النتائج 1 إلى 2 من 2
الموضوع:

قصور أجاهيل والميهان.. مدن الطوارق التي تنام في حضن الصحراء منذ ألف عام

الزوار من محركات البحث: 5 المشاهدات : 35 الردود: 1
جميع روابطنا، مشاركاتنا، صورنا متاحة للزوار دون الحاجة إلى التسجيل ، الابلاغ عن انتهاك - Report a violation
  1. #1
    من أهل الدار
    تاريخ التسجيل: October-2013
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 109,551 المواضيع: 105,264
    التقييم: 23806
    مزاجي: الحمد لله
    موبايلي: samsung A 14
    آخر نشاط: منذ ساعة واحدة

    قصور أجاهيل والميهان.. مدن الطوارق التي تنام في حضن الصحراء منذ ألف عام

    قصور أجاهيل والميهان.. مدن الطوارق التي تنام في حضن الصحراء منذ ألف عام



    طاهر حليسيالجزائر


    إلى يمين الطريق المؤدية إلى وسط مدينة جانت، عاصمة تاسيلي نْ أزجر، جنوبي الجزائر، تشمخ قلعةٌ عملاقة لا تزال محافظة على هيكلها العمراني الهرمي، بقاعدة وبنايات متدرجة تتصل بالقمة، فيما تبدو أبوابها موغلة في القِدم. يُعرف هذا المعلم التاريخي بـقصر تَغُورفيت، بمعنى البيت الأول، أو المكان المرتفع، ويُطلق عليه أيضًا قصر الميزان، وهو المصطلح الأدق تصويبًا لترجمة ترجمة فرنسية حولته للفظة "الميهان".
    عمارة حضرية
    لا يزال القصر محجًّا للزوار المحليين والأجانب، الساعين لاكتشاف كنوزه المعمارية والتاريخية، التي تضفي على جانت التي كانت تُعرف سابقًا باسم فور شارلي بُعدًا حضريًا يكسر الصورة النمطية السائدة عن الطوارق باعتبارهم مجرد رحّل.
    ويعلّق عثمان بالَنقاس، رئيس جمعية قصر تغورفيت السياحية الثقافية، ومؤلف كتاب "ماضي الأسلاف في الكشف عن الأعراف لمدينة جانت السُلاف"، قائلًا: "لا أُفضّل استعمال كلمة الطوارق، بل كلمة الإيموهاغ. وهم ثلاثة أنماط: رحّل يتخذون الخيم مساكن، ونصف رحّل يقطنون دورًا مخروطية الشكل ومؤقتة تُسمّى تبارغاجن، ومستقرون يقيمون في القصور شتاءً وفي البساتين صيفًا".
    ويضيف بالَنقاس أن تسمية قصر الميزان تعود إلى موقعه المتوسط بين قصرين آخرين هما أجاهيل وتعني "اليتامى"، وزلواز وتعني “فترة ما قبل الغروب”، موضحًا أن عمر هذه القصور يتراوح بين 900 و1100 سنة، وهو ما تؤكده شواهد شفوية ومادية. ويرجع تأسيسها إلى الجد الأول عبدو بن زيد بن عمران، كما تشهد على تاريخ إسلامي راسخ لاحتوائها مساجد قديمة، وزوايا، ومقابر إسلامية.

