مراقبة
بنت بني عوام
تاريخ التسجيل: September-2016
الدولة: Qatif ، Al-Awamiya
الجنس: أنثى
المشاركات: 26,089 المواضيع: 9,382
صوتيات:
139
سوالف عراقية:
0
مزاجي: متفائلة
المهنة: القراءة والطيور والنباتات والعملات
أكلتي المفضلة: بحاري دجاج ،، صالونة سمك
موبايلي: Galaxy Note 20. 5G
آخر نشاط: منذ 47 دقيقة
علمتني أمي أنه فقط عندما أتقبل من أنا سأحقق المزيد في الحياة
عبارة شاهدتها وسمعتها في فيلم قصير منذ أيام، لكن المشاهدة لم تتوقف عند حدود الشاشة، بل عبرت إلى داخلي واستقرت في مكان عميق من الذاكرة. أعادتني إلى سنوات بعيدة، وإلى وجوه أحببتها، وإلى أصوات ما زالت تتردد في أذني رغم مرور العقود.
فكرت طويلاً في معنى تقبل الإنسان لنفسه، وفي سر الثقة التي تجعل بعض الناس قادرين على مواجهة الحياة مهما تعاظمت التحديات. واكتشفت أن الثقة الحقيقية لا تأتي من المال، ولا من المناصب، ولا من الشهرة، بل تأتي من معرفة الإنسان بوطنه وبجذوره، واعتزازه بهويته، وإدراكه للقيم التي تربى عليها.
فالإنسان الذي يعرف من يكون، وإلى أي وطن ينتمي، وما هي المبادئ التي تشكل شخصيته، يعيش أكثر طمأنينة واتزانًا. أما من ينفصل عن تاريخه وجذوره، فإنه يبقى في حالة بحث دائم عن نفسه مهما امتلك من أسباب النجاح.
وتبدأ هذه الرحلة من البيت
فالبيت ليس جدرانًا وسقفًا وأثاثًا فقط، بل هو المصنع الأول للشخصية الإنسانية. فيه يتعلم الطفل معنى الحب قبل أن يقرأ عنه، ويتعرف على الاحترام قبل أن يسمع تعريفه، ويشاهد الصدق والأمانة والتعاون قبل أن يدرسها في الكتب. ثم تأتي المدرسة والمجتمع لاحقًا لتضيف إلى ما بناه البيت، لكنها لا تستطيع أن تستبدل الأساس الذي وضعته الأسرة.
وفي قلب هذا البناء تقف الأم
الأم التي منحت البشرية أعظم أدوارها دون ضجيج أو ألقاب أو احتفالات. فهي أول معلمة، وأول مربية، وأول من يزرع الثقة في قلب الطفل. وهي التي ترى في ابنها مستقبلاً جميلاً حتى عندما لا يرى هو ذلك في نفسه.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تحتل الأم مكانة استثنائية في الشعر والحكمة والأدب الإنساني، وأن ترتبط صورتها بالحب والتضحية والعطاء في مختلف الثقافات والحضارات.
وأنا أتذكر أمي جيدًا، رحمها الله، (أم رزاق)، في سنوات الدراسة الأولى بمدرسة الحسين بن علي بالقطيف. كانت لها شخصية قوية وقيادية ومحبة للخير، وكان باب بيتها مفتوحًا طوال اليوم.
وفي الوقت نفسه، كانت امرأة بسيطة لم تنل حظًا كبيرًا من التعليم النظامي، ولم تدخل المدارس كما دخلنا نحن، لكنها امتلكت نوعًا آخر من المعرفة؛ معرفة الحياة.
كانت تجيد قراءة القرآن الكريم، وكانت تجلس معنا لمراجعة بعض السور القرآنية القصيرة وموضوعات المطالعة. وبين آية وأخرى، وبين جملة وأخرى، كانت تمرر إلينا دروسًا أكبر من المنهج كله.
كانت تحدثنا عن الصدق والأمانة واحترام الناس والجيران، وعن أهمية العلم، وعن قيمة الإنسان بأخلاقه قبل أي شيء آخر. ولم أكن أدرك حينها أن تلك الكلمات الصغيرة ستبقى ترافقني طوال العمر.
برنامج يومي طويل
ورغم صعوبة وقسوة الحياة في تلك الأيام، فإن أمهاتنا كن يقمن بأدوار عظيمة بكل حب وإخلاص.
كانت أمي تستيقظ قبيل الفجر بوقت، فتتهيأ للصلاة، ثم تبدأ يومها الشاق دون تذمر أو شكوى. تعد لنا ما قسمه الله لنا من طعام؛ من الحليب والصمون والخبز والبيض، ثم تبدأ في إعداد الغذاء منذ ساعات الصباح الأولى.
