فيزياء الطين وميتافيزيقا اليقين: انهيار الوهم الأطلسي في المضيق والجنوب
نحن، و لا شك، نعيش في لحظات الانكشاف التاريخية الكبرى، حيث تتساقط أوهام القوة وتتلاشى المساحات الرمادية، نجد أنفسنا أمام أصفى تجليات الصراع الوجودي. إن المتأمل في مجريات الأيام الأخيرة يدرك أن المعركة لم تعد مجرد مناوشات عابرة، بل هي اصطدام جذري بين أنصار إرادة "الله"، المتجذرين في يقين الوعد والميدان، و أتباع إرادة "الشيطان" متمثلة في منظومة الاستكبار الأمريكي-الصهيوني، التي تترنح تحت ضربات معادلات جديدة تُفرض عليها بالقوة والنار.
لقد توهمت الولايات المتحدة، بآلتها العسكرية وأساطيلها، قدرتها على فرض حصار بحري على إيران وإعادة هندسة السيطرة على المضائق، لكنها اصطدمت بواقع مغاير تماماً. زمن تلقي الضربات واستجداء الدبلوماسية ولى، وأن القدرة على الردع لم تعد تُقاس بحجم الترسانة بل بإرادة استخدامها. لقد فقدت واشنطن الأمل في إحداث خرق عسكري في المضيق، وباتت الشركات الدولية تدفع بدل الخدمات لإيران وتنسق معها للعبور وفق البروتوكول الإيراني الجديد.
أما في جنوب لبنان، فقد تجلت هذه الإرادة بأبهى صورها حين حاولت آلة التوحش الصهـ.ـيونية فرض سقوف جديدة والتهديد بضرب بيروت والضاحية. هنا، لم يقف محور المقـ.ـاومة متفرجا، بل رسم خطا أحمر بالنار: أي تغول نحو العاصمة يعني حربا إقليمية مفتوحة تمتد من إيران إلى اليمن والعراق. لقد نجح بضع مئات من المقـ.ـاومين في فرض "معادلة استنزاف" قاسية على جيش الاحتـ.ـلال في المناطق الجنوبية. إسـ.ـرائيل اليوم، وفق هذه المعادلة الصارمة، تقف أمام خيارين أحلاهما مر: إما الغرق في استنزاف يومي قاتل لن يقودها إلا لانسحاب حتمي، أو التصعيد نحو حرب إقليمية تعرف أنها لا تملك مقومات النجاة منها. محاولاتها لتمرير اتفاقات سياسية لتشريع احتـ.ـلالها سقطت أمام صلابة الرفض اللبناني الذي يقوده الثنائي الشيعي.
نحن، إذن، أمام مشهد استراتيجي يُكتب بمداد جديد: لا اقتراب من اتفاقات استسلامية، ولا اندلاع لحرب شاملة فورية، بل نحن في مرحلة "حرب السقوف المنضبطة" التي تبرع فيها المقـ.ـاومة. إنها مرحلة فك الارتباط بين الوهم الأطلسي ويقين الدم المقـ.ـاوم. ولأول مرة في تاريخ هذا الصراع، تقف أطراف مقـ.ـاومة لتفرض إرادتها عسكريا على الولايات المتحدة والكيان الصهـ.ـيوني، مخيرة إياهم بين شن حرب فاشلة سلفا أو التراجع المهين.
في ختام هذه المنازلة، تتجلى حقيقة واحدة: حضارة الاستكبار، التي تبني أوهامها على التكنولوجيا والقواعد العسكرية، تتحطم على صخرة محور يقاتل بيقين الغيب وثبات الأرض. إنها مآلات حتمية لسقوط جنود إبليس، وبزوغ فجر جديد يُرسم بصلابة أتباع الحق المرابطين في كل ثغر... ﴿ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