من أين تهب رياح الحنين يا هند؟


أنا لا أعلم،
ولكن أشعر بأن المرء قد يحنّ حتى لأشياء لم يعرفها من قبل.

لذا أحنّ إلى مضارب البدو، وأجد خيالي يقف كثيراً عند أطناب خيامهم،
أتخيل شعور الرمل وهو ينداح تحت أقدامي العارية، وأن أقبض حفنة من تلك الرمال بيدي فتصبح ذهباً،

أن أنصت إلى حوافر الخيل وهي تجمح نحو مرابطها في زهو لا يُكبح.
إلى صوت الدلة وهي تغلي على جمر الكرماء.
إلى صوت الريح التي تحرّك كل شيء، حتى أغصان الشوق في صدري.

وأتأمل في تلك الحبال المشدودة إلى الأوتاد، فلا تبدو لي مشدودة لأركان الخيمة فقط، بل كأنها تشدّ الذاكرة إلى الأرض.

كنت أريد أن ألتقيك عند إحدى آبارهم التي تغرغر في صدور الصحراء اللاهبة،
"على نبع المي "

أن أحمل جرة مليئة برحيق الشعر والحكايات المسكوبة ، وأسقيك من زمزمها شربة لا تظمأ بعدها أبداً
.
وأن تراني هناك، في وضح الحقيقة وضحى اليقين.
تخيّل أن أكون ابنة الصحراء وسليلة ملوك البادية،

ولم أشعل النار من قبل، ولا أعلم إن كنت أستطيع ذلك أصلاً.
أنا امرأة تعيش في هودج الحداثة ، تجلس على أرائك الصوفا الناعمة، وتتكئ على سواعد الزان المصقول،

وذراعاي تخلوان من تلك الندوب التي تبدو كأوسمة على أذرع النسوة هناك.

أردت أن تفوح مني رائحة الحطب، كما تفوح هذه العطور الباريسية الذائعة،

وأن أنصت لهزيج الرعاة العائدين عند الغروب برفقة ظلالهم، وأن تلوّن الشمس ملامحي بلون الذهب والحنطة.

هناك… في ذلك المدى البعيد، يبدو كل شيء كما أريد.
أو لعلّي أراه كذلك، لأنني امرأة مسكونة بالحنين.

هند الحسن