مسجِد "سيدي إبراهيم" في غرداية.. تُحفة مِعمارية بحُلة بيضاء
في منطقة العطف جنوب غرداية بالصحراء يقبع مسجد قديم يحمِل بين جدرانه قصة فريدة تجمع بين التاريخ العريق والهندسة المعمارية المُبتكرة. يُعرف بمقام "سيدي إبراهيم"، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر الميلادي، ليصبح رمزًا للمعمار الصحراوي الذي تغلّب على قساوة البيئة.
يُجسّد المسجد مزيجًا فريدًا بين البساطة وجمال الهندسة المعمارية وكان قبل تِسعة قرون خُلوة الشيخ العلامة "سيدي إبراهيم" حيث كان يُفضل الجُلوس فيه للتعبُّد في هدوء وسكينة
بجنُوب العطف، وهي واحدة من "البنتابول"، الاسم الذي يطلقه المهندسون المعماريون على مجمع المدن الخمس المتقابلة في بني ميزاب (غرداية، بونورة، بني يزجن، مليكة، والعطف)، يقع مسجد قديم مبني بطريقة بسيطة، يكاد لا يبرز عن سطح الأرض.
يُطلق عليه السكان "المقام"، وكان يضمّ مصلى وخلوة حملت اسم صاحبها، الشيخ سيدي إبراهيم بن مناد الزناتي العطفاوي.
ينتصِب هذا المعلم غير بعيد عن جبّانة بني مرزوق، التي تضمّ قبورًا نشرت بالقُرب من مقامه الذي استقر فيه خلال القرن الثاني عشر الميلادي. ويُسميه السكان بضريح سيدي إبراهيم، غير أنّ هذه المعلمة الجنائزية كان لها دور بارز في إحياء الهندسة المعمارية العالمية، بعد ألف سنة من تشييدها، فما هي قصته؟
مسجد المقبرة
أسفل قصر "تاجنينت"، الاسم الأول لبلدة العطف، الواقعة على بُعد 7 كيلومترات شرق غرداية، يقع "مُصلّى سيدي إبراهيم". كان الوُصول إليه سهلاً للغاية، حيث رافقنا دليل "الترا جزائر"، أستاذ التربية المتقاعد توفيق بابا عمر، الذي قادنا عبر طريق صاعدة في حي تارزوق، تنتهي بانحدار إلى أرض مستوية، تتوسطها بناية ناصعة، تبرز كأنّها نتوء ساطع نبت فوق هضبة.
المسجد محاط بحائط واقٍ، تتقدمه بوابة خشبية تقود إلى ساحة، تليها أدراج تمتد نحو البوابة الرئيسية التي تفتح على قاعة الصلاة. القاعة تتخلّلها عدّة أعمدة، ويتميّز المسجد بشكله الدائري، حيث يغمر نصفه تحت الأرض، وكأنه محارة أو قوقعة. أما المستوى السفلي، فهو عبارة عن قاعة صغيرة منحوتة في الصخر على شكل تجويف.
يُعلِّق توفيق بابا عمر، قائلًا لـ "الترا جزائر": "كما تُلاحظ، هناك مستويان: الأول والسفلي، وهو نمط سائد في العمران الصحراوي والهندسة القصورية. يبني الناس المرافق الفردية والجماعية بمواد محلية عبارة عن طين مخلوط بالحجارة، فيما يغطون الأسطح بجذوع النّخيل، ويفضلون التلبيس بالملاط الأبيض أو الجير.
في الشتاء، يمكن العيش في المستوى الأول لأنّ الطقس يكون معتدلًا، أمّا في الصيف، فيُصبح المستوى الأرضي ملاذًا من القيظ، حيثُ يُوفّر البرودة". يحتوي المستوى السفلي على بيت صغير، ذي بوابة خشبية واطئة، يمكن الصعود إليها عبر ممسك حجري وفتحات تتسع لموطئ القدم، تشبه سلالم المغارات المهيأة.
يُضيف المتحدّث: "هذه خلوة الشيخ العلامة سيدي إبراهيم، المكان الذي كان يفضل الجلوس فيه للتعبد في هدوء وسكينة. الخلوة تضم تجاويف مقابلة للشمس، ما يضمن التهوية والضوء، تمامًا كما هو الحال في الكوات المستحدثة داخل الهيكل. البوابة صغيرة، شأنها شأن أغلب أبواب بيوت وادي ميزاب القديمة، إذ يفضل السكان إنجازها بهذا الشكل، حفاظًا على ثروة الخشب المقتطع من جذوع النخيل، واقتصادًا في المواد المستعملة".
تُراث عالمي لتسعة قرون
تُشير لوحة إعلانية عند مدخل المقام إلى أنّ مسجد سيدي إبراهيم، المصنّف كتراث عالمي مُنذ عام 1982، تأسس في القرن الرابع عشر الميلادي.
