أسماء المدن في الجزائر.. ماذا تعرف عنها ؟
هل تساءلت يوماً عن القصص التي تحملها أسماء المدن الجزائرية؟، وراء كل اسم مدينة في الجزائر حكاية علاقة تربط بين الإنسان والأرض، ورغم المعاني المختلفة لمعظم هذه المناطق، استقرّ بعضها على تناغم مع الطبيعة.
تتعدّد مصادر أسماء المدن الجزائرية بين الطبيعة واللغة والتاريخ، لتشكّل فسيفساء غنية تعكس التنوع في هذا البلد
في هذا البلد الشاسع، الذي يضمّ ما يقارب 58 ولاية وعشرات المناطق التي اتخذت من طبيعة بيئتها أسماءً لها، تعكس ظروفاً معيشية للسكان ومدلولات تعود إلى حضارات تاريخية متعاقبة.
"الترا جزائر" تتّبع بعض هذه الأسماء خاصة تلك التي شهدت تحولات عبر العصور، إذ تُمثّل رحلة في عمق الذاكرة الجماعية، يكشف عن التأثيرات اللغوية والثقافية للحضارات التي مرت بهذه الأرض، ويسلط الضوء على التحولات الاجتماعية والسياسية التي شكلت هويتها.
وبين مدن حافظت على تسميتها الأصلية، وأخرى غيرته؛ يبرز السؤال عن الدلالات العميقة لتلك التغيرات وأثرها على فهمنا لتاريخ وهوية هذه الأرض.
المدن نافذة على التاريخ
في الجزائر ما يعادل 58 ولاية وعشرات المناطق التي اتخذت من طبيعة بيئتها أسماء لها، فبالرغم من اختلاف المعلومات حولها، إلا أنها تقترب من بعض الظروف المعيشية للسكان، وظلت تحمل مدلولات تعود إلى حضارات تاريخية متعاقبة، ومنها من حافظ على التسمية بينما غيّرت بعض المدن أسماءها.
تخضع تسميات المدن، لعدة عوامل منها اللغة والاستقرار والاحتلال لذا فإن الغوص في المعنى وأصل التسميات تأثر بتداخل اللغات، كاللغة الكنعانية والفينيقية والأمازيغية والعربية، فضلا عن تأثير المكان في التسمية، بسبب طبيعته الجغرافية كالتضاريس والجبال والوديان والسهول والينابيع، وأيضا الحيوانات وشخصيات وأحداث وصفات تتسم بها المنطقة.
"الياشير": ملتقى شرق وغرب الجزائر
تعتبر مدينة" اليَاشِيرْ" بولاية برج بوعريريج حلقة وصل بين شرق البلاد وغربها، هذه المدينة التي تقلبت بين عدة أوصاف، إذ تعود تسميتها إلى اللغة الكنعانية، كناية عن موقع المدينة الحصين الذي يمنع كل من تسول له نفسه باقتحامها، ويطلق عليها أيضا يَشِيرْ" أو "الأشِيرْ" وهو يؤول إلى المعنى نفسه، فيما يرى بعض الباحثين أنّها تعود للغة الأمازيغية " يِشَّرْ" وتعني المِخلب وجمعها المخالب، خاصة إن سلّمنا بما تفيده المعاجم الأمازيغية في الجزائر بأن " إيشَرْ" وجمعها" إِيشَارِنْ" وتشبه المكان الذي أطلقه عليها الأمازيغ بـ"المِخلب"، أو الأظافر لأنها تقطع كالمخلب.
"أدرار" ..الطبيعة الصحراوية
في مناطق الجنوب الجزائري الغارقة في السكون، نجد مدينة" أَدْرَارْ"، وهي تسمية أمازيغية تعني" الجبل" وجمعها " إدرارن"، وهي الجبل مستطيل ينحرف نحو الشرق والجنوب الشرقي ويحيط به من الغرب حائط صخري لما تتميز به المناطق الصحراوية من هطا الصنف من الجبال، فأطلق سكان المنطقة التسمية على مدينتهم التي تحتفظ بها ليومنا هذا.
التأثر بالطبيعة، واضح في تسميات كثيرة للمدن الجزائرية، ففي الصحراء أيضا، سميت منطقة" توات" وهو اسم أمازيغي أيضا وتعني الواحدة الغنية بالنخيل، أو حدائق النخيل.
"تلمسان": مدينة الحدائق والماء
بعض معاني تسميات المدن مازال مجهولا لدى العامة، مثل مدينة "تلمسان" (غرب) التي نالت حظ تسميات عدة منها "بُومَارْيَا" وتعني مدينة الحدائق والبساتين، ثم " تلمسان" وهي تنقسم إلى قسمين: " تلمسي" وتعني المكان الذي يستقر فيه الماء، وهي تسمية محلية.
تذكر بعض الأبحاث إلى أن "سان" تعني التلّ، بينما تفيد أيضا أنها مشتقة من الجذر لمس، وهو يعبر إلى "الماء وغزارته"، وهذا نظرا لغزارة المياه في المنطقة وتركيبة أرضيتها المشكلة من عدة طبقات من الصخور الكلسية، ثم طبقات الصلصال، ثم الطبقة الثالثة والأخيرة من الطين.