ولم تكن الساعة تصل إلى السابعة صباحًا إلا وكان طعام الغذاء قد أصبح جاهزًا فوق الصاجة، مغطى بفوطة نظيفة، يواصل نضجه بهدوء حتى يزداد طعمًا ونكهة.
بعد ذلك تحمل معها الملابس وبعض الأواني المنزلية وتتجه إلى عين الوارش «التوازي»، وخلفها أطفالها الصغار. هناك كانت تغسل الثياب، وتنظف المواعين، وتساعد أبناءها على الاستحمام، ثم تعود إلى المنزل لتبدأ مرحلة جديدة من العمل.
ترتب وتنظف البيت، وتجهزه لاستقبال الأسرة وقت الغذاء. وحين أتأمل تلك التفاصيل اليوم، أشعر بدهشة كبيرة من حجم الجهد الذي كانت تبذله تلك الأم كل يوم، وكأنها مؤسسة متكاملة تعمل وحدها.
لكن أجمل ما بقي في الذاكرة ليس التعب، بل الجمال.
رازقي
أتذكر جيدًا تلك اللحظات التي كانت تستعد فيها للخروج إلى مجلس الذكر. كانت ترتدي أجمل ملابسها، وتعتني بمظهرها بعناية كبيرة، وكأنها ذاهبة إلى مناسبة استثنائية.
أتذكر الرداء الأسود المشرب بالأحمر والزري المذهب، وأتذكر رائحة الورد والرازقي والياسمين. بل إنني ما زلت أحتفظ في ذاكرتي بتلك الروائح الجميلة رغم مرور أكثر من خمسة وخمسين عامًا.
كانت رائحة تشبه الطمأنينة، وكانت فخامة ذلك الزمن مختلفة تمامًا عن مفهوم الفخامة اليوم؛ فخامة قائمة على الوقار والنظافة والترتيب والذوق الرفيع والروح الجميلة.
ثم تعود قبيل المغرب لتبدأ مرحلة جديدة من الرعاية والاهتمام. تتابع أبناءها، وتتفقد دروسهم، وتجهز حقائبهم وملابسهم، وتحرص على نومهم المبكر واستعدادهم ليوم جديد.
كانت تعرف تفاصيل حياتنا أكثر مما نعرفها نحن.
واليوم أسمع أحيانًا من يصور المرأة في ذلك الزمن وكأنها كانت مجرد إنسانة منهكة أو مستعبدة، وأشعر أن هذه الصورة ليست منصفة.
نعم، كانت هناك مشقة، وكانت الحياة صعبة، لكن كانت هناك أيضًا شراكة أسرية حقيقية. كان الأب صاحب المروءة والوفاء يقوم بدوره في إعالة أسرته ورعايتها، وكانت البنات يتربين على تحمل المسؤولية والمشاركة في أعمال المنزل.
فواحدة تغسل الملابس، وأخرى تكويها، وثالثة تساعد في إعداد الطعام، ورابعة تهتم بترتيب البيت. وكان المنزل كله يعمل كخلية نحل متعاونة.
ولذلك استطاعت الأم أن تجد وقتًا لنفسها أيضًا. كانت تهتم بمظهرها، وتزور قريباتها، وتحضر المناسبات الاجتماعية والدينية، وتحافظ على حضورها ومكانتها في المجتمع.
ولعل أجمل ما قدمته أمهات ذلك الجيل هو أنهن ربين أبناءهن على قيم لا تشيخ. علمونا تحمل المسؤولية، وأن العلم هو الطريق إلى التقدم، وعلمونا أن الأخلاق تسبق الشهادات، وعلمونا أن احترام الناس لا يقل أهمية عن احترام النفس، وعلمونا أن الإنسان لا يقاس بما يملك، بل بما يقدم.
ولهذا فإن كثيرًا من أبناء ذلك الجيل ما زالوا يحملون في داخلهم شيئًا من تلك التربية، وشيئًا من تلك القيم، وشيئًا من تلك الروح الجميلة التي صنعتها الأمهات.
قلوب مطمئنة
رحم الله أمي، ورحم الله أمهاتنا وأمهاتكم جميعًا. رحم تلك الأجساد والأيادي التي تعبت من أجلنا، ورحم تلك القلوب التي منحتنا الحب دون مقابل، ورحم تلك النساء اللاتي صنعن أجيالاً كاملة دون أن ينتظرن شكرًا أو تكريمًا.
فإذا كانت الأوطان تُبنى بالحجارة، فإن الإنسان يُبنى بالقيم. وإذا كانت المدارس تعلم العلوم، فإن الأمهات يعلمن الحياة.
وإذا سألني أحدهم يومًا عن أول وطن عرفته، فلن أتردد في الجواب:
كانت أمي أول وطن سكن القلب، وما زال.