النتائج 1 إلى 2 من 2
الموضوع:

جولة في الحي العتيق بالجزائر العاصمة.. مدينة القصبة التي تُبعث من أنقاضها

الزوار من محركات البحث: 2 المشاهدات : 53 الردود: 1
جميع روابطنا، مشاركاتنا، صورنا متاحة للزوار دون الحاجة إلى التسجيل ، الابلاغ عن انتهاك - Report a violation
  1. #1
    من أهل الدار
    تاريخ التسجيل: October-2013
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 109,550 المواضيع: 105,264
    التقييم: 23806
    مزاجي: الحمد لله
    موبايلي: samsung A 14
    آخر نشاط: منذ دقيقة واحدة

    جولة في الحي العتيق بالجزائر العاصمة.. مدينة القصبة التي تُبعث من أنقاضها

    جولة في الحي العتيق بالجزائر العاصمة.. مدينة القصبة التي تُبعث من أنقاضها



    كلما حلّ الصيف، تتحول المدينة العتيقة بعاصمة الجزائر "حي القصبة" إلى محجّ للسياح من داخل الوطن وخارجه، أفواج من السياح على رأسهم عائلات جزائرية مغتربة تأتي بأبنائها وأحفادها لزيارة هذه المدينة المصنّفة لدى منظمة اليونيسكو تراثا إنسانيا، بعضهم يدخلها لأول مرة، وبعضهم أعاده الحنين بعد عمر من مغادرتها.
    في أواسط الثمانينيات، حين بدأ حلم الجزائريين بالهجرة إلى أستراليا، كانت هناك أغنية يرددها أبناء القصبة، يذكرون فيها جغرافية هذه المنطقة بشكل جميل، جغرافية لا تعطي طبوغرافيا المكان فقط، بل خارطة لواقع اجتماعي وسياسي آنذاك
    مُنذُ بضعة سنوات عادت الحياة لتدب في أوصال "القصبة"، بعد سنوات من الانغلاق، تحولت فيها، بفعل طبيعتها العمرانية المعقدة المتشابكة إلى مخبأ للعناصر الإرهابية في سنوات التسعينيات.
    عاد إليها الزوار فعاد إليها النشاط، وفتحت مقاهيها ومطاعمها وبعض دكاكين الحرفيين التقليديين. بل وتحولت مهنة "الدليل السياحي" مهنة الصغير والكبير من أبنائها، يسترزقون منها.

    "باب جديد" أحسن الأبواب لدخول القصبة
    يقول أهل "دزاير" (التسمية المحلية القديمة لمدينة الجزائر) ناصحين الغريب عنها: "إذا أردت أن تزور القصبة فأدخلها من فوق واقطعها نزولا". ليس لأن الأمر يغنيك مشقة سلالمها صعودا وحسب، بل لأنّ نُزول درجات أزقتها المُلتوية يكفيك مفاجأة الوقوع في زقاق مسدود، على عكس إن صعدتها لا محالة تفضي بك إلى درب قد يبدو أنّه لا يفضي إلى مخرج أو إلى زقاق مسدود فعلا.
    أن تدخل القصبة من الأعلى، يعني أن تدخلها من "باب جديد" (بني في 1732) بابها العلوي من الجنوب، آخر أبوابها الخمسة التي لم يبق منها سوى الاسم، منذ أن هدمها الاحتلال الفرنسي وهدم أسوارها.
    عليك ألا تخلط بين باب جديد الذي لم يعد له وجود، منذ هدمه الاحتلال وشق فيه طريقا سماه "شارع النصر" (Boulvard De La Victoire)، وبين النفقين اللذين يقطعان "دار السلطان"، بالقرب من "جامع البراني" (مسجد الغرباء) ويربطان حي القصبة بالطريق المؤدي إلى وزارة الدفاع بمنطقة "الطاغران" (فرنسة لكلمة "الثغريون" نسبة إلى الموريسكيين الذين منحت له مناطق بثغور المدينة للإقامة بها).
    في أواسط الثمانينيات، حين بدأ حلم الجزائريين بالهجرة إلى أستراليا، كانت هناك أغنية يرددها أبناء القصبة، يذكرون فيها جغرافية هذه المنطقة بشكل جميل، جغرافية لا تعطي طبوغرافيا المكان فقط، بل خارطة لواقع اجتماعي وسياسي آنذاك. تقول الأغنية:
    بابور يا بابور يا بابور آ تريبور
    أديني لبلاد النور في بلادي راني محقور
    سركاجي بيبان حديد والهربه من باب جديد
    والخرجه من سوسطاره دولتنا الحقاره
    جبل ما بين جبال فيهم باني سرايا
    عندي كنز مخبي ما يعلم بيه غير مولايا
    طلعت فوق الشجره والريح زعزع بيا
    ما لي عليها صبرا كيه زادت على كيه
    والناس قالوا مهبول وانا لغرام اللي بيا
    يا الطير المجروح لوين تغدا ولوين تروح
    فوق عشك بناوا سطوح بعت الغنا ورجعت تنوح
    جبل ما بين جبال فيهم باني سرايا
    عندي كنز مخبي ما يعلم بيه غير مولايا
    إذا سالوا دموعها بدموعها غسلوني
    وإذا طاحوا شعورها بشعورها كفنوني
    وإذا قلتوا كذاب جيبوا الحطب واحرقوني