    ويتابع المتحدث: "تُسمّى هذه القصور بتسمية بربرية أخرى هي إِغرمان، ومفردها أغْرم، وهي تسمية تعود في جذرها إلى قبيلة أمازيغية كبرى تُعرف بـالقرامنت، الذين برعوا في بناء القلاع والمخازن منذ عصور سابقة، نظرًا لارتباطهم بشبكات التجارة عبر طرق ثلاث: تجاكال، وتكاندراين، وتيناغورا، وتعني هذه الأخيرة المكان الذي يُرفع فيه الأذان للصلاة لوقوعه قرب مسجد".
    يُفضّل السياح المتقاطرون على جانت زيارة هذا القصر في مستهل أو ختام رحلاتهم إلى صحاري تادرارت ومغارات تاسيلي ومخانق إيسندلين وإجباران.
    أحفاد القرمنت
    في هذا السياق، عبّر فيليبو، وهو سائح إسباني، مهتم بالأركيولوجيا، عن دهشته في تصريح لـ"الترا جزائر"، قائلًا: "كنت أعتقد أن الرجل الأزرق مجرد رحّال في الصحراء، لأفاجأ بأنه شيّد أيضًا قصورًا متقنة في أعالي المناطق المشرفة على وادي إجر، وهو ما يعكس توازنًا دقيقًا بين الواحة التي تؤمّن المعاش، والقصر الذي يوفّر الاستقرار، إنها مدن نبتت بين صخور ورمال الصحراء".
    وتضيف كارلا وهي سائحة إيطالية: " من الواضح أن هذه القلعة ذات جذور حضارة عمرانية قديمة ماثلة في الهندسة القصورية التي انتشرت في الصحراء الكبرى والساحل".
    من جانبه، يؤكد الأستاذ يوسف أوقاسم، الباحث في شؤون المنطقة ومؤلف كتاب "جانت بما توصف" في تصريح لـ"الترا جزائر"، أن الاعتقاد السائد حول كون الطوارق رحّلًا بطبعهم غير دقيق. ويصحح: "الطوارق في الأصل أبناء قصور وحواضر برعوا في الزراعة، وهم أحفاد القرامنت. كما أن كلمة تارقي مشتقة من تارقة، وتعني باللغة الأمازيغية، الساقية، ما يدل على ارتباطهم الوثيق بالاستقرار الزراعي. أما الترحال، فكان نتيجة تحولات مناخية واقتصادية، مثل الجفاف، وعسر الأحوال التي فرضت أنماط تكيف لاحقة".

    وعلى هذا الأساس، مارست قبائل الإيموهاغ الزراعة، فأنتجت القمح والشعير والدُخن، وزرعت النخيل والخضروات والفواكه، إلى درجة أن النخلة أصبحت جزءًا من تقاليد الصداق.
    ويشرح عثمان ذلك:"في السابق كان صداق المرأة يبلغ ثمانين نخلة، ما جعل الزراعة عنصرًا أساسيًا في اكتمال الرجولة لدى الشاب الراغب في الزواج. أما الدُخن، وهو حبوب تشبه الذرة، فكان يُحمل في الجراب ويُستهلك مع الحليب خلال الأسفار الطويلة التي تتجاوز ثلاثة أيام، لكونه وجبة مقاومة للجوع والعطش".
    طين طبيعي
    تعتمد تقنية البناء في القصور على الطين والصلصال الممزوج بالتبن وروث المواشي، بينما يخضع تقسيم الدور لنمط هندسي دقيق يراعي الوظائف اليومية والظروف المناخية.
    ويوضح بالنقاس ذلك مفسرًا:"يُخلط الصلصال مع بعر الماعز والماء، ويُترك لمدة خمسة عشر يومًا، قبل الشروع في استعماله في البناء، وفق طريقة نمطية تبدأ من الأسفل بقاعدة يبلغ قطرها نحو 60 سنتيمترًا، لتتضاءل تدريجيًا نحو القمة حتى 20 سنتيمترًا".
    ويضيف أن الجدران تُصقل بالأيدي، ما يسمح بجدولة سطحها بنتوءات صغيرة تعمل على تصريف قطرات الأمطار، في حين يؤدي الصلصال الأبيض المسمى تبارق دورًا أساسيًا في طرد الرطوبة. أما الأبواب، فهي صغيرة الحجم، وغالبًا ما تُصنع من خشب شجرة التاروت، أو سرول الطاسيلي، وهو ما يساهم في الحفاظ على التدفئة داخل البيوت، خصوصًا أن الإقامة في القصور تكون شتوية بالأساس".
    تطهير بيولوجي
    تتكون أغلب البيوت من غرفة رئيسية يشرف عليها ربّ العائلة، تضم مخزنًا للتمور، وبداخلها مصعد تقليدي يُسمّى أُسْوَنْ، يقود إلى السطح حيث تُنشر المدخرات وبخاصة التمور بعيدًا عن أيدي الأطفال واللصوص.وينتهي هذا المصعد بسقف تُخزَّن فيه التمور كمؤونة دائمة، لكونها لا تتلف ويمكن ادخارها لفترات طويلة.

