الشهيد سيد جواد حاضرا ... لم يغب
وقصة سيد أحمد وفراس
حكاية طفلين أفلتا من الموت وعادا بعد أربعين عاماً
في بغداد
حين كانت الجدران تخاف
والأبواب تُفتح بالهمس
والناس تمشي وهي تنظر خلفها أكثر مما تنظر أمامها
كان هناك طفلان صغيران لا يعرفان شيئاً عن السياسة ولا الأحزاب ولا معنى الوطن حين يتحول إلى سجن كبير.
أحدهما اسمه أحمد
والآخر فراس.
وفي مساء خانق من أيلول سنة ١٩٨٠
دخل رجال الأمن البيوت كما يدخل الليل على مدينة مطفأة
اعتقلوا الرجال والنساء وحتى الأطفال
لم يكن المطلوب مذنباً بعينه
بل عائلات كاملة.
في الزعفرانية
داخل قاعة مكتظة بالخوف والدموع
كانت أم أحمد الشابة الحامل تحتضن طفليها حيدر وأحمد
وإلى جوارها أختها المريضة التي جاءت لبغداد من أجل العلاج فوجدت نفسها في المعتقل.
وفي القاعة المجاورة
كانت أم فراس تضم طفلها الصغير وتحاول أن تقنعه أن ما يحدث مجرد زيارة طويلة لا أكثر.
هناك
وسط الرعب
ولدَت صداقة الطفلين.
كان أحمد بعمر السنتين
وفراس يكبره قليلاً
وكان بينهما “بايسكل” أحمر
يتناوبان اللعب به كأن السجن ساحة بيت.
خارج المعتقل
كانت الجدات يفتشن عن أثر لبناتهن بين السجون
يحملن معهن ملابس صغيرة في أكياس خفية
لا لشيء
إلا لأن قلب الأم لا يتوقف عن اختراع المعجزات.
وحين وصلت إحداهن إلى الزعفرانية
خطرت الفكرة المجنونة
تهريب الطفلين.
ألبست الجدة حيدر ثياباً جديدة
وأخذته تحت عباءتها تمشي به نحو الباب
وكان قلبها يرتطم بصدرها كطبول حرب.
صرخ رجل الأمن: ـ من هذا الطفل؟
ارتجفت الدنيا كلها في ثانية واحدة
لكن الجدة تماسكت وقالت وهي تتظاهر بالغضب: ـ هذا الولد لا يترك عادته أبداً يبقى متعلقاً بعبايتي.
تفحص الشرطي يد الطفل بحثاً عن ختم الزيارة
ثم تركهما يمران.
خرج حيدر من بوابة الموت.
أما أحمد
فكان نصيبه مختلفاً.
جدته خافت بعد التدقيق المشدد
فعادت به إلى أمه وهي تبكي وتقول: ـ عرفنا مكانكم… بالمواجهة القادمة سنخرجه.
لكن المواجهة القادمة لم تأتِ أبداً.
اختفت الأم
واختفت الخالة
واختفى أحمد.
لاحقاً فقط
عرف الجميع الحقيقة.
الإعدام.
أُخذت الأمهات إلى جهة مجهولة
وأُخذ الطفلان أحمد وفراس بعيداً عنهما.
ثم تبدأ الحلقة الأكثر غموضاً في الحكاية.
كيف وصل طفلان صغيران إلى مركز شرطة الكرادة؟
لا أحد يعرف.
لكن آثار السقوط على جسد أحمد
وعرج فراس الصغير
كانا يقولان شيئاً واحداً: أن أحدهم رماهما من سيارة كأنهما حمل زائد في طريق الموت.
في مركز الشرطة
كان فراس يجيب عن الأسئلة ببراءة موجعة: ـ هذا مو أخوي… هذا ابن جيرانّا واسمه أحمد.
لم يعرف اسم أبيه
ولا لماذا كان في السجن أصلاً.
وبحسب القانون
كان يفترض أن يُرسلا إلى الملجأ.
لكن رجلاً اسمه مهدي الشمس الخفاجي
مختار الكرادة
قرر أن يتحدى الخوف.
أخذهما إلى بيته.
في زمن كان الناس يخافون حتى من إيواء قطة ضالة
فتح ذلك الرجل باب داره لطفلين مجهولي الهوية.
لم يعاملهما كلاجئين
ولا كأمانة مؤقتة
بل كأبناء حقيقيين.
أدخلهما المدرسة بلا أوراق
وأعطاهما اسماً
وخبزاً
وحياة.
وحين مات بحادث سير
أكملت زوجته وبناته الطريق.
كبر الطفلان.
لكن سؤالاً واحداً بقي يطارد أحمد كل ليلة: من أنا؟
كان يعيش بجسد رجل
وروح طفل ضائع يبحث عن اسمه.
وفي أيلول ٢٠٢٠
بعد أربعين عاماً كاملة
حدثت المعجزة.
في السويد
كان حيدر ـ الطفل الذي هُرّب من السجن ـ يكتب منشوراً عن عائلته المفقودة
ووضع صورة أخيه الصغير أحمد
وكتب: “هذا أخي الذي أعدمه البعث بعمر السنتين.”
لكن القدر كان يبتسم أخيراً.
إحدى بنات الحاج مهدي الشمس رأت الصورة
شهقت
وقالت: ـ هذا أحمد!
وفي ليلة لا تشبه الليالي
طرق عم أحمد الحقيقي الباب
فتح أحمد الباب
وكان على بعد عشر ثوان فقط من استعادة عمره كله
قال الرجل: ـ اسمك أحمد
أبوك جواد
أمك ابتسام
وأنت من السادة الموسوية
اعمامك الشهداء الابرار وهكذا امك وخالتك وبعض الاقرباء
وعمك (السيد ابو عقيل) الشهيد الحي الزاهد التقي من آل ناصر
أربعون عاماً من الضياع
ذابَت في جملة واحدة
وبعد أيام
وصل حيدر من السويد
حيدر نسخة طبق الاصل من والده
هاديء الطباع نبه يستقرأ الامور
لم يقتنع بموت اخيه ... ويراه موجود وفعلا . ..
التقى الأخوان
واحد يحمل ذاكرة العائلة
والآخر يحمل آثار الفقد
جلسا وجهاً لوجه
كأن الزمن توقف ينتظر هذه اللحظة منذ ١٩٨٠
ثم كانت المعجزة الثانية
فراس أيضاً وجد أهله
وتبين أن اسمه الكامل: فراس سالم النجار الخفاجي.
لكن الأجمل في الحكاية
أن الطفلين اللذين جمعهما السجن
بقيا أخوين حتى بعد أن عرف كل واحد منهما عائلته الحقيقية.
ستة وأربعون عاماً
وما زال الود بينهما يشبه ذلك “البايسكل الأحمر” في قاعة السجن.
طفلان كان يفترض أن يختفيا في المقابر السرية
لكن الله أعادهما من العدم
ليشهدا أن الرحمة أحياناً تنتصر حتى في أكثر الأزمنة ظلاماً
احمد جاء الى البصرة موطن اهله
احتف به النبلاء .. الدعاة... اصدقاء والده .. اهله واقرباؤه
وحتما مثل هكذا اب ( السيد جواد ) رضوان الله عليه
لن يتيه ابناؤه
لن يضيع حقه
لن يذهب جهاده سدى
اثمر واينع ومنح الناس الأمل
فالمظلوم لايمكن ان يهزم او ينكسر
![]()





رد مع اقتباس