لم يكن حكم يزيد بن معاوية مرحلة سياسية عابرة ولكن شكلت فترته الوجيزة في الحكم زلزالاً هز أركان الأمة الإسلامية.
إن استقراء النصوص التاريخية الموثقة يكشف عن نهجٍ سلطويٍّ قام على إراقة دماء آل البيت وانتهاك الحرمات وتجاوز حدود الشريعة مما جعل من شخصيته رمزاً للاستبداد والفساد في الذاكرة الإسلامية.
أولاً:جريمة كربلاء التصفية الممنهجة للمبدأ:
تعتبر واقعة كربلاء عام 61 هـ الجريمة الأبشع في التاريخ الإسلامي.
لقد كشفت المصادر عن تصميمٍ أمويٍّ بقيادة يزيد على استئصال وجود الحسين (عليه السلام).
يورد ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" تفاصيل تلك المجزرة التي لم تراعِ قرابة الرسول (ص) ولا قدسية الدماء، مؤكداً أن يزيد هو المسؤول الأول عن توجيه ولاة الكوفة الذين نفذوا هذا العدوان الغاشم.
إن تصوير رأس الحسين (عليه السلام) وسبايا آل الرسول في دمشق يمثل ذروة التجبر الذي سلكه هذا الطاغية في تعامله مع عترة النبي.
ثانياً: استباحة المدينة (واقعة الحرة) - تدمير المقدس
لم يكتفِ يزيد بدم الحسين وانما امتد طغيانه ليطال مدينة رسول الله (ص).
لقد وثق الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" فظائع جيش يزيد في واقعة الحرة حيث أباحوا المدينة لثلاثة أيام قُتلت فيها خيار الصحابة والتابعين وهُتكت الأعراض.
هذا الفعل يُعد خروجاً صريحاً على كل القيم والأعراف وهو ما دفع الكثير من العلماء قديماً وحديثاً إلى البراءة من يزيد ونهجه.
ثالثاً: ضرب الكعبة بالمجانيق - العداء لله ولرسوله
إن إقدام قوات يزيد على ضرب الكعبة المشرفة بالمنجنيق في مكة المكرمة يكشف عن حقيقة الجموح السلطوي الذي لم يتورع عن انتهاك أقدس مقدسات المسلمين.
لقد سجل ابن كثير في "البداية والنهاية" تفاصيل هذا الاعتداء الذي أدى إلى حريق الكعبة وهو ما يفسر السخط العارم الذي ملأ صدور المسلمين تجاه حكمه والذي تجسد في انتفاضات واسعة شملت أنحاء الدولة الإسلامية.
رابعاً: فساد السيرة والمجاهرة بالمنكر
لقد تجاوز يزيد في نظر المؤرخين كل معايير العدالة المطلوبة في الحاكم.
إن شهادات العلماء مثل ابن الجوزي الذي أفرد مؤلفاً في ذم يزيد والبراءة منه تؤكد أن سيرته كانت مليئة بالمعاصي والمجاهرة بالمنكر مما أخرجه من دائرة "الخلافة" بمعناها الشرعي والأخلاقي وجعله حاكماً جائراً بامتياز.
يذكر الذهبي في ترجمته بوضوح صفاتٍ تجعل من التمسك بشرعيته أمراً مستحيلاً أمام الحقائق التاريخية الدامغة.
نقلت المصادر التاريخية المعتمدة إجماعاً على أن يزيد كان ميالاً إلى حياة الترف واللذة، بل والمجاهرة بما لا يليق بمن يتولى أمر المسلمين. يذكر الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (ج 4، ص 37) بوضوح لا لبس فيه: "كان ناصبياً، فظاً، غليظاً، متناولاً للمسكر، وراعية للدولة الأموية". هذا الوصف الذي أطلقه الذهبي، وهو أحد أئمة الجرح والتعديل، يعد شهادة دامغة على سلوكه الشخصي الذي لم يكن خافياً على معاصريه.
يؤكد المؤرخون أن دار الخلافة في عهده تحولت في نظر كثير من المسلمين إلى مجالس للموسيقى واللهو. يورد ابن الأثير في "الكامل في التاريخ" (ج 3، ص 310) إشارات متكررة إلى شغفه باقتناء القيان (المغنيات) وتضييع أوقات الصلاة في مجالس اللهو، مما تسبب في شرخ عميق بينه وبين أهل الورع والتقوى من الصحابة والتابعين.
إن التاريخ لا يرحم ويزيد بن معاوية قدم من خلال أفعاله الدليل القاطع على طغيانه. إن المسؤولية التاريخية تحتم علينا تبيان الحقيقة، وتوثيق هذه الانحرافات لتبقى دروساً للأجيال، تفرق بين الحق الذي مثله آل البيت وبين الباطل الذي تجسد في عهد يزيد.
المصادر:
- ابن الأثير، "الكامل في التاريخ"، (المجلد الثالث)، دار صادر.
- شمس الدين الذهبي، "سير أعلام النبلاء"، (الترجمة رقم 65)، مؤسسة الرسالة.
- ابن كثير، "البداية والنهاية"، (المجلد الثامن)، مكتبة المعارف.
- ابن الجوزي، "الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد"، (دراسة وتحقيق).







رد مع اقتباس