مستعمرة للاحتواء الصحي.. الغضب الكيني يضرب خطة أمريكا لنقل الإيبولا
القاهرة الإخبارية - مازن إسلام
أثارت خطة أمريكية لإنشاء منشأة حجر صحي مخصصة للمواطنين الأمريكيين المعرّضين للإصابة بفيروس الإيبولا في وسط كينيا موجة غضب واسعة داخل البلاد، وسط اتهامات لواشنطن بازدواجية المعايير والتعامل مع الكينيين باعتبارهم أقل قيمة من مواطنيها.
وتحولت مدينة نانيوكي، الواقعة على بُعد نحو 190 كيلومترًا شمال العاصمة نايروبي، إلى بؤرة جدل سياسي وشعبي بعد الإعلان عن مشروع إقامة مركز للحجر الصحي داخل قاعدة لايكيبيا الجوية، في وقت تكافح فيه السلطات الصحية في كل من أوغندا والكونجو الديمقراطية لاحتواء تفشٍ جديد لفيروس الإيبولا.
احتجاجات ومخاوف شعبية
وتصاعدت حالة الغضب خلال الأيام الأخيرة، حيث شهدت مدينة نانيوكي احتجاجات أسفرت عن مقتل شخصين، فيما عبّر سكان المدينة عن مخاوفهم من أن يؤدي المشروع إلى جلب مخاطر صحية إلى بلد لم يسجل حتى الآن أي إصابات معروفة بالفيروس.
وقال عدد من السكان إنه من غير المقبول أن تستضيف كينيا مواطنين أمريكيين معرضين للإصابة بالإيبولا بينما ترفض الولايات المتحدة استقبالهم على أراضيها.
ويعتبر كثيرون أن الخطة تمثل انتقاصًا من السيادة الوطنية وتضع المجتمع المحلي أمام مخاطر لا مبرر لها، خاصة في ظل قرب المنشأة المقترحة من المناطق السكنية والمدارس.
وأعلنت السلطات الصحية أن التفشي الحالي للمرض بدأ في منتصف مايو الماضي، إلا أن التقديرات تشير إلى أن الفيروس كان ينتشر منذ أسابيع قبل اكتشافه.
وصنّفت منظمة الصحة العالمية الأزمة باعتبارها حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقًا دوليًا، فيما يعود التفشي الحالي إلى سلالة "بونديبوجيو" النادرة، التي لا يتوفر لها حتى الآن لقاح معتمد أو علاج مصادق عليه.
ووفق أحدث البيانات، سجلت الكونجو الديمقراطية 344 إصابة مؤكدة و60 حالة وفاة، بينما سجلت أوغندا تسع إصابات وحالة وفاة واحدة.
تفاصيل الخطة الأمريكية
وبحسب المقترح، تعتزم الولايات المتحدة إرسال 30 من العاملين الطبيين لتشغيل المنشأة التي ستضم 50 سريرًا، بهدف استقبال مواطنين أمريكيين تعرضوا للفيروس أثناء وجودهم في مناطق التفشي.
ويمثّل ذلك تحولًا عن السياسة الأمريكية السابقة خلال أوبئة الإيبولا، إذ كانت واشنطن تنقل مواطنيها المصابين إلى الداخل الأمريكي لتلقي العلاج.
كان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أكد في أواخر مايو أن بلاده "لن تسمح بدخول أي حالات إيبولا إلى الولايات المتحدة"، مشددًا على ضرورة إبقاء المرضى المحتملين خارج الأراضي الأمريكية.
وأثارت التصريحات الأمريكية ردود فعل غاضبة داخل كينيا. إذ وصف رئيس نقابة الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الكينية، الدكتور دافجي أتيلاه، المشروع بأنه محاولة لتحويل البلاد إلى "مستعمرة للاحتواء الصحي"، مؤكدًا أن ما تعتبره الولايات المتحدة خطيرًا على مواطنيها يجب ألا يكون مقبولًا بالنسبة للكينيين.
ويرى معارضو الخطة أن إصرار واشنطن على نقل مواطنيها إلى كينيا بدلًا من علاجهم داخل الولايات المتحدة يبعث برسالة سلبية حول نظرة الإدارة الأمريكية إلى الدول الإفريقية.
القضاء يتدخل
وأمام تصاعد الجدل، أصدرت المحكمة العليا في نيروبي قرارًا مؤقتًا بوقف تنفيذ المشروع ومنع استقبال أي أشخاص تعرضوا للإيبولا إلى حين البت في القضية.
وجاء القرار بعد دعوى رفعتها مؤسسة معهد كاتيبا، التي اعتبرت أن الاتفاق المبرم بين الحكومتين الأمريكية والكينية يثير تساؤلات خطيرة تتعلق بالصحة العامة والحوكمة والسيادة الوطنية.
كما أمرت القاضية باتريشيا نياوندي الحكومة الكينية بالكشف عن جميع الاتفاقيات المتعلقة بالمشروع خلال سبعة أيام، على أن تُعقد الجلسة المقبلة للنظر في القضية في 23 يونيو.
في المقابل، دافع الرئيس الكيني ويليام روتو عن المشروع، معتبرًا أن الجدل الدائر حوله يحمل أبعادًا سياسية أكثر من كونه نقاشًا صحيًا.
وأكد أن المنشأة المقترحة تندرج ضمن جهود أوسع لتعزيز جاهزية البلاد لمواجهة الطوارئ الصحية المستقبلية، مشددًا على أن الهدف منها هو حماية الصحة العامة وتقوية قدرات الاستجابة للأزمات.
إلا أن هذه التطمينات لم تنجح في تهدئة المخاوف الشعبية، حيث أعرب سكان نانيوكي عن خشيتهم من انتشار المرض داخل مجتمعهم المحلي، وما قد يترتب على ذلك من قيود وإغلاقات مشابهة لما حدث خلال جائحة كورونا.
ويخشى أصحاب الأعمال الصغيرة من أن يؤدي أي تفشٍ محتمل للمرض إلى تراجع النشاط الاقتصادي وإعادة فرض إجراءات استثنائية قد تهدد مصادر رزقهم.
كما تتركز المخاوف حول المدارس الموجودة داخل محيط القاعدة الجوية، حيث يخشى الأهالي من تعرض الطلاب لأي مخاطر صحية محتملة في حال وقوع تسرب للعدوى.
ويرى كثير من سكان المنطقة أن القضية تجاوزت البُعد الصحي لتتحول إلى اختبار لعلاقة الحكومة بمواطنيها، إذ يتهم بعضهم السلطات بالتفريط في مصالح السكان المحليين لصالح اعتبارات سياسية ودبلوماسية.





رد مع اقتباس