    كما تحتوي البيوت على غرف مخصصة للأبناء، ورحبة تجتمع فيها العائلة، في السابق كان السكان يسقفون بخشب التاروت أو سرول تاسيلي المعمر، جراء مقاومته للأرضة والحشرات الضارة، حتى أن الناس كانوا يخزنون أعرافا منه في ثيابهم لمقاومة العثة، ثم صاروا يبنون الأسقف بخشب النخيل، وتساهم أدخنة المواقد فتُساهم في تطهيرها من البكتيريا ".
    ولتنظيم شؤون المياه المستعملة، ابتكر السكان نظامًا بيئيًا متقدمًا تمثل في حفر جماعية لطرح الفضلات، تُعالج دوريًا بطريقة بيولوجية بحتة. ويشرح المتحدث:
    "تُرش هذه المراحيض الجماعية برماد المواقد، الذي يحبس الروائح الكريهة، ويحوّل الفضلات إلى سماد يُنقل لاحقًا إلى الواحات والبساتين".
    كما تسود القصور أبراج مراقبة قديمة شيدها الأقدمون لأغراض أمنية، كانت تؤدي دور الإنذار المبكر ضد المغيرين الخارجيين. ويوضح عثمان بولنقاس
    "أسهمت هذه الأبراج في رصد تحركات قبائل التبو المنتشرة في ليبيا وتشاد، والتي كانت تهاجم المنطقة بين الحين والآخر، ويُطلق عليهم محليًا اسم الإياكرادن، في حين كان يُطلق على قُطّاع الطرق المنتشرين في الصحراء الكبرى اسم إيقارقراين".

    خلال المرحلة الاستعمارية، شهدت المنطقة مقاومة شرسة للغزو الفرنسي، حيث يؤكد بولنقاس أن الزاوية السنوسية دعمت فكرة الجهاد ضد المستعمر، ولعبت القصور دورًا محوريًا في هذه المقاومة من خلال جمع السلاح، وقد تُوّج ذلك باندلاع معركة جانت الكبرى سنة 1916، قبل أن يفرض الاستعمار الفرنسي سيطرته على المنطقة لاحقًا، عبر لفيف أجنبي بلغ ألف مجند من شتات الأجناس، كما شهدت فترة الثورة التحريرية عدة اشتباكات بحسب بقايا أسلحة عثر عليها في إيساولن.
    السبيبة وعاشوراء
    لعبت القصور الثلاث، التي تُعد النواة التأسيسية لمدينة جانت، دورًا محوريًا في الحفاظ على الموروث الثقافي والتاريخي والسلوكي عبر العصور، لا سيما فيما يتعلق بشعيرة السبِّيبة، التي تُقام في عاشوراء، من الأول إلى العاشر من شهر محرم ضمن احتفالية كبرى، يحضرها المدح، والأكل، والرقص، احتفاءً بذكرى نجاة النبي موسى وغرق فرعون.
    وفي هذا الصدد، يوضح الأستاذ يوسف أوقاسم، كاتب مؤلف "السَّبيبة: هبة الأجداد وكنز من قرون" في تصريح لـ "الترا جزائر":"يرجع الفضل لقصري الميزان وزلواز في الحفاظ على إرث السبيبة، على مدار يفوق عشرة قرون، ونقلها كما هي في الأصل من جيل إلى آخر. وبما أن هذه الشعيرة تحتاج فريقين، فقد شارك قصر أجاهيل في التحضير لهذه المناسبة، مكملًا الدور التدويني للقصور الأخرى".

