عاشوراء… لماذا لم يتحوّل العالم الإسلامي إلى مجتمع تسوده العدالة؟
منذ مقتل الإمام الحسين وحتى اليوم ما يقرب من ألف وأربعمائة سنة، وفي كل عام يتجدد العزاء وتقام المجالس الحسينية بهذه الفاجعة الأليمة، ونجد الكثير من المجالس تتكلم عن القيم والمبادئ التي ثار لأجلها الإمام ، ونرى ونسمع من يردد قول الإمام «خرجت لطلب الإصلاح».. والسؤال هو: لماذا لم يتغير في المجتمعات الإسلامية شيء ولم يزول الظلم ويسود العدل بعد؟ وهل نحتاج لمزيد من عشرات أو مئات السنين حتى يتحقق ذلك؟ أو أن العقدة في مكان آخر؟
لا شك أنّ السؤال عميق، وهو في الحقيقة من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح في موسم عاشوراء. فإجابتي عليه لا تعني الحقيقة المطلقة، وإنّما هي إجابة أسأل الله أن تكون صائبة ولعل مَنْ فيكم لديه إجابة أخرى.
أقول والله المستعان:
الجواب يبدأ من فهم طبيعة مشروع الإمام الحسين نفسه. فالإمام الحسين لم يخرج ليُنتج إصلاحًا قسريًا أو تغييرًا آليًا، وإنّما خرج ليوقظ الوعي. فالإنسان لا يُصلَح بالقوة، بل بالاختيار. ولهذا لم يكن هدف النهضة الحسينية أن تنتهي كل مظاهر الظلم بمجرد وقوعها، بل أن تبقى منارةً تكشف للناس طريق الحق من طريق الباطل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، فالقرآن الكريم يربط التغيير الخارجي بالتغيير الداخلي. ومن هنا يمكن القول إنّ عاشوراء قدّمت المنهج، أمّا التطبيق فموكول إلى الناس.

إذًا المشكلة ليست في نقص المجالس أو كثرتها، بل في الفجوة بين الاستماع والتطبيق. فكثيرون يحضرون المجالس ويبكون على الإمام الحسين ، لكنّهم لا يحاسبون أنفسهم على الظلم الذي قد يمارسونه في بيوتهم أو أعمالهم أو علاقاتهم الاجتماعية. وكأنّ عاشوراء تحوّلت عند البعض إلى حالة عاطفية أكثر منها مشروعًا إصلاحيًا. كما أنّ الظلم الذي تتحدث عنه لا يقتصر على الشيعة وحدهم، فالمسلمون مدارس ومذاهب، بل حتى غير المسلمين مشمولون بهذا الظلم.
نعم ليس المطلوب من الشيعة مجرد إعلان الولاء، بل تجسيد القيم في السلوك، فقد ورد عن الإمام الصادق : ”كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم“.
من هنا يمكن القول إنّ العقدة ليست في الزمن. فليس من الضروري أن نحتاج إلى مئة سنة أخرى أو ألف سنة أخرى. فالتاريخ يعلّمنا أنّ التغيير الحقيقي لا يقاس بعدد السنين، بل بمقدار الوعي الذي يتحوّل إلى عمل.
لقد مضت قرون على نزول القرآن الكريم، ومع ذلك ما زالت المعاصي موجودة. فهل يعني ذلك أنّ القرآن الكريم لم ينجح والعياذ بالله؟ بالطبع لا. بل يعني أنّ الهداية موجودة، لكنّ الاستجابة لها متفاوتة.
الأمر نفسه ينطبق على عاشوراء. فالإمام الحسين نجح في إيصال الرسالة، لكنّ السؤال الذي يتجدد كل عام هو: هل نجحنا نحن في استقبالها؟
ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم هو أن تتحوّل المجالس الحسينية إلى وسيلة لتمجيد الإصلاح بدل ممارسته، وإلى الحديث عن الظالمين في التاريخ بدل مواجهة الظلم في الواقع، وإلى البكاء على المظلومين دون نصرة المظلومين.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا لم يختفِ الظلم بعد ألف وأربعمائة سنة؟
بل ربما ينبغي أن يكون: كم شخصًا خرج من مجلس الإمام الحسين وقد غيّر نفسه فعلًا؟
فإذا تحوّلت عاشوراء من ذكرى تُستعاد إلى وعيٍ يُمارس، فإنّ الإصلاح الذي خرج لأجله الإمام الحسين يبدأ بالتحقق في الفرد، ثم في الأسرة، ثم في المجتمع. أمّا إذا بقيت القيم حبيسة المنابر والشعارات، فلن يغيّر مرور القرون شيئًا، لأنّ المشكلة لن تكون في الرسالة، وإنّما في مدى استعداد الناس لتحويلها إلى واقعٍ معاش