تحت ظل شجرة عتيقة في حي مصر القديمة، جلس العم "سعيد" بائع الكتب المتجولة يرتشف الشاي، ممتصاً صخب الشارع التاريخي.
اقترب منه صبي صغير حاملاً كتاباً ممزقاً، فسأله العم بابتسامة دافئة: "هل تاه بطل قصتك؟".
أجاب الصبي: "بل ضاع المعنى".
تأمل العم سعيد العبارة، ثم أخذ الكتاب بوقار، وأخرج خيطاً وإبرة مخصصة لترميم الأوراق.
وبينما كانت أصابعه الخشنة تعيد جمع الصفحات المبعثرة، قال بهدوء: "المعنى لا يضيع يا بني، بل يختبئ بين السطور ليجد من يستحقه، فالكتب ليست مجرد ورق، بل هي مرايا لأرواحنا".
عندما انتهى من إصلاح الكتاب، قلّب الصفحة الأولى وكتب عليها بخط كوفي أنيق: "إلى القارئ الصغير يوسف.. أنت بطل القصة التالية، فاصنع معناها بقلبك".
أعاد الكتاب إلى الصبي الذي شعر بنبضة غريبة في صدره، وشرارة شغف لم يعهدها من قبل، فلم يعد يرى في الكتاب مجرد حكاية، بل دعوة لاكتشاف الذات.
مرت السنوات، وكبر يوسف وهو يحمل كلمات العم سعيد في قلبه كتميمة تحميه من التيه.
تحول ذلك الصبي الحائر إلى كاتب روائي مرموق، وصارت كتاباته تلامس قلوب الآلاف، باحثاً في كل سطر عن ذلك "المعنى" الذي علمه إياه بائع الكتب العجوز.
وفي يوم إطلاق روايته الأولى، وقف يوسف أمام الحشود وبدأ حفل توقيعه بإهداء خاص قال فيه: "إلى من رمم كتابي يوماً، فأصلح حياتي بأكملها.. إلى العم سعيد".







رد مع اقتباس