الحقد الأعمى
عندما اقتربتُ من مجلس العزاء في جامع القرية لتقديم التعازي والمواساة لأسرة الفقيد، لفت انتباهي المهوال الذي استقبلني بحرارة وبدأ في إلقاء أبيات شعرية تعكس معاني الكرم والجود والعطاء، مستحضراً بعض الصفات التي ورثتها عن والدي وأجدادي. لكن قبل أن يُكمل قصيدته، استوقفه أحد الحضور بجانبه وهمس له بكلمات سمعتها بوضوح:
- ابتعد عنه، فهو ليس زعيماً لقبيلته، بل يتولى هذا الدور الشيخ ابن عمه الذي يُعدّ الأكثر كفاءة لهذا المنصب.
رفعتُ يدي لتحية الحاضرين الذين كانوا يقفون بانتظام على الجانبين، ثم قمتُ بمصافحة أفراد عائلة الفقيد عند مدخل المجلس. بعد ذلك، بدأتُ أبحث بنظري في أرجاء الباحة المزدحمة عن مقعد فارغ. نهض أحد الحاضرين وعرض عليّ الجلوس في مكانه عند مقدمة المجلس. اعتذرتُ له تقديراً، لكنه أصر على موقفه، مما دفعني لقبول دعوته بكل امتنان.
طلبتُ من الجميع قراءة سورة الفاتحة وإهداء ثوابها إلى روح المرحوم، وبعد أن انتهينا، بدأ بعض الحاضرين بالتوافد لتحيتي. رددتُ عليهم باحترام قائلاً بلهجتي المحلية: مساكم الله بالخير.
كان ابن عمي، شيخ القبيلة، يجلس على الأريكة المقابلة لي على بعد بضعة أمتار، دون أن يحييني، إذ كان يرمقني بنظرات غاضبة مشبعة بالحقد والكراهية بسبب اهتمام الآخرين بي. قررتُ أن ألتزم الصمت، متجاهلًا نظراته القاسية الموجهة إليّ، بينما كنت أستمع بتأمل إلى تلاوة القرآن الكريم التي تملأ الأجواء من حولي.
لم تمضِ سوى دقائق حتى جاء القهوجي، الذي أعرفه منذ زمن، ليقدم لي القهوة. بدا عليه التوتر وكأن لديه شيئاً يريد قوله. اقترب مني وهمس بصوت خافت:
- يا حاج، كلما اقتربت من رجال ابن عمك أثناء تقديم القهوة، أسمعهم يخططون ضدك.
سألته بهدوء:
-كيف ذلك؟
فأجاب سريعاً وبصوت محمل بالقلق:
- أحيطك علماً بأنّ ابن عمك الشيخ، الذي يُضمر لك الضغينة، قد حرّض أحد الأشقياء الغرباء على النيل من هيبتك والحط من قدرك؛ متعمداً إسقاط عقالك وشماغك من رأسك أمام الملأ في قلب المأتم. ورغم تواري هذا الشخص عن الأنظار الآن، إلا أنني رأيت لزاماً عليّ تنبيهك لما يُحاك ضدك في الخفاء، لتكون على أتم الحيطة والحذر.
قابلتُ حديثه بابتسامة تخفي وراءها ألماً عميقاً في داخلي، في حين كان الرجل الجالس بجواري ينبهه إلى مخاطر نقل الأخبار التي قد تثير التفرقة والانقسام قائلاً:
- لا تشعل نار الفتنة بين أبناء القبيلة الواحدة.
أكمل القهوجي صبّ القهوة له وأردف بلهجة متحفظة:
- يا عم، لقد أنعم الله على هذا الرجل بالكثير من الخير والرزق والحكمة، ولم يقصده محتاج أو معسر إلا ومدّ له يد العون والمساعدة. وكل ذلك بفضل الله، دون أن ينتظر شكراً أو مكافأة من أحد. ما يجذب الناس للالتفاف حوله هو استحقاقه لقيادة القبيلة، على عكس ابن عمه الذي يسعى للحصول على هذه المكانة بكل الوسائل رغم افتقاره لأبسط مقوماتها.
ثم هزّ رأسه بذهولٍ، وانحنى قليلاً وهو يتمتم متسائلاً:
- لماذا يُكِنّ لك كل هذا البغض، وهو من أقرب الناس إليك؟ في حين يعلم يقيناً أنك شخص حسن الخلق، طيب المعشر، نقي القلب، ومَحلّ محبة للجميع. ولعلهم حتى أولئك الذين لا ينسجمون معك يدركون جيداً أنهم لن ينالوا منك ما يبتغون؛ فلا مواربة في حق، ولا محاباة في باطل، ولا مساومة على مبادئك الثابتة، ولن يجدوا عندك منفعة تُرجى على حساب قيمك.