    سركاجي: دار الخل تشرِب الخل
    باب جديد بالنّسبة إلى سكان القصبة هي "سجن سركاحي" الذي أقامه الاحتلال الفرنسي في سنة 1856، على أنقاض تحصينات تركية بنيت في الثلث الأول من القرن الـ 16، وكانت تستخدم أيضا كمعتقل. أعطاه المحتل اسم "برباروس" ليربط الذاكرة الجماعية فترة الحكم التركي بالبربرية، لكن ذاكرة الجماعية لأبناء القصبة بقيت متشبتة بتسمية "سركاجي".
    سجن سركاجي الذي تحوّل، في السنوات الأخيرة، إلى متحف، هو بالنسبة إلى الآباء ذاكرة ظلم وقهر الاحتلال الفرنسي، منه خرجت آخر صرخات المعدومين بالمقصلة، وعددهم 222، يتقدمهم الشهيد عبد القادر فراج وأحمد زبانة، في 19 حزيران / يونيو 1956، ودوى صداها في سماء المدينة، ومنه خرج نشيد "قسما".
    سجن سركاجي الذي تحوّل، في السنوات الأخيرة، إلى متحف، هو بالنسبة إلى الآباء ذاكرة ظلم وقهر الاحتلال الفرنسي، منه خرجت آخر صرخات المعدومين بالمقصلة
    عرف هذا السجن المحصن، خلال الثورة التحريرية، عملية هروب في 22 شباط / فبراير 1962، أشرف عليها المجاهد مصطفى فتال. كما عرف عصيانا في شباط/ فيفري 1995، ذهب ضحيته أكثر من 100 من نزلائه من بينهم عدد من قيادات الحزب الإسلامي المحل "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، وعصيانا آخر في شهر نيسان/ أفريل 2002، أيام كان أحمد أويحيى وزيرا للعدل، انتهى بوفاة 18 سجينا.
    مُفارقة عجيبة أنّ اسم سركاجي لفظة فارسية تعني "مقطر الخل" (سركه تعني الخل، وجي لاحقة للتدليل على المهنة). والدزيريون إذا أرادوا أن يعبروا عن قمة المعاناة والقهر والعذاب قالوا: "شربوا له الخل". وفعلا من دخل سركاجي "شرب الخل".
    جبانة القطار: قبر الآخرة يُورّث أيضا
    تعني باب جديد أيضا "جبّانة القطار" (مقبرة القطار)، نسبة إلى قطار الخل، وهي مقبرة أقيمت في سنة 1838، على أحراش من الصبار والتين الهندي، لتعوض المقبرة التي كانت أسفل القصبة بالقرب من مسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي، وهدمها الجنرال فالي لإقامة ثانوية بيجو (الأمير عبد القادر حاليا) وحديقة مارانغو (حديقة عمر الزاهي حاليا).
    من يريد أن يعرف عائلات القصبة، عليه أن يتجول بين شواهد قبور "جبانة القطار" التي ضاقت بموتاها مثلما ضاقت القصبة بأحيائها، فامتدت إلى أعلى، وانقسمت إلى قسمين: "الجبانة القديمة" و"الجبانة الجديدة"
    من يريد أن يعرف عائلات القصبة، عليه أن يتجول بين شواهد قبور "جبانة القطار" التي ضاقت بموتاها مثلما ضاقت القصبة بأحيائها، فامتدت إلى أعلى، وانقسمت إلى قسمين: "الجبانة القديمة" و"الجبانة الجديدة"، وأصبح الدفن فيها حظا من الحظوظ، وآخر أمل يمكن أن يحققه أهل الميت لفقيدهم، وتحولت قسيمة فتح القبر إلى عقد ملكية يحفظ مع عقد ملكية البيت والمجوهرات والحساب البنكي، ويتوارثه الأبناء عن آبائهم. هنا يرقد شهداء ومناضلون وسياسيون معروفون وفنانون كثر أنجبهم هذا الحي.
    وباب جديد هي دار السلطان التي مازالت تخضع للترميم، هذا القصري الذي شهد حاثة المروحة كان ثكنة للانكشاريين ونقل الداي "علي خوجة" (1817-1818) مقر الحكم إليها من قصر "الجنينة" بمحاذاة جامع "كتشاوة" بأسفل القصبة، خشية أن يطيح به الإنكشاريون، مثلما فعلوا مع من قبله. كان الداي علي خوجة حاكما إصلاحيا أعلن الحرب على الفساد، فغير الموازين التي طالها التزوير وسحب صك النقود من يد اليهود الذين سيطروا على اقتصاد الإيالة.

