رانية العباسي


(ولدت 1389 هـ / 1970 م) طبيبة أسنان سورية وبطلة عربية ودَولية في الشِّطْرَنج، وبطلة سوريا عدَّة مرَّات. اختفت قسرًا على يد المخابرات العسكرية السورية البعثية مع زوجها عبد الرحمن ياسين وأطفالهما الستة عام 2013. ولم يُعرَف مكان اعتقالهم أو احتجازهم، وانقطعت المعلومات عنهم منذ اختفائهم. حتى أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا في آخر مايو 2026 أن تحقيقاتها بيَّنت أن أطفال رانية العباسي قُتلوا جميعًا في جريمة بشعة لنظام الأسد من وقت مبكِّر عقب اعتقالهم مباشرة، أما مصير رانية وزوجها فلا يزال مجهولًا.
سيرتها


وُلدت رانية بنت محمد عيد العباسي في حيِّ ركن الدين بدمشق، يوم الثلاثاء 13 ذي القَعْدة 1389هـ الموافق 20 كانون الثاني (يناير) 1970م، لأسرة سنية علمية، فوالدها من علماء الشريعة والحديث النبوي الشريف.
تلقَّت تعليمها في دمشق وكانت متفوِّقة، وحصلت على شهادة في طبِّ الأسنان من كلية الطب بجامعة دمشق. وبرزت من صغرها في رياضة الشِّطرَنج وشاركت في بطولات محلِّية وعربية ودَولية، وفازت بالعديد من البطولات الوطنية والعالمية.
كان والدها سجينًا في سجن تدمر سيِّئ السمعة، وبعد مشاركتها في بطولة العرب للشِّطْرَنج في عمَّان التقاها باسل الأسد الابن الأكبر للرئيس السوري السابق حافظ الأسد شخصيًّا. كانت تحمل وُرَيقة عليها اسم والدها، أرادت تسليمه الورقة في محاولة للتوسُّط لإطلاق سراحه، ولكن منعها رجال الأمن المحيطون به، وطلبوا منها تحيته فقط والابتعاد مباشرة.
في عام 1995 هاجرت مع أسرتها إلى المملكة العربية السعودية، وعملت رانية في عيادة بالرياض، وفي عام 2006 عادت إلى دمشق لتفتتحَ عيادتها الخاصَّة في ركن الدين بدمشق، ثم في ضاحية الشام الجديدة (مشروع دُمَّر).
اختفاؤها
في عام 2011، بدأت مظاهرات صغيرة ضد النظام البعثي تحولت إلى احتجاجات واسعة النطاق على مستوى البلاد. قُسِّمت دمشق، عاصمة سوريا، بين أربع وكالات أمنية: إدارة المخابرات الجوية، وإدارة المخابرات العسكرية، وإدارة الأمن السياسي، وجهاز مباحث أمن الدولة. في وقت لاحق، تم تكليف قوات الدفاع الوطني شبه العسكرية والعديد من القوات البعثية الأخرى. كُلِّف الفرع 215 بمراقبة منطقة مشروع دمر، وهي منطقة يعيش فيها وزراء مهمون من النظام والحكومة.
بعد اندلاع الثورة في حمص، نزح آلاف المدنيين داخليًا إلى المدن المجاورة. في تلك الحِقبة، بدأت رانية بعلاج أطفال عائلة من حي الخالدية بحمص. تعرفت رانية على وفاء الأيوبي، بعد أن أصبحت طبيبة أطفالها. التقى زوج رانية عبد الرحمن ياسين، ابنَ العائلة محمدًا، الذي كان يبلغ من العمر 18 إلى 19 عامًا آنذاك. عندما علم أنهم نازحون وأنهم يعانون ضائقة مالية، أعطاه 10000 ليرة سورية (حوالي 100 دولار أمريكي آنذاك) نظرًا لتعاطف الكثير من السوريين مع أهالي حمص. أصبحوا أصدقاء وبدأوا بالزيارة.
