مقدمة
تُعدّ واقعة الطف من أعظم المصائب في التاريخ الإسلامي، وما زالت تفاصيلها تثير القلوب وتدمي العيون. ومن أفظع الجرائم التي ارتُكبت في ذلك اليوم المشؤوم (جريمة قتل عبد الله الرضيع (عليه السلام))، الطفل الذي لم يتجاوز عمره الستة أشهر، والذي أُريق دمه الطاهر بسهم غادر وهو في حضن أبيه الإمام الحسين (عليه السلام). وفي هذا البحث، نستعرض بتفصيل دقيق هوية الجاني (حرملة بن كاهل الأسدي)، وتفاصيل الجريمة البشعة، ومصير هذا القاتل اللعين كما ورد في المصادر الشيعية المعتبرة.
أولاً: من هو حرملة بن كاهل الأسدي؟
1. نسبه
ينتمي حرملة إلى قبيلة (بني أسد)، ويُقال له "حرملة بن كاهل الأسدي الوالبي". وقد ذكرت المصادر التاريخية أنه كان (عبداً لبني أسد) وتربى في كنفهم، وتُشير بعض المصادر إلى أن اسمه الحقيقي كان "حرملة بن كاهن" غير أنه نسب إلى بني أسد باعتبارهم سادته، حسب عادة العرب في نسبة العبد لسيده.
2. موقعه في النصوص الشيعية
ورد اسم حرملة ملعوناً في (زيارة الناحية المقدسة) المنسوبة للإمام المهدي (عجل الله فرجه)، حيث جاء فيها: «السلام على عبد الله بن الحسين، الطفل الرضيع، المرمي الصريع، المتشحط دماً، المصعد دمه في السماء، المذبوح بالسهم في حجر أبيه، لعن الله راميه حرملة بن كاهل الأسدي وذويه».
ثانياً: جريمة قتل عبد الله الرضيع - تفاصيلها ومصادرها
1. التعريف بالشهيد عبد الله الرضيع (عليه السلام)
عبد الله بن الحسين (عليه السلام)، المعروف بـ (عبد الله الرضيع) أو (علي الأصغر)، هو ابن الإمام الحسين من السيدة (الرباب بنت امرئ القيس). كان عمره حوالي (ستة أشهر) حين استُشهد في كربلاء، وهو أصغر شهداء الطف سناً.
2. مشهد الخروج به للاستسقاء
بعد ثلاثة أيام من الحصار ومنع الماء، جف لبن أمه الرباب، وأصبح الطفل يتلوى من شدة العطش، يلوك لسانه كأنه حطبة يابسة. فخرج به الإمام الحسين (عليه السلام) من الخيمة، ورفع الطفل بين يديه حتى بان بياض إبطيه، وناشد جيش عمر بن سعد قائلاً:
«يا قوم، إن كان ذنبٌ للكبار، فما ذنب هذا الطفل الصغير؟ أنظروا إليه كيف يتلظى عطشاً من غير ذنب، فإسقوه شربة من الماء».
خشي عمر بن سعد من تأثير هذا المشهد على جيشه، فالتفت إلى راميه (حرملة بن كاهل) وصاح به: «يا حرملة، إقطع نزاع القوم».
3. لحظة الرمية الغادرة
وضع حرملة سهماً مسموماً (مثلث الشعب) في قوسه، وسدده نحو الطفل الرضيع. وبينما كان الإمام الحسين (عليه السلام) يقبل طفله، انطلق السهم المشؤوم ليستقر في نحر الطفل، فيذبحه من الوريد إلى الوريد. اختلج الطفل وتوقف عن الحياة فوراً، وهو لا يزال في حضن أبيه.
4. مشهد الحسين (عليه السلام) بعد الجريمة
روى أصحاب المقاتل أن الإمام الحسين (عليه السلام) وضع يده تحت نحر ابنه الرضيع حتى امتلأت كفه دماً، ثم رمى بها نحو السماء قائلاً:
«هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ، اللهم لا يكن هذا أهون عليك من فصيل ناقة صالح».
ويروي الإمام الباقر (عليه السلام) أنه لم يسقط من ذلك الدم قطرة على الأرض، بل صُعد به إلى السماء.
ثالثاً: مقتل حرملة بن كاهل - استجابة دعاء الإمام السجاد (عليه السلام)
1. دعاء الإمام السجاد على حرملة
روى (المنهال بن عمرو) القصة الموثقة في مصادر الشيعة، ومنها أمالي الشيخ الطوسي وبحار الأنوار، قال:
دخلت على علي بن الحسين (عليه السلام) منصرفي من مكة، فقال لي: «يا منهال، ما صنع حرملة بن كاهلة الأسدي؟» فقلت: تركته حياً بالكوفة. فرفع يديه جميعاً، فقال: «اللهمَّ أذقه حرَّ الحديد، اللهمَّ أذقه حرَّ الحديد، اللهمَّ أذقه حرَّ النار».
2. تنفيذ القصاص على يد المختار الثقفي
تابع المنهال الرواية قائلاً: فقدمت الكوفة وقد ظهر المختار بن أبي عبيد، فلم نلبث أن جيء بحرملة أسيراً. فأمر المختار (بقطع يديه ورجليه)، ثم ألقاه في(النار)، فأُحرق حياً.
وعندما أخبر المنهال المختار بدعاء الإمام السجاد (عليه السلام)، نزل عن دابته وصلّى ركعتين شكراً لله، وقال: «هذا يوم صوم شكراً لله على ما فعلته بتوفيقه».
رابعاً: الدروس والعبر من هذه الجريمة
1. وحشية الأعداء: تُظهر هذه الجريمة أن أعداء أهل البيت (عليهم السلام) لم يراعوا حرمة إمام ولا رحمة طفل رضيع، مما يكشف زيف ادعاءاتهم الشرعية.
2. إقامة الحجة: جاء خروج الإمام الحسين (عليه السلام) بالرضيع ليكون حجة على القوم، وفضحاً لنواياهم أمام التاريخ.
3. استجابة الدعاء: تُظهر قصة مقتل حرملة أن دعاء المظلوم مستجاب، وأن الله لا يترك دماء أهل البيت (عليهم السلام) دون قصاص.
4.خلود الذكرى: سيبقى اسم عبد الله الرضيع رمزاً للبراءة المذبوحة، وسيظل لعن حرملة باقياً في زيارة الناحية إلى يوم القيامة.
خاتمة
إن جريمة قتل عبد الله الرضيع (عليه السلام) على يد حرملة بن كاهل الأسدي هي واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الإسلام، وقد توافقت المصادر الشيعية المعتبرة على تفاصيلها، بدءاً من خروج الإمام الحسين (عليه السلام) بالطفل الرضيع يستسقي له الماء، مروراً برمية السهم الغادرة التي أردته قتيلاً في حجر أبيه، وانتهاءً بمقتل الجاني حرملة على يد المختار الثقفي استجابة لدعاء الإمام السجاد (عليه السلام).
نسأل الله أن يثبتنا على حب أهل البيت (عليهم السلام)، وأن يرزقنا شفاعتهم يوم القيامة، وأن يلحقنا بالصالحين.
المصادر
- اللهوف على قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس
- بحار الأنوار - العلامة المجلسي
- الإرشاد - الشيخ المفيد
- مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهاني
- تاريخ الطبري - محمد بن جرير الطبري
- أمالي الطوسي - الشيخ الطوسي
- زيارة الناحية المقدسة
- مثير الأحزان - ابن نما الحلي






رد مع اقتباس