"الصفارية".. دولة "اشتراكية" في قلب الخلافة العباسية
تأسست دولة "الصفارية" على أكتاف الحرفيين والعيارين (ميغازين)
في القرن الثالث الهجري، وأثناء الضعف والوهن الذي أصاب الدولة العباسية، تأسست دولة "الصفارية" في ولاية سجستان على أكتاف الحرفيين والعيارين، وذلك في أعقاب ثورة على تهميش سياسي واقتصادي عانى منه سكان هذه الولاية، لذا انحاز القائمون على هذه الدولة للفقراء والمُهمشين ضد أصحاب السلطة والثروة.
ينتمى مؤسس هذه الدولة، يعقوب بن الليث، هو وإخوته الثلاثة عمرو وطاهر وعلي إلى مدينة قرنين بولاية سجستان، والتي كانت تابعة لحكم آل طاهر في خراسان. وبحسب الدكتور إبراهيم عبد المنعم سلامة، في كتاب "في تاريخ الدولة الإسلامية المشرقية المستقلة عن الخلافة العباسية"، كان يعقوب وإخوته يتعيشون جميعًا على شغل أبيهم الذي كان يعمل صفّارًا، وهي مهنة طلاء النحاس، ومن ثم كانوا يعيشون حياة بائسة كان يعيشها أهالي القرى السجستانية.
وبعد مدة، انتقل يعقوب إلى ولاية زرنج، وعمل أجيرًا عند رجل صفّار، أما أخوه عمرو فعمل مكاريًا على الحمير، وفي رواية أخرى نجارًا. ويذكر سلامة أن يعقوب كان ذا فتوة، ولم تسمح له همته العالية أن يظل صفّارًا يقضي عمره فى هذه الحرفة، فدخل في زُمرة العيارين وانضم مع إخوته إلى خالهم كثير بن رقاق، وشكلو عصابة لقطع الطريق.
وتدرج يعقوب في سلك العيارية حتى وصل إلى رئاسة جماعة، وعُرف بشجاعته وحكمته وكرمه، إذ كان يوزّع الأموال التي تُجمع من حراسة القوافل التجارية، أو التي كان يحصّلها من كبار الأثرياء، على أصحابه من العيارين دون أن يستأثر بها كما كان يفعل غيره من قادة العيارين، وترتّب على ذلك زيادة أعداد المنضمين إليه رغبة في الحصول على المكاسب المادية، فضلًا عن أنه كان محبوبًا، وكانت أوامره مُستجابة.
ثورة على حكم آل طاهر
وفي تلك الأثناء، في عهد خلافة الواثق العباسي (227 - 232 هـ)، وإمارة طاهر بن عبد الله على خراسان وسجستان (230 - 248هـ)، ثار في مدينة بست أحد كبار رجال سجستان ويُدعى غسان بن النضر، على حاكمها وهو ابن والي سجستان إبراهيم القوسي، فقبض عليه حاكم بست وقطع رأسه وصلب جسده، فأثار هذا العمل سخط الناس الذين كانوا يذكرون غسان بالخير، وبعد ذلك بقليل التفوا حول أخي غسان وهو صالح الذي تابع الثورة، كما يروي سلامة.
ولما جرّد إليهم حاكم بست جيشًا لقتاله، انتقل صالح بن النضر بقواته إلى زرنج، وأخذ في قتال الخوارج بها، وسمى أصحابه "المتطوعة"، وانضم إليه جماعة العيارين، ومنهم يعقوب بن الليث الصفّار، رغم أنه كان في بداية أمره خارجيًا، وكذلك قائد عياري آخر هو درهم بن الحسن.
وبفضل مساعدتهما، استطاع صالح الاستيلاء على مدينة بست، وعهد إلى يعقوب في هذا الوقت بقيادة جيشه، فكان هذا أول طريق المجد لهذا العيار السجستاني. وخلال عامي (232ه–238هـ) سيطر صالح بعون يعقوب وعصبته على بست سيطرة كاملة، وفي العام 238هـ بايع أهالي بست صالحًا بن النضر أميرًا عليهم ودفعوا إليه خراجهم.