فشلت محاولات عائلة الأيوبي لتجديد "دفتر خدمة العلم" لابنهم. كان عبوره للحواجز العسكرية بدون هذه الوثيقة أمرًا بالغ الخطورة. علق في منزله ولم يستطع الذهاب إلى أي مكان. في إحدى المرات، غادر المنزل ولم يعد. أُلقي القبض عليه عند إحدى حواجز الجيش، وتحت وطأة التعذيب الشديد، ذكر معلومات عن المبلغ الزهيد الذي حصل عليه من عبد الرحمن. بعد عدة أيام، وفي الصباح الباكر، طرق مسلحون باب منزل عائلة الأيوبي بالقوة. رأت وفاء ابنها محمد، والدم يسيل من أذنيه، وشعره منسدل عن رأسه، وضمادة سوداء على عينيه. عندما أزال المسلحون الضمادة، لم يُبدِ أي انفعال أو رد فعل، واكتفى بالتمتم: "نعم سيدي"، وفقًا لوفاء الأيوبي. ركضت لاحتضانه، لكنها تلقت الضرب والشتائم.
في 9 مارس/آذار 2013، أُلقي القبض على عبد الرحمن ياسين أمام أطفاله الصغار. وأثناء اعتقاله، قال لرانية: "هؤلاء رجال أمن، ولا يخشون الله، فاتبعوا أوامرهم".
بعد اعتقال زوجها، قررت رانية البقاء في منزلها مع أطفالها، حيث لم يكن لديها ما تخشاه. كانت غير سياسية ولم تشارك في أي مظاهرات ضد الحكومة. لكنها كانت خائفة للغاية ومرعوبة على زوجها. في 10 مارس، أرسلت أطفالها إلى المدرسة، حيث لم يكن لديها سبب لعدم القيام بذلك. كان لدى رانية الكثير من الأماكن للهجرة إليها، مثل عائلتها في المملكة العربية السعودية، لكنها اختارت البقاء. في اليوم التالي، 11 مارس 2013، زارتها مجدولين القاضي مساعدتها في العيادة، لتعزيتها، مليئة بالأمل في عودة عبد الرحمن في أي لحظة. في نفس اليوم، انقطعت جميع الاتصالات بين رانية وعائلتها، ولم يسمع عنهم أي شيء لعدة أيام حتى اتصل أحد الجيران بالمهندس حسان العباسي شقيق رانية، وأخبره بالمأساة. تم القبض عليها مع أطفالها الستة ومساعدتها ليختفوا خلف قضبان السجن.
البحث عنها
حاولت العائلة الحصول على معلومات عن رانية، إذ كانت رشوة عناصر الأمن والحراس إحدى الطرق الوحيدة للحصول على المعلومات، لكنها أدركت أن ذلك كان مضيعة للمال. ولا تزال المعلومات غير الرسمية التي سعت العائلة للحصول عليها غير قاطعة، على الرغم من وجود شائعات تفيد بأن رانية ربما كانت محتجَزة في فرعي المخابرات العسكرية 215 و284، وأنها في حالة صحية سيئة.
كان اعتقال الأطفال العنصر الأكثر مأساوية في قصة رانية. عند اعتقالهم، كانت ديما، وانتصار، ونجاح، وعلاء، وأحمد، وليان، تبلغ أعمارهم 14،13، 11، 8، 6، وسنتين على التوالي. أبقت قوات الأمن عملية الاعتقال طي الكتمان؛ وحتى الآن، لم يصدر أي بيان رسمي عن مكان احتجازهم أو حتى اعتراف باختطافهم. كل ما تبقى لعائلتها المفجوعة هو سؤال المعتقلين السابقين الذين نجوا من تلك المأساة عن أي أثر لهم.
الجهود الدولية
انطلقت جهود دولية عديدة للعثور على رانية وأسرتها.

