علماء يقتربون من كشف قدرة السلمندر على إعادة نمو الأطراف لعلاج البشر
السلمندر
في وقت ما زال فيه فقدان الأطراف أو تلف الأنسجة يعد من أصعب التحديات الطبية التي تواجه الإنسان، يلفت كائن صغير في عالم البرمائيات انتباه العلماء بقدرة تكاد تبدو خارقة، وهي إعادة بناء أجزاء كاملة من جسده من جديد.
هذا الكائن هو سمندل الأكسولوتل، الذي أصبح اليوم محور أبحاث علمية مكثفة قد تقود إلى تغيير جذري في مستقبل علاج الإصابات البشرية، من خلال فهم سر قدرته على إعادة الترميم الكامل للأطراف والأعضاء، وهو نوع موطنه الأصلي المكسيك، ويعد حالة استثنائية بين البرمائيات، إذ يصل إلى مرحلة البلوغ دون أن يمر بعملية التحول المعتادة إلى حياة برية، ما يجعله كائنا مائيا طوال حياته تقريبا.
هذا الحيوان المدهش أصبح محور اهتمام علمي عالمي، بعدما تبين أن جيناته تحمل أسرارا قد تفتح الباب أمام ثورة في مجال الطب التجديدي لدى البشر، خاصة في ما يتعلق بترميم الأنسجة التالفة وعلاج الإصابات المعقدة.
l
وتقود هذا المجال البحثي البروفيسورة إيلي تاناكا، التي كرست سنوات طويلة لدراسة آليات تجدد الأطراف لدى السلمندرات، في محاولة لفهم السبب وراء امتلاك بعض الأنواع لهذه القدرة الفريدة وافتقار أخرى لها.
وتعمل تاناكا ضمن مشروع بحثي ممول من الاتحاد الأوروبي يحمل اسم RegGeneMems، والذي يهدف إلى كشف أسرار التجدد في الكائنات ذات الأرجل الأربع، مع التركيز على الأكسولوتل باعتباره النموذج الأكثر قدرة على إعادة بناء الأنسجة، وتوضح الباحثة أن هذه الكائنات تعد الأكثر كفاءة في عالم البرمائيات من حيث التجدد، كما أن الأكسولوتل يتميز بسهولة تربيته داخل المختبرات، ما يجعله نموذجا مثاليا للأبحاث العلمية.
وبحسب الدراسات، فإن خلايا الأكسولوتل تمتلك قدرة مذهلة على إعادة تشكيل الأطراف المفقودة بدقة عالية، بحيث تنمو العظام والعضلات والأعصاب بشكل متكامل ومنظم، وكأن الطرف لم يُفقد من الأساس، كما يمكن للكائن الصغير إعادة نمو طرفه خلال فترة تتراوح بين 40 إلى 50 يومًا، رغم أن هذه القدرة تتباطأ مع التقدم في العمر.
ويصف العلماء هذه العملية بأنها أقرب إلى إعادة تشغيل كاملة للخلايا، حيث تعود إلى حالة بدائية غير متخصصة، ثم تعيد بناء الطرف من الصفر، وهو ما يميزها عن الخلايا البشرية التي تكتفي عادة بترميم الجروح دون تجديد الأنسجة بالكامل.
ما يحدث داخل جسم السلمندر عند بتر أحد الأطراف يظل لغزا علميا مدهشا، إذ يتمكن من إعادة بناء الطرف بشكل دقيق يشمل العظام والعضلات والأعصاب معا.
وتعتمد أبحاث الفريق على تتبع الخلايا الأكثر نشاطا خلال عملية التجدد، وتصنيفها ومراقبة سلوكها في المراحل الأولى بعد الإصابة، بهدف فهم كيفية انطلاق عملية إعادة البناء البيولوجي من جديد، وتوضح تاناكا أن الهدف النهائي من هذه الدراسات هو استلهام نموذج ناجح من الطبيعة يمكن تطبيقه على البشر، من خلال تطوير خلايا جذعية قادرة على التجدد بطريقة مشابهة لما يحدث في السلمندرات.
وتأمل الفرق البحثية أن تسهم هذه الاكتشافات مستقبلا في إنتاج أنسجة بشرية بديلة قادرة على علاج الحروق الشديدة والإصابات المعقدة، بما قد يغير مستقبل الطب التجديدي بشكل جذري.
ورغم أن العلماء لا يتوقعون أن تتطابق آليات الخلايا البشرية مع نظيرتها لدى السلمندرات، فإن فهم هذا النموذج الطبيعي قد يكون المفتاح لتطوير طرق علاجية جديدة تعتمد على هندسة الأنسجة وإعادة بنائها.
ويؤكد الباحثون أن دراسة هذا الكائن لم تعد مجرد فضول علمي، بل أصبحت مدخلا مهما لفهم أمراض خطيرة مثل السرطان وباركنسون والزهايمر، وربما إيجاد حلول علاجية أكثر تقدمًا في المستقبل.






رد مع اقتباس