ويشير الأستاذ كريم بوساحة المتخصص في الأنثروبولوجيا، إلى أنّ أرضها تمتص المياه عند نزول المطر الغزير، وهو ما أنتج عدة عيون تصب في النهر ومنها إلى البحر.
لغويا؛ " تلمسان" كلمة أمازيغية تعني "عين الماء"، وأيضا قريبة من الكلمة الأمازيغية "تِيلْمَاسِينْ" وتعني أدوات الحرث".
ميلة.. مدينة الماء
في الشرق الجزائري أيضا تنوعت المدن التي تحمل أسماء أمازيغية، يضيف بوساحة في حديث لـ" الترا جزائر" مثل" ميلة" ولها معاني متعددة لها علاقة بالماء لأنّها مدينة غنية بالمياه، فكلمة "تِيمُويْثْ" الأمازيغية تعني" الريّ" وكلمة "ثِمُويْ" وجمعها "ثِمْوَانْ" وتعني الريان، أو ري النبات بالأرض، وكلها كلمات لها علاقة بالري والزراعة والحياة والماء هو الحياة.
الشلف .. الأنهار والتضاريس
في غرب البلاد نجد منطقة" تَاوِقْرِيتْ" بولاية الشلف، فهي أيضا تسمية أمازيغية مأخوذة من كلمة " ثَاوْرِيرْتْ" ومعناها التل أو الجبل، ومدينة " عين تيموشنت" أيضا تعني الفج بين الجبال الشامخة.
كما اتخذت بعض المدن أسماءها من الأنهار المتواجدة فيها، منها مدينة" الشّْلف" والاسم مأخوذ من التسميات القديمة لنهر الشلف، وبالعودة للمعجم الأمازيغي نجد كلمة" ثِشْلِيفْ" و" إِشْلِيفْ" وتعني ركام الثلج، وجمعها " ثِشْلِيفَنْ" و"ثِشْلِيفَانْ"، وربما أخذ نهر الشّلف تسميته من هذا المعنى لتراكم الثلوج في منبعه.
النباتات والحيوانات أيضاً
حملت عدة مدن جزائرية أسماءها من النباتات، وكنموذج عنها: "مُسْتَغَانِمْ" وهي تسمية أمازيغية من كلمة" ثِغَانِيمَنْ" وتعني القصب، وجمعها "ثِيغَانِيمِينْ"، كما نجد أيضا مدينة " آفْلُوا" وتعني بالأمازيغية "تَفْلُولاَ" أي تفتّح الزهر أو البراعم، ومنه جاءت تسمية النعناع البري بالأمازيغية" أَفْلِيُو".
واختار سكان بعض المدن تسمياتها من بيئتهم، إذ أخذت بعض تسميات مشتقة من الحيوانات، مثل مدينة" تيارت" أو " تِيهَرْتْ" وتعني بالأمازيغية " اللبؤة" وهي من المناطق التي اشتهرت بتواجد الأسود، أما مدينة" عِينْ تِيمُوشَنْتْ" وهي مأخوذة من تسمية الذئب بالأمازيغية، كمطقة ظهرت فيها الذئاب وليومنا هذا مازالت تعاني من تواجدهم.
وهناك أسماء تعود لشخصيات، مثل "برج منابل" وتعني برج الفرسان، واقتراب بعضها للغة العربية، مثل مدينة" الأغْوَاطْ" مشتقة من كلمة " غوط" وهو عمق الأرض، أو تطلق عليها أيضا الغوطة لأنها مكان يحوي الماء والنبات والشجر.
كما جابت مدينة الجزائر عدة تسميات، إذ حملت اسم "ايكُوسْيُومْ" في عهد الفينيقيين، وتعني مجموعة جزر، أو جزيرة الشوك لأنهم وجدوا صخورا كبيرة من النبات الكثيف الذي يشبه الشوك، وكلمة" إي" معناها جزيرة، و" كُوسْيُومْ" معناه الشوك".
أما تسمية الجزائر فكانت بسبب كثرة الصخور التي تقابل سواحلها المائية، وعرفت في الفترة العثمانية بـ" بَنِي مِزْغَنَة" وهم من البربر الأمازيغ ثم " تِيزِيرْتْ" وتعني الانبهار، لجمال شواطئها وخليجها، وتحولت بدخول العرب إلى جِيزِيرْتْ، ثم جَزَايْر ثم "جَزَائِرْ".
العيون ومجاري المياه
حتى العيون ومجاري المياه سيطرت على تسميات بعض المدن الجزائرية، ومنها: "عين التين" و"عين البلد" و"عين الكرشة" و"عين مليلة" و"عين البيضاء" وغيرها، وهي تسميات قصدية بناء على ما استقر من عيون جارية قرت عليها أعين، لكن هذا لم يمنع من فقدان بعض التسميات معناها أو معانيها، بنفاد جريانها، لذا على الدولة إيجاد تسميات تليق بهذه المسميات بما يجعلها علامة لغوية مُبرّرة.













رد مع اقتباس