إيليا أبو ماضي (1889 - 1957) إيليا بن ضاهر أبو ماضي شاعر لبناني من أبرز شعراء المهجر، وعضو مؤسس في الرابطة القلمية. وُلد في قرية المحيدثة بلبنان، وهاجر إلى مصر عام 1900، حيث عمل في بيع السجائر وبدأ ينشر شعره في الصحف. أصدر أول دواوينه "تذكار الماضي" عام 1911. هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1912 هربًا من مضايقات سياسية، وأقام أولًا في سينسيناتي ثم استقر في نيويورك، حيث أسس مجلة "السمير" عام 1929، التي أصبحت منبرًا لأدباء المهجر. كان متفائلًا بطبعه، يمجد الحياة والطبيعة، ويهتم بالقيم الإنسانية. تأثر بمدرسة جبران خليل جبران، وكتب بأسلوب شاعري مميز يمزج بين البساطة والعمق. من أشهر دواوينه: الجداول الخمائل تذكار الماضي تبر وتراب ومن أشهر قصائده: "كن جميلاً ترى الوجود جميلاً" – قصيدة تُعبّر عن فلسفته في التفاؤل. زار لبنان في أواخر حياته وكرّمته الحكومة اللبنانية، ثم توفي عام 1957 في نيويورك بسكتة قلبية.

كُن بَلسَماً إِن صارَ دَهرُكَ أَرقَما
وَحَلاوَةً إِن صارَ غَيرُكَ عَلقَما
إِنَّ الحَياةَ حَبَتكَ كُلَّ كُنوزِها
لا تَبخَلَنَّ عَلى الحَياةِ بِبَعضِ ما
أَحسِن وَإِن لَم تُجزَ حَتّى بِالثَنا
أَيَّ الجَزاءِ الغَيثُ يَبغي إِن هَمى
مَن ذا يُكافِئُ زَهرَةً فَوّاحَةً
أَو مَن يُثيبُ البُلبُلَ المُتَرَنِّما
عُدَّ الكِرامَ المُحسِنينَ وَقِسهُمُ
بِهِما تَجِد هَذَينِ مِنهُم أَكرَما
يا صاحِ خُذ عِلمَ المَحَبَّةِ عَنهُما
إِنّي وَجَدتُ الحُبَّ عَلَماً قَيِّما
لَو لَم تَفُح هَذي وَهَذا ما شَدا
عاشَت مُذَمَّمَةً وَعاشَ مُذَمَّما
فَاِعمَل لِإِسعادِ السِوى وَهَنائِهِم
إِن شِئتَ تُسعَدَ في الحَياةِ وَتَنعُما
أَيقِظ شُعورَكَ بِالمَحَبَّةِ إِن غَفا
لَولا الشُعورُ الناسُ كانوا كَالدُمى
أَحبِب فَيَغدو الكوخُ كَوناً نَيِّراً
وَاِبغُض فَيُمسي الكَونُ سِجناً مُظلِما
ما الكَأسُ لَولا الخَمرُ غَيرُ زُجاجَةٍ
وَالمَرءُ لَولا الحُبُّ إِلّا أَعظُما
كَرِهَ الدُجى فَاِسوَدَّ إِلّا شُبهُهُ
بَقِيَت لِتَضحَكَ مِنهُ كَيفَ تَجَهَّما
لَو تَعشَقُ البَيداءُ أَصبَحَ رَملُها
زَهراً وَصارَ سَرابُها الخَدّاعُ ما
لَو لَم يَكُن في الأَرضِ إِلّا مِبغِضٌ
لَتَبَرَّمَت بِوُجودِهِ وَتَبَرَّما
لاحَ الجَمالُ لِذي نُهىً فَأَحَبَّهُ
وَرَآهُ ذو جَهلٍ فَظَنَّ وَرَجَّما
لا تَطلِبَنَّ مَحَبَّةً مِن جاهِلٍ
المَرءُ لَيسَ يُحَبُّ حَتّى يُفهَما
وَاِرفُق بِأَبناءِ الغَباءِ كَأَنَّهُم
مَرضى فَإِنَّ الجَهلَ شَيءٌ كَالعَمى
وَاِلهُ بِوَردِ الرَوضِ عَن أَشواكِهِ
وَاِنسَ العَقارِبَ إِن رَأَيتَ الأَنجُما
يا مَن أَتانا بِالسَلامِ مُبَشِّراً
هَشَّ الحِمى لَمّا دَخَلتَ إِلى الحِمى
وَصَفوكَ بِالتَقوى وَقالوا جَهبَذٌ
عَلامَةٌ وَلَقَد وَجَدتُكَ مِثلَما
لَفظٌ أَرَقُّ مِنَ النَسيمِ إِذا سَرى
سَحَراً وَحُلوٌ كَالكَرى إِن هَوَّما
وَإِذا نَطَقتَ فَفي الجَوارِحِ نَشوَةٌ
هِيَ نَشوَةُ الروحِ اِرتَوَت بَعدَ الظَما
وَإِذا كَتَبتَ فَفي الطُروسِ حَدائِقٌ
وَشّى حَواشيها اليَراعُ وَنَمنَما
وَإِذا وَقَفتَ عَلى المَنابِرِ أَوشَكَت
أَخشابُها لِلزَهوِ أَن تَتَكَلَّما
إِن كُنتَ قَد أَخطاكَ سِربالُ الغِنى
عاشَ اِبنُ مَريَمَ لَيسَ يَملُكُ دِرهَما
وَأَحَبَّ حَتّى مَن أَحَبَّ هَلاكَهُ
وَأَعانَ حَتّى مَن أَساءَ وَأَجرَما
نامَ الرُعاةُ عَنِ الخِرافِ وَلَم تَنَم
فَإِلَيكَ نَشكو الهاجِعينَ النُوَّما
عَبَدوا الإِلَهَ لِمَغنَمٍ يَرجونَهُ
وَعَبَدتَ رَبَّكَ لَستَ تَطلُبُ مَغنَما
كَم رَوَّعوا بِجَهَنَّمٍ أَرواحَنا
فَتأَلَّمَت مِن قَبلُ أَن تَتَأَلَّما
زَعَموا الإِلَهَ أَعَدَّها لِعَذابِنا
حاشا وَرَبُّكَ رَحمَةٌ أَن يَظلِما
ما كانَ مِن أَمرِ الوَرى أَن يَرحَموا
أَعدائَهُم إِلّا أَرَقَّ وَأَرحَما
لَيسَت جَهَنَّمُ غَيرَ فِكرَةِ تاجِرٍ
اللَهُ لَم يَخلُق لَنا إِلّا السَما