  • أرسلت منظمة العفو الدولية رسائل مباشرة إلى بشار الأسد وغيره من كبار المسؤولين مطالبة بالكشف عن مصيرهم.
  • طرح يحيى العريضي، المتحدث باسم هيئة التفاوض السورية، قصة رانية في نقاش قمة أستانا عام 2017، طالبًا من رئيس الوفد الروسي ألكسندر لافرينتييف التدخل لصالحه. ولم ينتهِ الحوار إلا بتلقيه وعودًا بشأن هذه القضية، وبزيارته دمشق والتحدث مع الأسد شخصيًا بشأنها. بعد أيام، عندما التقى يحيى بلافرينتييف مجددًا، أخبره ببساطة أنهم ينفون اعتقالها.
  • أطلق مكتب الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل التابع لوزارة الخارجية الأمريكية حملةً لدعم السجناء السياسيين حول العالم بعنوان "بلا قضية عادلة". تهدف الحملة إلى تسليط الضوء على تزايد جهود الأنظمة الاستبدادية لقمع المعارضة وقمع الحريات السياسية في العديد من دول العالم، بما فيها سوريا، ومشاركة قصص بعض الأفراد المسجونين لممارستهم حقوقهم الإنسانية. تشارك رانية العباسي وعائلتها في حملة أطلقتها وزارة الخارجية الأمريكية لدعم السجناء السياسيين.
    حتى نهاية عام 2025 بقي مصير رانية العباسي وزوجها وأطفالها الستة مجهولًا.


  • نشرت شقيقتها الطبيبة نائلة العباسي مقطع فيديو من منزلها في دمشق يظهر دفاتر ورسومات تركها الأطفال قبل اختفائهم، فيما أطلقت ناشطات حقوقيات نداءات جديدة للكشف عن مصيرهم. في المقابل، ظهرت حملات تضليل إعلامية حاولت إنكار القضية، وهو ما دفع أفراد العائلة إلى الرد علنًا. وتواصل منظمات حقوق الإنسان والجهات الدولية المطالبة بالكشف عن مصيرها، معتبرة القضية مثالًا بارزًا على ظاهرة الاختفاء القسري في سوريا.
  • في نوفمبر 2025، وجّه حسان العباسي، شقيق رانية العباسي، اتهامات إلى منظمة "قرى الأطفال SOS – سوريا" بالتستر على معلومات قد تتعلق بمصير أبناء شقيقته. جاء ذلك بعد نشر المنظمة إعلانًا بمناسبة اليوم العالمي للطفل ظهرت فيه فتاة في الثانية 11 اعتبر حسان أنها تشبه ديما، الابنة الكبرى لرانية. ورغم هذا الادعاء الخطير ضد المنظمة لم ترد المنظمة أي رد رسمي على هذا الادعاء الخطير، وكذلك لم تقم المنظمة بالكشف عن هويتها، مما دفع العباسي إلى اعتبار صمتها "قرينة إدانة"، مطالبًا بفتح تحقيق رسمي في نشاط المنظمة داخل سوريا. قام حسان العباسي في منشور على فيسبوك بمطالبة الدولة السورية بمداهمة مقرَّات المنظمة واعتقال الموظفين وذلك ضمن تطور غير مسبوق بخطابه ضد المنظمة.


  • في 30 مايو 2026، كشفت وزارة الداخلية السورية عن تطوُّرات جديدة في قضية اختفاء رانية العباسي وعائلتها. أفادت التحقيقات أن الأطفال الستة: ديمة، وانتصار، ونجاح، وآلاء، وأحمد، وليان، لقوا حتفهم على يد "مجموعات ومليشيات تابعة للنظام البائد"، استنادًا إلى إفادات الموقوفين وتحليلات الهيئة الوطنية للمفقودين. وأشارت النتائج الأوَّلية إلى تورُّط أمجد يوسف، المتهم الرئيس في "مجزرة حي التضامن" والمعتقل حديثًا، في مقتل الأطفال. وأكدت هيئة المفقودين أنها توصلت إلى أدلة متقاطعة ترجِّح بدرجة عالية من اليقين وفاة الأطفال، وأن الجهود ما زالت مستمرَّة لتحديد أماكن الرفات بالتنسيق مع الجهات المختصَّة.