنهم يعانون من فراغ وجودي يجعلهم يتمسكون بصورتهم المثالية أمام الآخرين مهما كان الثمن، حتى البطل نفسه الذي بدأ رحلته بدافع الحفاظ على أسرته، يجد نفسه تدريجيا معجبا بوقوفه على الجانب الآخر من عالمه القديم لبعض الوقت، جلادا يعاقب هؤلاء الذين كان من قبل واحدا منهم، والذي يعود إليهم مرة أخرى بمجرد خلعه ملابس السرقة، وحتى عندما تتاح له في نهاية الموسم الأول العودة مرة أخرى لعائلته ووظيفته القديمة يقرر الاستمرار في هذه الحياة المزدوجة.
جون هام.. التوازن بين الجريمة والتعاطف
أحد أهم أسباب نجاح المسلسل في موسميه الأول والثاني أداء جون هام، الذي يقدم شخصية كوب بما يتيح إظهار تعقيداتها ومرونتها الأخلاقية، فالشخصية لرجل يكذب ويسرق ويخون، ومع ذلك ينجح هام في جعلها قابلة للفهم، بل وأحيانا التعاطف، بالإضافة إلى خفة ظله التي جعلت المسلسل يميل إلى جانب الكوميديا السوداء الساخرة كثيرا.
من مزايا العمل أيضا تركيزه على مرحلة عمرية لا تحظى كثيرا بهذا القدر من التعقيد في الدراما، وهي بداية الخمسينيات، في هذه المرحلة الصراع ليس متعلقا بالصعود، بل بالخوف من السقوط، فكوب وزوجته السابقة وكل زملائه شهدوا بالفعل صعودا ممتازا استطاعوا بفضله اقتناء منازل فاخرة في ضواحي مرفهة، لكن كل ذلك يحكمه قدر كبير من الهشاشة، والكل يعلم أنه في طريقه للانحدار.
يتقاطع ذلك مع طبيعة الطبقة العليا الأمريكية التي يصورها المسلسل، حيث يكتشف الأبطال أن الثراء والنوادي الاجتماعية ونمط الحياة المترف ليست ضمانات حقيقية للاستقرار، ما يضيف عمقا إنسانيا للعمل، ويخرجه من كونه مجرد مسلسل جريمة.
ويأتي انضمام جيمس مارسدن في الموسم الثاني ليمنح المسلسل دفعة حيوية واضحة، فالشخصية تحمل قدرا كبيرا من الخفة والجاذبية والتلون الأخلاقي، الأمر الذي يربك كوب، وكذلك يخرج أحداث المسلسل من دائرة الأحداث المتوقعة.
ومع ذلك لا يخلو المسلسل من عيوب واضحة، أبرزها ذلك التردد في استثمار فكرته الأساسية إلى أقصى حد ممكن، فبينما يبدأ العمل كدراما اجتماعية تشتبك مع قضايا الطبقة، ينزلق تدريجياً نحو بنية أقرب إلى لغز جريمة شبه تقليدي، كما يعاني من مشكلة في الإيقاع، خاصة في الحلقات الوسطى من كل موسم، حيث يتباطأ السرد بشكل ملحوظ، وتبدو بعض الخطوط الدرامية وكأنها تدور في حلقة مفرغة دون تقدم حقيقي، كما حدث في شخصية ميلاني (أماندا بيت) بالموسمين.
وربما كان من الممكن تفادي ذلك عبر تقليل عدد الحلقات وتكثيف الأحداث، بما يحافظ على التوتر الذي نجح المسلسل في بنائه في بدايته، لكن رغم هذه العثرات يظل المسلسل محتفظا بجاذبيته مستندا إلى قوة فكرته وأداء بطله.
التقييم العام
- الإخراج: 3
- التمثيل: 4
- المؤثرات البصرية: 3
- صديق العائلة:2





"أصدقاؤك وجيرانك".. لماذا نتعاطف مع لص الطبقة الراقية؟

رد مع اقتباس