    ويضيف أوقاسم لتوضيح نقطة حفظ الإرث:"المقصود أن قصري الميزان وزلواز حافظا على الطقوس الأصلية لهذه الشعيرة، فهي الأصل مقارنةً بتظاهرات أخرى تقام في مناطق أخرى مثل إيليزي وغات والنيجر، والتي شهدت تغيرات طالت الصيغة التقليدية لها".
    وتُمثل السبيبة، التي أدرجتها اليونسكو ضمن التراث الكوني عام 2014، نموذجًا حيًا يختزل الثقافة التارقية المبنية على الانتماء الجماعي، والنزوع نحو السلم والمصالحة. ويُبرز فريقا الميزان وزلواز، وهم أبناء عمومة وخالات، دور الصراع والحرب قبل الانصياع للسلم والمصالحة، من خلال الولائم التي تُقام بين الطرفين، ما يعكس انتصار الحكمة والأخوة وتشارك البهجة.

    وفي سياق آخر، يوضح بالنقاس أن التظاهرة تتضمن الأشكال الفنية مثل الرقص والغناء وقرع الدفوف، إضافة إلى الألبسة التقليدية للإيموهاغ، وبعض الرموز على القبعات وهي قطع معدنية على شكل مثلثات ترمز إلى الأهرامات المصرية، في إشارة إلى الروابط التاريخية بين الطوارق والحضارة الفرعونية القديمة. كما كانت الألبسة النيلية تُستقدم سابقًا من منطقة زندر بالنيجر وتُسمّى تِكمْسيِن. ويُؤول الانتصار للابس هذه الأزياء لكونها ذات لون براق يعكس الشمس ويعمِي عيون الخصوم.
    وتستهل السبيبة بما يُعرف بـ “إيمولاون” أي المدائح، وتختتم بأطباق تقليدية مثل، الفْتات، التاجلا، تيكيَاوين، وتَمَسن. ويشير المتحدث إلى أن الشعيرة كانت تقام سابقًا من الفجر حتى العشاء، لكن العادات الحديثة غيرت شكلها بما يخالف النسخة الأصلية.
    تنشيط دائم
    يُعتبر قصر تغورفيت أو قصر الميزان ضابط الإيقاع بالنسبة لجانت، ويقدم نموذجًا حيًا للعمارة القصورية القديمة، رغم تحوله اليوم لشبه متحف مفتوح للسياح. ويعلق أحد الأدلاء السياحيين في المنطقة موضحا:
    "خلال شهرين فقط، زاره أكثر من ألفي سائح محلي وأوروبي، ويستفيدون من شروحات حول تاريخه، وعمارته، ونمط الحياة السائد فيه".

    وأكمل رئيس الجمعية، عثمان بالنقاس، بالقول:"نناضل من أجل أن يبني السكان المجاورون للقصر وفق النمط العمراني القديم للحفاظ على المنظر العام ومنع تشويه البيوت بالخرسانة. كما ننظم من حين لآخر ورشًا داخلية مدتها ثلاثة أشهر لتعليم البنات فنون المنسج وصناعة الزرابي والقفاف بسعف النخيل، لإحياء هذه الصنائع التقليدية.
    وختم: "إضافة لذلك، نقيم به معارض ومسابقات مثل أحسن زي طارقي، ونعقد دورات حديثة في فن التسويق، خاصة التمر الذي يُنتج في هذه الربوع ويضم أكثر من مائتي نوع، وهذا يعني أن القصر لا مجرد متحف جامد بل فضاء منتج للمعاش، كما كان في سالف الدهور".


  2. #2

تم تطوير موقع درر العراق بواسطة Samer

قوانين المنتديات العامة

Google+

متصفح Chrome هو الأفضل لتصفح الانترنت في الجوال