مشهد لا يُمحى من ذاكرة الطف..
حين سقط قمر بني هاشم على ضفاف الفرات
جلس الحسين (ع) عند جسد العباس (ع)،
احتضن رأسه الذي سال عليه ماء العلقمي ممزوجاً بالدم.
مسح التراب عن وجهه، ووضع الرأس في حجره، وهمس بقلبٍ مكسور:
"أخي... عباس... افتح عينيك، هذا أنا..."
لكن العباس أزاح رأسه عن حجر الحسين، ببطءٍ لا يُرى وأعاده إلى التراب،
فنظر إليه الحسين بدهشة ووجع وسأله:
"لِمَ يا أخي؟ لِمَ تبعد رأسك عن حجري؟"
فأجابه العباس بشفاه مرتجفة:
"أخي، ستمتلئ الأرض بجثثنا بعد قليل...
وقد لا تجد من يضع رأسك في حجره،
فكيف أريح رأسي في حضنك
وأنا أعلم أنك لن تجد من يضع رأسك في حجره بعدي"
شهق الحسين ولم يُجب، ووضع جبينه على صدر العباس،
لحظةٌ خرسَ فيها كل شيءٍ إلا النبض المكسور.
بعدها أراد الحسين (ع) أن يحمله نحو الخيام...
لكن العباس تمسك بالأرض، وأزاح جسده عن يد الحسين بخجل،
وقال بصوت خافت:
"أخي... أرجوك.. لا تحملني... فأنا أستحي أن أعود إلى المخيم
وقد وعدت الأطفال وسكينة بالماء وها أنا لم أستطع الوفاء لهم بالوعد
كيف أنظر في وجه زينب؟ بأي يد سأرد السلام؟
دعني هنا، فهذا موطني الأخير."
حينها وقف الحسين، لا يدري أيمضي أم يبقى،
كأن الأرض تبتلعه من الأسى،
وكان العباس، حتى في موته... كان أكبر من الحياة.
..





رد مع اقتباس

