السياحة في هولندا بعيدا عن أمستردام



حين تطأ قدم الزائر أرض هولندا، كثيرا ما تتجه الأنظار إلى أمستردام العاصمة، المدينة المتوهجة والشهيرة بالقنوات المائية.
إلا أن خلف هذا البريق المألوف، تنسج مدن هولندا الصغيرة خيوط تجربة أكثر صفاء وعمقا.
مدن تنبض بالحياة الهادئة، وتفوح منها رائحة الطبيعة والزهور، وتناسب أولئك الذين ينشدون السكينة.
هارلم توأم أمستردام
تُعد هارلم واحدة من أكثر المدن تميزا في طابعها، فهي تشبه أمستردام في ملامحها المعمارية وقنواتها المائية، لكنها تختلف عنها اختلافا جوهريا في الإيقاع والجو العام.
بينما تضج أمستردام بالزحام والصخب السياحي، تنعم هارلم بهدوء أنيق يجعلها مثالية لمن ينشدون تجربة أكثر رصانة ودفئا.
إنها مدينة لا تستعرض جمالها، بل تهمس به في الأزقة، وترويه ببطء في المقاهي القديمة وأسواق الزهور العطرة.
من أبرز معالم المدينة متحف "فرانس هالس" (Frans Hals Museum)، المكرس لأعمال الفنان الهولندي البارز، ويجمع بين الفن الكلاسيكي والمعاصر داخل قصر تاريخي (سعر التذكرة قرابة 16 يورو).


ويمكن لمحبي العمارة زيارة كاتدرائية "سانت بافو" (Grote Kerk)، التي تزين ساحة السوق الكبرى، وتضم أحد أعظم أجهزة الأرغن في أوروبا، وقد عزف عليه الموسيقار النمساوي الشهير فولفغانغ أماديوس موزارت.
تجربة العائلة في هارلم لا تكتمل دون جولة نهرية هادئة عبر قنواتها، بتكلفة تتراوح بين 12 و15 يورو للفرد، مروارا بحديقة النباتات الهادئة (Hortus Botanicus) التي تفتح أبوابها مقابل 8 يوروهات، وتأخذ الزائر في رحلة بين زهور نادرة وأشجار قديمة تهمس بحكاياتها.
أما التسوق، فهارلم تعتبر واحدة من أفضل وجهات التسوق في هولندا، بفضل الشوارع الذهبية (Gouden Straatjes)، والتي تزخر بمحلات الأزياء الراقية والبوتيكات المحلية.
إعلان
تبعد هارلم عن أمستردام نحو 25 كلم، زمن الرحلة 25 دقيقة، وتتوفر خدمات الفنادق، ومواقف متعددة الطوابق وسط المدينة (تسعيرتها بين 18 و22 يورو لليوم).
أوتريخت أقدم المدن
وسط هولندا تتربع مدينة أوتريخت كمدينة تجمع بين عمق التاريخ وإيقاع الحياة الحديثة، وهي من أقدم مدن البلاد وأكثرها روحا.


ما يميز أوتريخت عن غيرها هو تخطيط قنواتها الفريد، حيث تنخفض الأرصفة إلى مستوى الماء، فتتحول إلى شرفات للمقاهي والمطاعم، مما يمنحها طابعا حميميا لا مثيل له في أي مدينة هولندية أخرى.
يعلو المدينة برج "دوم تاور" الشهير بارتفاعه البالغ 112 مترا، وهو أعلى برج كنيسة في البلاد، ويمكن تسلقه لقاء 15 يورو لمشاهدة مشهد بانورامي خلاب يمتد حتى الأفق.
معالم المدينة
وللأطفال والعائلات، تحتضن المدينة متحف السكك الحديدية، أحد أكثر المتاحف تفاعلية في أوروبا، حيث يُعاد بناء محطات وقطارات قديمة داخل قاعات العرض.
تُعرف أوتريخت أيضا بجامعتها العريقة "جامعة أوتريخت"، التي تضفي على المدينة طابعا شبابيا نابضا بالحياة.
يمكن زيارة متحف سبي أوكلو (Speelklok)، المخصص لآلات الموسيقى الميكانيكية من صناديق الموسيقى إلى الأرغن الضخم (تذكرة الدخول 14 يورو).