غير أنّ دراسات حديثة تؤكد أنه أقدم من ذلك؛ إذ يعُود للقرن الثاني عشر الميلادي، حيث أنّ الشيخ سيدي إبراهيم، الذي أقام فيه وأدار مجالس العلم لتلاميذه، وشرح تعاليم القرآن وأصول الفقه الإباضي، توفي سنة 550 هـ، الموافق لعام 1156 ميلادي.
كان الشيخ سيدي إبراهيم، المنتمي لقبيلة زناتة البربرية، شخصية بارزة في نشر وتعليم المذهب الإباضي في منطقة كانت تدين بالولاء للمذهب العقلي المعتزلي. فقد استقر بها عدد كبير من أنصار المعتزلة، الذين لا تزال مقبرتهم قائمة في منطقة الخراجة.
يبني الناس المرافق الفردية والجماعية بمواد محلية عبارة عن طين مخلوط بالحجارة، فيما يغطون الأسطح بجذوع النّخيل ويفضلون التلبيس بالملاط الأبيض أو الجير
كما لعب دورًا إصلاحيًا واجتماعيًا كبيرًا، كرّسه كواحد من كبار أعلام بني ميزاب، حسبما ورد في كتاب "سلسلة قصور غرداية"، الصادر عن ديوان حماية وادي ميزاب وترقيته بوزارة الثقافة الجزائرية، عام 2014.
رغم وفاته عام 1156 ميلادية، سيبعثُ سيدي إبراهيم من مرقده بفضل مهندس سويسري الأصل فرنسي الجنسية، يُعدّ واحدًا من أبرز مؤسسي الهندسة المعمارية الحديثة. ففي عام 1933، عاد المهندس المعماري المرموق شارل إدوار لوكوربيزييه لزيارة مدن وادي ميزاب للمرة الثانية، بعدما أتاحت له رحلة برية سابقة في عام 1931 اكتشاف حضارة عمرانية ذكية تغلّبت على قساوة الصحراء منذ عشرة قرون، وبنت حياة قارة ومنتجة في قلب الجحيم، بالاستعانة بالعناصر الأولية للطبيعة دون المساس بها، مع توظيف روحي بديع يخدم الإنسان بالدرجة الأولى.
وفي هذا الصدد، تقول المهندسة المعمارية عائشة حداد لـ "الترا جزائر": "زار لوكوربيزييه، وهو رائد التيار الحداثي في الهندسة المعمارية والتعمير، وادي ميزاب سنة 1931 فأذهله نمط الهندسة والاندماج فيما بين مكوّناتها، حيث قال في وصفها: "السكنات مصقولة تحت الشمس، والإنسان فيها حسي، وفردي وجماعي، والقمة هي المركز".
كما أتاحت له رحلته الثانية، بإلقاء نظرة علوية من طائرة صديقه دارفور، أن ينهار تمامًا أمام روعة النّسيج العمراني البديع. وقال بعد ذلك: "كشفت لنا الطائرة عن معجزة، وصفة الإتقان والمعرفة والتشريح اللامع". ثم قّرر بعد فترة من الصدمة والإعجاب والاكتشاف والتعمق صياغة نظرية الاقتراب المنهجي للمكان الذي يجمع بين الفضاء والإنسان".
كنيسة نوتردام
خلال زياراته المُتعدّدة لغرداية، عثر المهندِس على ضالته في هذا الضريح المنسِي، الذي تتجسّد براعته في بساطته وطريقة إنشائه باستخدام مواد محلية طينية وبطريقة فطرية تغلبت على هجير الصحراء ومناخها القاسي، بتكييف الهواء عبر كوات تشبه المزالق أو الشقوق السهمية، مع مراعاة العناصر الأولية للحياة من ضوء وهواء.
فيقول في كتابه "نحو عمارة عصرية" وبعظمة لسانه: "عندما تقل في رأسي أفكار البناء، أذهب إلى المسجد في غرداية حيث أجلس في ساحته لتأتيني الأفكار".
تُضيف المهندسة عائشة حداد لـ "الترا جزائر": "ارتكز تيار الحداثة المعمارية على تغيير جذري لمفهوم الفضاء السكني والعمراني الخارجي، حيث تمّ التخلي عن التنميق الزائد واستخدام مواد الترف كالرخام، وبالتالي أصبح الفضاء مكتفيًا بتحقيق وظيفة حياتية بلا زوائد، مثل الاستفادة من أشعة الشمس في الإنارة والتهوية.
ثم قام في مستهل 1955 بإنجاز كنيسة "نوتردام ديهو" في مقاطعة "رونشامب" شرق فرنسا، بأسلوب مطابق لمسجد وضريح سيدي إبراهيم بالعطف".