    أحد أزقة القصبة العتيقة بالجزائر العاصمة
    "سيد علي الزواوي" مدخل القصبة من المدينة الكلونيالية
    هناك مسلك آخر إلى حي القصبة من المدينة الكلونيالية من نهاية شارع "العربي بن مهيدي" (إيزلي سابقا)، وهو الطريق المؤدي إلى "باب عزوز" الذي كان يدخل منه الآتون من فحص الجزائر شرقا أيام إيالة الجزائر.
    علينا أن نتصور هذه المنطقة خارج أسوار القصبة قبل الاحتلال، كانت عبارة عن حقول وأشجار، وأن نتصور "باب عزون" الحقيقية إحدى أبواب القصبة في حدود "مسجد بن باديس" حاليا الذي كان كنيسة في العهد الاستعمار اسمها كنيسة "القديس أوغسطين".
    هناك مسلك آخر إلى حي القصبة من المدينة الكلونيالية من نهاية شارع "العربي بن مهيدي" (إيزلي سابقا)، وهو الطريق المؤدي إلى "باب عزوز" الذي كان يدخل منه الآتون من فحص الجزائر شرقا أيام إيالة الجزائر
    في هذه المنطقة كان هناك وقف مُكوّن من زاوية ومسجد صغير ومقبرة صغيرة، كانت بها عين دافقة لا تنضب. إنها مقام الولي الصالح "سيد علي الزواوي" الذي ذكر "فراي دييغو دي هايدو"، في كتابه "طبوغرافيا الجزائر وتاريخها العام" سنة 1612، أنه توفي في سنة 1576.
    وإذا كان المؤرخون لا يذكرون الكثير عن هذا الولي الصالح، فإنّ المخيلة الشعبية نسجت عنه حكايات كانت الجدات تحكيها لأحفادها، حكاية "عابر سبيل داهمه الليل، فلجأ إلى أحد الأغوات لإيوائه، في الصباح، حين غادر بيت الأغا، كانت زوجته تتهمه بسرقة إسويرة لها، فأدركه الحرس ونفذ فيه حكم الإعدام بأن علق في خارج أسوار باب عزون.
    لكن بالليل وجد الحرس أنّ الجثة اختفت، وصوتا ينادي لست سارقا، والإسويرة في الجرة الفلانيية، حين سمع الأغا الصوت توجه إلى الجرة المعنية فوجد الإسويرة، وعلم أنه قتل الرجل ظلما، فأقام له ضريحا ومسجدا وأنشأ عينا لعابر السبيل، تكفيرا عما اقترفه من ذنب".
    وتحول الضريح إلى مزار للناس، حتى بعد أن هدم الاحتلال الفرنسي هذا المسجد والضريح، وبنى عماراته، أبقى العين داخل إحدى المحلات بين 1 شارع العربي بن مهيدي و20 شارع هنري مارتان، بقيت الناس تقصده مزارا للتبرك، وتقيم فيه طقوسها".
    وإلى أواخر السبعينات، كانت هناك شجرة تقصدها النسوة كل يوم اثنين، كما كن يفعلن منذ قرون، فيشعلن الشمع ويلطخن جذع الشجرة بالحناء، طلبا لشفاء الطفل، أو زواج البنت، أو عمل للابن، أو وفاء من الزوج.
    عادة الذي يعبُر شارع سيد علي الزواوي، إّنما هدفه أحد السوقين: سوق "لالير" (سوق بوزرينة حاليا)، وكانت سوقا للميسورين حالا، أو سوق "جامع ليهود" في أعلى شارع "عمار علي" المعروف بعلي لابوانت، أو ما يعرف لدى الدزيريين بـ "الدلاله" أو "شارع الجنرال راندون" إبان فترة الاحتلال. وهي سوق كان يرتادها الفقراء بالدرجة الأولى. "كانت فيها الرفقة" مثلما تقول عجائز دزاير.

