-: أكتب إليك من مكان لا يشبه أي مكان عرفناه. أنا في غرفة صغيرة، أربعة جدران رمادية، وأرض باردة، ونافذة صغيرة جداً فوق، لا أصل إليها. لا أرى منها وجهاً، ولا شجرة، ولا حتى قمراً. أرى فقط لون السماء، ويختفي سريعاً.
لا أعرف يا أخي كم مضى من الوقت. الأيام هنا لا تحمل أسماء. أستيقظ ولا أعرف إن كان اليوم إثنين أم خميس، صباحاً أم مساءً. كل الساعات متشابهة، ثقيلة، طويلة جداً. أحياناً أقول لنفسي: لعل اليوم عيد، أو لعل اليوم صار شتاء. ثم أتذكر أنني لا أشم الهواء، ولا أسمع المطر، ولا أخطو خارج هذا الباب.
الباب حديدي وثقيل، لا يفتح إلا قليلاً، حين تُدفع صينية طعام من فتحة صغيرة. أسمع أقدام الحراس في الممر، أرقب الصوت وأحصيه. خطوة، خطوتان، ثم يخف الصوت. أقول: ربما جاء دوري، ربما فتح الباب وخرجت. لكن الصوت يموت بعيداً، ويبقى الباب مقفلاً، ويبقى قلبي يدق، ثم يهدأ حزيناً.
أتذكرك يا أخي في كل لحظة. أتذكر كيف كنا نمشي معاً، كيف تضحك وتضع يدك على كتفي. أتذكر وجه أمي، وصوت أبينا، ورائحة البيت في المساء. كل هذا يؤلمني كثيراً. يوجعني الخوف من أن تنساني، أو أن تمر حياتك وتتوقف عن انتظاري. هل ما زلت تذكرني؟ هل ما زلت تحكي عني لأحد؟ أخاف أن أصير مجرد اسم قديم في ذاكرتك، ثم ينطفيء.
الحزن هنا أصبح شيئاً مادياً. أجلس على سرير حديدي بارد، وأراقب الجدران. صرت أعرفها كما تعرف الوجوه. أحفظ كل خدش، كل بقعة رطوبة، كل شق صغير. أحدثها في سري، أقول لها: اليوم تعبت أكثر من أمس، اليوم اختنقت أكثر. لكنها لا ترد علي، فقط تطبق حولي وتصمت. الحزن يا أخي لم يعد شعوراً يأتي ويمضي، بل صار الهواء الذي أتنفسه.
أحياناً في الليل، حين تسكن الأصوات، أضع رأسي على الوسادة الرقيقة ولا أنام. أنظر إلى الظلال الطويلة على السقف، وأسمع أنفاسي وحدها. أشعر ببرد شديد يدخل عظامي، وبكاء يطلع من صدري بلا صوت. دموع تنزل من عيني رغماً عني، فأتركها تسيل حتى تبلل وجهي ووسادتي. وبعدها لا أحس براحة، بل بفراغ أعمق، كأن روحي تذوب نقطة نقطة ولا تعود.
جربت أن أتخيل الخروج من هنا. تخيلت أن الباب يُفتح، وأني أراك واقفاً في الخارج، تركض إلي. لكني كلما تخيلت ذلك، تضاعف الألم حين أعود لأرى الجدران الحقيقية. صرت أخاف من الحلم، كما أخاف من اليقظة.
أكتب لك هذه الرسالة ولا أعرف إن كانت ستصل. لكني أكتب لأقول لك إني ما زلت حياً، وإن كان العيش هنا يشبه الموت البطيء. لا تنسني يا أخي. فكر بي ولو قليلاً، ادعُ لي، اذكرني بخير.





رد مع اقتباس