وتعميقًا لأشكال الاستلهام التي استوحاها المهندس من المقام في بناء الهيكل الكنسي، توضح الخبيرة الهندسية قائلة: "يظهر التطابق في نقل وإسقاط معالم المسجد على الكنيسة، عبر تقنية الشكل العضوي لأول مرة في تصاميم لوكوربيزييه.
ويتجلّى التشابه أيضًا في الخُطوط الحرة، في البناء الممتد بشكل أفقي واستغلال المساحة، في النوافذ أو الكوات الصغيرة المتركزة في الوسط والممتدة أفقيًا، وفي التخلي عن فكرة الطوابق والصعود، والواجهة البسيطة الخالية من النتوءات".
لتستنتج في الختام: "كان المهندس نحاتًا أيضًا، وبالتالي كان أقدر على إسقاط مفاهيم الهندسة على ما شاهده في غرداية، فَأصبح ما اعتبره ثمرة تفكير وجهد من أجل تغيير في نمط الهندسة، تحصيل حاصل سبقه فيه سكان غرداية بطريقة فطرية وعفوية". يبدو الأمر كما لو أنك تتدرب لسنوات على كيفية تسلق الجبال الوعرة، لتكتشف أن ما تبذله من جهد لبلوغ القمة تفعله العنزة كل يوم بطريقة يسيرة.
مسجد "سيدي إبراهيم" ..بساطة التصميم
فتح لوكوربيزييه الطريق أمام كبار المهندسين المعماريين للتعرف على ما بات يُعرف بنمط "بناءات المستحيل"، حيث يؤكد تقرير لمجلة "سيونس إي في" – العلم والحياة – خصص للمواقع العجائبية مثل البندقية، وماتشو بيتشو البيروفية، والبتراء الأردنية، أن النمط العمراني لسيدي إبراهيم وبقية العمائر الغرداوية لم يُلهم لوكوربيزييه فحسب، بل امتد إشعاعه ليشمل المهندس أندري لوفيرو مؤلف كتاب "وادي ميزاب: درس في الهندسة المعمارية"، والمُهندِس ذائع الصيت فرناند بويون، الذي صمّم أغلب الفنادق السياحية الشهيرة في الجزائر بين عامي 1966 و1980.
في غرداية، توجد جوهرة فندقية ذات هندسة بديعة تُسمى "فندق المزاب" (الرسمتيين سابقًا). يشبه هذا المركب السياحي إلى حد كبير مسجد سيدي إبراهيم الذي ألهم لوكوربيزييه. صمّمت هذه التحفة المريحة من قبل فرناند بويون، المهندس الفرنسي المناصر للثورة الجزائرية عبر شبكة جونسون، والذي فرّ من متابعات السلطات الفرنسية ليستقر بالجزائر خلال سبعينيات القرن الماضي. وقد أنجز 300 مشروع سياحي وفردي وسكنات جماعية في الجزائر.
جمع هذا المسجد بين البساطة والجمال فألهمت هندسته المعمارية كبار المهندسين العالميين من بينهم شارل إدوار لوكوربيزييه الذي استلهم منها العديد من مفاهيمه المعمارية الحديثة
في هذا الصدد، تُفيد المهندسة عائشة حداد: "هناك تطابق كبير بين العناصر العمرانية في مسجد سيدي إبراهيم بالعطف وفندق المزاب. فقد نفذ هذا المهندس، المنتمي لنفس مدرسة سلفه لوكوربيزييه، عدة مشاريع فندقية في الجزائر مستوحاة من النمط الغرداوي.
وعلى سبيل المثال: فنادق متاريس والقرن الذهبي في العاصمة وتيبازة، وكذلك سكنات جماعية في ديار الشمس وديار السعادة وديار المحصول، ومركبات الأندلسيات في وهران، والمنتزه في عنابة، والقورارة في تيميمون، وتاهات في تمنراست، وغيرها من الفنادق الجزائرية المستوحاة من التوليفة الأساسية بين الإنسان والطين وعناصر الحياة الرئيسية: الهواء والضوء. مع تكيفات ضرورية مع ألوان كل منطقة، حيث يكون الأزرق والأبيض مؤاتيان للطبيعة الساحلية، والأرجواني متأقلماً مع المدن الصحراوية. لكنها تبقى من حيث الجوهر هندسة عضوية في المقام الأول، أولت لمفهوم الاستدامة بُعدًا معيشيا طبق قبل ألف عام، وقبل أن يصبح صيحة فكرية مطلع الألفية الثالثة".
تخليدًا للتأثير الرُّوحي العابِر للزمن الذي تركه هذا المسجد في العمران الحديث، أصدرت السلطات الجزائرية قبل أعوام طابعًا بريديًا ليكون رسالة لتراث الجزائر المصدر إلى مدن العالم.












رد مع اقتباس