    أحد أزقة القصبة العتيقة بالجزائر العاصمة

    هنا انتصر علي لابوانت على الجنرال راندون
    قليلون هم من لا يتذكرون لقطة علي لابوانت (واسمه الحقيقي عمار علي) في فيلم "معركة الجزائر"، وهو يتسلم مسدسا من امرأة ملتحفة، ثم يأتي خلف شرطي فرنسي في شارع "الجنرال راندون"، لكنه لا يطلق عليه النار من الخلف مثلما أمر، بل يأتي من أمامه ويصرخ أمام الناس: "شوفوا يا الخاوة، شوفوا كيفاش يترعدوا من السلاح"، قبل أن يكتشف أن المسدس فارغ، فيضربه به على الرأس ويرديه أرضا.
    شارع "عمار علي" (شارع الجنرال راندون) شارع طويل أحدثه الاحتلال الفرنسي في قلب القصبة من أجل تمكين عساكره من التحرك، فرسم حدود "الجبل" و"الوطا"، أي القصبة العليا والقصبة السفلى، وبنى على حافتيه عمارات من طراز غربي، هو شارع طويل يبدأ من ساحة "بوزرينة" (لالير) إلى غاية "سوق جامع ليهود" (ساحة الربي أبراهام بلوخ) ليرتبط بشارع "مارينغو" إلى غاية زاوية سيدي عبد الرحمن الثعالبي.
    وإلى يومنا هذا مازال شارع "عمار علي" (راندون) عصب الحياة في حي القصبة، منذ أن شقه الاحتلال في 1850.
    وحتى نهاية الثمانينات كان الحي تصطف فيه المحلات والمقاهي. كما تصطف طاولات الباعة، ويرتاده الباعة المتجولون "الدلالين" بالملابس، كان أغلبها مستعملة، وأغلبها يأتي في البواخر من أميركا.
    أماّ السلالم التي كانت تنزل من "شارع عمار القامة" "لالير"، فكانت مكانا مخصصا للحلاقين في العراء، يضعون كراسيهم الصغيرة على الدرجات ويعلقون مراياهم الصغيرة في الحائط، كانت أسعارهم زهيدة، وأغلب من يأتيهم إما من أجل حلق اللحية أو من أجل حلق الرأس كلية، ومنهم من كان يمارس الحجامة.
    وبجانبهم كان باعة بعض المراهم وبعض التركيبات العلاجية التي لا يعرف الواحد إن كانت تنفع لشيء أم لا.
    أغلب سكان حي "الجنرال راندون" إبان الاحتلال كانوا من اليهود، وأغلب الحانات بها كانت لهم، في هذا الحي ولد الفنان اليهودي ليلي بونيش (1922-2008)، ومن حانات هذا الشارع ومقاهيه كان يسمع، وهو صغير، أغاني الحوزي والعروبي بأداء شيوخ مسلمين.
    وإلى غاية سنوات السبعينات، كانت المقاهي تُنافس محلات عديدة لبيع الأسطوانات وأشرطة الكاسيت فيما بعد، هي محلات أيضا لإصلاح التلفزيون والمذياع والمسجلات، وبيع قديمها وجديدها.
    الجميل في هذه المحلات التي كانت تصدح بأغاني فناني الشعبي، كانت تضم داخلها تسجيلات الموسيقى الجزائرية من الحاج امحمد العنقا ومريزق والحسناوي وخليفي احمد والشيخ حمادة، إلى الطرب العربي من أم كلثوم والسمباطي وعبد الوهاب وأسمهان وفيروز وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ووردة، إلى آزنافور وجاك بريل وسيرج ريجياني، إلى فرقة البيتلز و"البيجيس" و"البو.ني. أم"، إلى ألفييس بريسلب وبوب مارلي وألفا بلوندي... وكل هؤلاء كان لهم مستمعوهم بين الجزائريين.

