في أعقاب التوقيع على مذكرة التفاهم الأخيرة التي أرست معادلات جديدة في المنطقة، أُصيبت الماكينة الإعلامية المضادة والمتربصة بحالة من "الصدمة والإنكار". فبعد أن بُرمجت العقول على مدى أسابيع لتقبل سردية "إيران المنهزمة التي على شفا السقوط"، جاءت المذكرة لتصفع هذا الخطاب الواهم، وتثبت قدرة طهران على فرض شروطها بندية تامة. وأمام هذا الإنجاز الساطع العسكري والدبلوماسي، لم يجد مروجو الهزيمة بُداً من القفز نحو سردية جديدة، ظاهرها الحرص وباطنها الشيطنة: "لماذا شمل الاتفاق لبنان وتجاهل غـ.ـزة؟ وهل تخلت إيران عن حلفائها السُّنة؟".
الادعاء بأن غـ.ـزة لم تُشمل في الاتفاق هو قراءة قاصرة أو، بالأحرى، "عمى مقصود". لقد جاءت هذه المذكرة لإنهاء حرب الـ 39 يوماً بين أطرافها المباشرين، لكن العبقرية التفاوضية الإيرانية وسّعت المظلة لتشمل بوضوح مصطلحين لا يقبلان التأويل: "حلفاء إيران" و"وقف الحرب في كافة الجبهات". غـ.ـزة ليست مجرد ساحة، بل هي قلب هذه الجبهات، والمقـ.ـاومة فيها هي رأس حربة الحلفاء. وبالتالي، فإن أي تصعيد صـ.ـهيوني في غـ.ـزة هو نقض مباشر للمذكرة، يستوجب رداً إيرانياً حاسماً. المذكرة لم تترك غـ.ـزة، بل حصنتها بمعادلة إقليمية شاملة.
لقد ولّت أيام "الصبر الاستراتيجي" التي كانت تُمني واشنطن وتل أبيب بتمرير ضرباتها وتصعيدها ضد محور المقـ.ـاومة دون حساب. ما فرضته هذه الحرب هو انتقال طهران، وبلا رجعة، إلى عقيدة "التماثل الاستراتيجي". لقد أثبتت الضربات الدقيقة التي أعطبت أكثر من 220 أصلاً عسكرياً أمريكياً في المنطقة —باعتراف الإعلام الغربي نفسه— أن إيران لم تعد تقبع في زاوية "رد الفعل"، بل بادرت لسحب "المبادرة الزمنية والجغرافية" من يد أعدائها. أي مساس بحلفاء إيران، وفي مقدمتهم غـ.ـزة، سيُرد عليه فوراً وفق سقف ناري لا طاقة للاستكبار بتحمله.
لكن لماذا يُعاد إحياء الخطاب الطائفي الميت في هذه اللحظة بالذات؟ الإجابة تكمن في عقدة النقص والإحراج التاريخي:
أولا هو ستر عورة المتخاذلين: إن وقوف دولة إقليمية متوسطة لمواجهة قوتين نوويتين (أمريكا والكيان الصهـ.ـيوني)، وإيلامهما، ثم إجبارهما على التوقيع على تنازلات استراتيجية، هو مشهد يفضح عجز الأنظمة التي اكتفت بالتنديد، أو تلك التي تورطت فعلياً في حصار غـ.ـزة وإسناد جلادها. شيطنة إنجاز إيران هو محاولة بائسة لرفع الحرج عن "ثقافة الانبطاح" ورواد التطبيع.
ثانيا كونها محاولة يائسة لاختراق المحور: يُراد من هذا الخطاب الطائفي المقيت ("إيران الشيعية تترك غـ.ـزة السنية") دق إسفين داخل محور المقـ.ـاومة. لكن قادة المقـ.ـاومة وشعوبها —في غـ.ـزة ولبنان واليمن وغيرها— الذين خبروا الدعم الإيراني بالدم والسـ.ـلاح والمال لعقود، يدركون سذاجة هذا الطرح، ويعلمون أن التحالفات هنا مصيرية لا تهزها ترهات الإعلام.
خلاصة القول، إن السرديات الإعلامية تُبنى لتزييف الوعي وصناعة هزائم نفسية تُمهد لتراجعات استراتيجية. غزة لم تُترك ولن تُترك، بل تم تتويج صمودها الأسطوري باتفاق إقليمي يغلّ يد الجلاد ويحمي الساحات. أما أولئك الذين يحاولون تغطية شمس الانتصار الساطع بغربال الطائفية البالي، فلا بواكي لهم سوى خيباتهم المتراكمة وعجزهم الذي فضحه الميدان.
![]()