ولا تفوت تجربة التجول في حي المتاحف (Museumkwartier)، حيث تتقاطع الشوارع القديمة مع المعارض الفنية المستقلة والمكتبات الثقافية، بينما تقدم المقاهي الأدبية مشروبات دافئة وسط أجواء هادئة.
تبعد أوترخيت مسافة 45 كلم عن العاصمة أمستردام، ويمكن الوصول إليها بسيارة مستأجرة، أو عن طريق المطار، كما تتوفر مواقف تحت الأرض للسيارات وسط المدنية برسوم تتراوح بين 15 و20 يورو لليوم.
ليسه قرية الزهور
على بعد حوالي 40 كيلومترا جنوب غرب أمستردام، تقع قرية ليسه، وهي واحدة من أروع الوجهات الريفية في هولندا، والتي تتحول كل ربيع إلى لوحة من الزهور لا مثيل لها في العالم.


تُعرف ليسه بأنها موطن حديقة كيوكينهوف (Keukenhof)، أكبر حديقة زهور في أوروبا، حيث تتفتح أكثر من 7 ملايين زهرة على امتداد 32 هكتارا من الألوان المبهرة.
لكن ما يميز ليسه لا يقتصر على الحديقة فحسب، بل يمتد إلى الحقول المفتوحة المحيطة، التي تتماوج بالأحمر والأرجواني والأصفر في مشهد يخطف الأنفاس، ويمكن استكشافه بالدراجة الهوائية أو حتى بالمروحيات الصغيرة لمن يبحث عن تجربة استثنائية.
الطابع الهولندي
رغم صغرها، تحتفظ القرية بطابع هولندي دافئ: منازل خشبية، مقاه محلية، ومزارع عائلية تفتح أبوابها للزوار في موسم التوليب (منتصف مارس/آذار حتى منتصف مايو/أيار).
سعر تذكرة الدخول إلى كيوكينهوف يبلغ نحو 19 يورو للبالغين، ويمكن استئجار دراجة من خارج الحديقة بحوالي 12 يورو في اليوم لاكتشاف الحقول المجاورة.


ما يجعل ليسه فريدة هو التناغم بين الهدوء الريفي والانفجار البصري الذي يحيي كل ركن من أركانها. إنها الوجهة المثالية للمصورين، والعائلات، وكل من يبحث عن هولندا في أجمل تجلياتها، ويمكن الوصول إليها عن طريق السيارة.
إعلان
وهناك تتوفر المطاعم الريفية وسط الحقول، حيث تناول وجبة تقليدية يحتاج ما بين 18 إلى 25 يورو، وتوجد بيوت ضيافة ريفية أو فندق صغير. بجانب توفر مواقف سيارات مجانية قرب كيوكينهوف خلال موسم الزهور.
النقل الهولندي دقة وسلاسة
تشتهر هولندا بشبكة قطارات منظمة وموثوقة، ما يجعل التنقل بين مدنها سهلا حتى دون الحاجة لسيارة. ويمكن الوصول من أمستردام إلى هارلم في نحو 15 دقيقة فقط، بتكلفة تقارب 5 يوروهات.
كما يمكن السفر من هارلم إلى أوتريخت في حوالي 50 دقيقة، مع تبديل قطار واحد، بتكلفة تقارب 10–12 يورو. أما الوصول إلى قرية ليسه، فيتطلب ركوب القطار حتى محطة ساسنهايم (Sassenheim) القريبة، ثم استخدام الحافلة أو الدراجة لاستكمال الرحلة.


كما يُنصح بشراء بطاقة النقل الذكية OV-chipkaart، التي تتيح استخداما مرنا ومخفضا للتنقل عبر القطارات، الترام والحافلات في جميع أنحاء البلاد، مع إمكانية تعبئتها بسهولة عبر ماكينات في المحطات أو التطبيقات.
أفضل وقت للزيارة
تتزين هولندا بأزهار التوليب من أبريل/نيسان حتى أوائل مايو/أيار، معلنة انطلاق موسم الربيع المبهج بألوانه الزاهية ونسائمه العطرة، حيث تتراوح درجات الحرارة بين 10 و17 درجة مئوية، مع أوقات مشمسة متقطعة وأمطار خفيفة متوقعة.


أما فصل الصيف، من يونيو/حزيران حتى أغسطس/آب، فيُعد الذروة السياحية؛ تقدم فيه البلاد طقسا معتدلا لطيفا بمتوسط حرارة بين 18 و25 درجة مئوية، مع سطوع للشمس يصل 6–8 ساعات يوميا وغيوم متناثرة في الغالب، مما يجعل الأجواء مثالية للتجول بين المدن والقنوات والمهرجانات المفتوحة.
ثم يأتي سبتمبر/أيلول بطقس خريفي مائل للدفء، بدرجات حرارة تتراوح بين 15 و20 درجة، مع هدوء نسبي في حركة السياح وألوان خريفية ساحرة تكسو الأشجار والشوارع.

المصدر: الجزيرة