    سلالم القصبة العتيقة
    الدار امرأة لا يرى مفاتنها إلا صاحبها
    يتفاجأ الزائر لحي القصبة باللون الأبيض لبيوت القصبة، حتى أن المدينة سميت بـ "الجزائر البيضاء". كما يتفاجأ بمظهرها الخارجي البسيط، سواء كانت البناية "دار"، أي قصرا من قصورها، أو "دويرة" (تصغير لدار).
    يدرك الجزائري جيدا، بطريقة خاصة، كيف أن المرأة سكن، لذلك حين يريد الجزائريون قديما أن يقولوا "فلان تزوج" قالوا: "فلان استبيت"، و"فلان دار الدار" (أقام بيتا)، بل ومن العبارات الجميلة المضحكة أن الجزائري، قديما، لا يقول "زوجتي" أو "امرأتي" بل يقول "الدار"، فنسمعه يقول مثلا: "أديت الدار لدارهم" (أخذت زوجتي إلى بيت أهلها).
    شارع "عمار علي" (شارع الجنرال راندون) شارع طويل أحدثه الاحتلال الفرنسي في قلب القصبة من أجل تمكين عساكره من التحرك، فرسم حدود "الجبل" و"الوطا"، أي القصبة العليا والقصبة السفلى، وبنى على حافتيه عمارات من طراز غربي
    تقول الخالة بهية ردا على سؤال "الترا جزائر" لماذا يقول الدزيريون للذي تزوج "استبيت": "البيت يا ولدي ليس حيطان وسقف. يمكنك أن تشتري قصرا أو عمارة، تبقى أنت لا تملك بيتا ما لم تتزوج لتكون أسرة، لذلك فكل من تزوج عمل بيتا، لا يهم شكل البيت ولا شكل سكنك له إيجار أو ملكية. ولكن ليس كل من ملك جدرانا وسقفا عمل بيتا".
    هذه الرؤية الذكورية للمرأة لدى الرجل الجزائري انعكست على رؤيته للمعمار بشكل كبير. فالذي يرى ديار ودويرات القصبة المصبوغة بالأبيض يلمح تلك البساطة الكبيرة لشكلها الخارجي، فلا بهرجة ولا نقوش ولا ألوان، ولا نوافذ كبيرة ولا شرفات.
    لكن بمجرد أن تدخلها حتى تتفاجأ بحجم الألوان والبهرجة بداخلها من رخام وزليج ملون وخشب منقوش وزجاج ملون تنعكس عليه أشعة الشمس وحتى نافورات.
    يتعامل الجزائري في القصبة مع داره سكنه المادي مثلما يتعامل مع امرأته (داره) سكنه المعنوي، ومثلما لا يحب أن ينكشف جمال امرأته ومفاتنها وزينتها، حليها ومجوهراتها على الغريب، فيلبسها "الحايك" (لحاف أبيض تلفه المرأة الدزيرية على نفسها حين تخرج) حين خروجها.
    كذلك يفعل مع بيته من الخارج، فجعله بسيطا أبيض دون تزويق أو بهرجة، يخفي داخله كل ذلك الجمال وكل تلك المواد النفيسة، وليس غريبا أن شبه الشاعر الشعبي في الجزائر عنق المرأة بـ "البلار" (الزجاج) وصدرها بالرخام وزندها بالعاج.


  2. #2

تم تطوير موقع درر العراق بواسطة Samer

قوانين المنتديات العامة

Google+

متصفح Chrome هو الأفضل لتصفح الانترنت في الجوال