اكتفيتُ بالابتسامةِ دونَ ردٍّ على سؤالِهِ. استغربَ موقفي، لكنَّهُ لم يلبثْ أن تداركَ الأمر ساخراً من كلماتِهِ التي تضمنت الإجابة بين طياتها دون أن يشعر.
هززتُ فنجاني معلناً اكتفائي، وفعل جاري مثلي. وما إن ابتعد القهوجي حتى تعالى صدى قرع الفناجين الفارغة، وهي تتراقص وتصطكّ في كفه بإيقاعٍ متسارع، كأنه يعزف لحناً يرافق تساؤلاتي الحائرة: لماذا يضمر لي ابن عمي كل هذا العداء؟ وهو يدرك تماماً أنني لا أطمح لمنافسته على الزعامة. لعلّ ما يغذّي ضغينته هو التفاف الناس حولي، ولجوؤهم إليّ لفض نزاعاتهم التي يستعصي عليه حلها دون مشورتي. في تلك اللحظة، تذكرتُ ما غرسه والداي فيّ؛ فعن أبي تعلّمت الحكمة والتروي، ومن أمي استلهمت روح العطاء وصفاء السريرة. ومع أن هذه القيم تبدو اليوم فضيلة نادرة في مجتمع تحكمه التناقضات، إلا أنها تظل بوصلتي نحو الصواب. ومع مضي الوقت، تُحاك خيوط المكيدة ضدي في الظلام. يؤلمني حقاً أن ألقى الغرباء يفتحون لي أبواب قلوبهم بحفاوة وصدق، بينما يسعى أقربائي لنصب الشراك للإيقاع بي والتخلص مني.
عندما حان وقت المغادرة، دعوتُ الجميع لإعادة قراءة سورة الفاتحة ترحماً على روح الفقيد.
غادرتُ المجلس ببطء وحذر، محاطاً بهتافات الشعراء التي تخلد ذكرى والدي وتشيد بصفاته النبيلة. تجمع حولي الحضور أثناء قيامي لمرافقتي وتوديعي.
بينما كنت أصل إلى عتبة الجامع متهيئاً للخروج، لاحظتُ وجود رجل غريب واقف بعيداً يحدق بي بحذر. قلتُ لنفسي: لعله الشخص الذي أوكل إليه تنفيذ المؤامرة، لكنه سرعان ما اقترب مني وانحنى بكل احترام واعتذار، متحدثاً بأدب جمّ:
- لقد كُلّفت بتوجيه الإساءة إليك، ولكن عندما التقت عيني بك وأمعنت النظر فيك،
أدركت على الفور أنك إنسان ذو قيمة عظيمة لا يمكنني المساس به. لقد تركت هيبتك ونقاء روحك أثراً عميقاً في قلبي، مما جعلني أمتنع عن إيذائك بأي شكل من الأشكال. إلى جانب ذلك، رأيت بوضوح كيف يلتف الناس من حولك بصدق ودفء، وشعرت بمودة قوية تسري بينكم جميعاً بروح أخوية قلّ نظيرها. لذلك أطلب منك أنْ تسامحني على حماقتي وتصرفي غير الحكيم، وأن تقبل اعتذاري بصدق، وتمنحني فرصة لتوضيح موقفي وتبرئة نفسي من أي نية للإضرار بك.
استقبلت كلماته بابتسامة هادئة ورحابة صدر، تحمل في طياتها شكراً خفياً لموقفه المفاجئ. لكن في أعماقي، شعرتُ بثقل الذكريات المؤلمة المرتبطة بابن عمي الشيخ وإخوته، الذين أطفأ الحقد بصيرتهم منذ زمن بعيد. لم أكن يوماً راغباً في محاسبتهم، أو إضاعة وقتي في لومهم؛ فما أقسى العقاب الذي تجرعوه حين رأوا مأجورهم يطأطئ رأسه أمامي، ويُقدم اعتذاره بأسفٍ يكسوه الانكسار. وقفتُ حينها شامخاً، بثقةٍ هادئة تعكس يقيني بعبث محاولاتهم اليائسة للنيل مني. أرقبهم بنظرات المنتصر الذي يترفع عن التشفي، بينما تُكلل وجهي ابتسامة وقورة لا يعرف سرها سواهم رغم حرصي على مراعاة مشاعر أهل العزاء، مدركاً أن أعظم انتصاراتي لم يكن انتقاماً دبرته، بل عنايةُ الله التي تدركني كل مرة، وتنسج من خيوط الكيد درعاً واقياً لا يضام، مُحِيلاً مكرهم إلى حطام.
((منقولة من صفحة أحد الأصدقاء يروي تجربته الشخصية)).





رد مع اقتباس