وكان يتولى رئاسة خوارج سجستان في هذا الوقت شخص يُدعى عمار، فأنفذ صالح بن النضر قائده يعقوب بن الليث يعاونه درهم بن الحسن لقتاله، فانهزم عمار برجاله الخوارج. غير أنه لم يستسلم وعقد تحالفًا مع إبراهيم بن الحسين حاكم سجستان لقتال المتطوعة في عام 239هـ، ورغم أن الهزيمة لحقت بصالح بن النضر في بداية المعركة إلا أن كفته رجّحت بعون يعقوب الصفار وأخيه عمرو، فوقعت الهزيمة بعمار الخارجي وحليفه إبراهيم بن الحسين، الذي اضطر إلى مغادرة ولايته وتركها في أيدي المتطوعة، فاعتلى صالح بن النضر كرسيها.
يعقوب الصفّار زعيمًا للعيارين
غير أن الخلافات ما لبثت أن دبت بين الحلفاء، عندما رفض يعقوب الصفّار ورفاقه أن يمتثلوا أوامر قائدهم صالح بن النضر بالإغارة على قصر والي سجستان، واعتذروا عن ذلك بحجة أن صالحًا أغار على أموال باهظة من مال أهل سجستان، وأن التفكير في إغارة جديدة يخالف أخلاق الفتوة والعسكرية الرفيعة التي كان يتحلى بها يعقوب.
وإزاء تصاعد هذه الخلافات، اضطر صالح إلى الفرار، فتعقبه يعقوب وأخواه وجماعته، ووقعت بين الطرفين حرب شديدة هُزم فيها صالح، وقَتل طاهر، أخو يعقوب، وكان ذلك عام 244هـ. وفي تلك الأثناء، كما يروي سلامة، استطاع طاهر بن عبد الله بن طاهر صاحب خراسان (230–248هـ) أن يتصدى لهؤلاء المتطوعين والعيارين وأخرجهم من سجستان، لكن الجند بايعوا درهمًا بن الحسين على ولاية سجستان وذلك بعد فرار صالح بن النضر، وظل يعقوب قائدًا لجيشه وحاكمًا لمدينة بست، وأظهر في حروبه مع الخوارج والمخالفين لحكمه شجاعة وكفاءة استلب بهما ألباب الجند وأرواحهم.
وأمام ارتفاع أسهم يعقوب بن الليث اضطر درهم إلى الاعتراف بقدره، فمنحه بعض الألقاب التي تؤكد دوره القيادي داخل جماعة العيارين، مثل لقب "سالار" أي قائد، فاستطاع يعقوب بحكمته ومهادنته لخصومه الحفاظ على تماسك جماعة العيارين، فازداد تقديرهم له.
ولما أُتيحت ليعقوب الفرصة تخلص من منافسة درهم، وذلك أثناء قضاء الأخير لفريضة الحج، حيث قُبض عليه بتدبير من صاحب خراسان، وسُجن في بغداد، فاجتمع المتطوعة على يعقوب بن الليث زعيمًا لهم، فغلب على سجستان، وأظهر التمسك بطاعة الخليفة العباسي المستعين بالله، وكاتبه وأظهر أنه يعمل بأمره.
مناطحة دولة الخلافة
ولم تتوقف طموحات يعقوب الصفّار عند هذا الحد، فاتجه إلى حرب الخوارج وهزيمتهم لينفرد بالزعامة، ثم قاد جموع العيارين والحرفيين واستولى على كثير من المدن والأقاليم في إيران وخراسان، ومد نفوذه إلى آسيا الوسطى. وبحسب الدكتور محمود إسماعيل، في كتاب "المهمشون في التاريخ الإسلامي"، لم تجد الخلافة العباسية مفرًا من الاعتراف بمشروعية حكم يعقوب على البلاد التي استولى عليها.
بيد أن الصفّاري تمادى في طموحاته، فقرر إسقاط الخلافة العباسية نفسها، والتي حاولت استرضاءه بمنحه منصب رئيس شرطة بغداد؛ لكنه أصر على غزو بغداد نفسها، منتهزًا ما جرى فيها من صراع بين الخلافة وقادة العسكر التركي. وبالفعل توجه يعقوب بجيوشه لتحقيق هدفه عام 262هـ، غير أنه هُزم في موقعة دير العاقول نتيجة تواطؤ العناصر الخراسانية في جيشه، حيث فارقته وانضمت إلى جيش الخليفة المعتمد على الله.
وبعد وفاة يعقوب عام 265هـ متأثرًا بمرض القولنج (الانسداد المعوي)، بايع العيارون والشطار أخيه عمرو، والذي عقد صلحًا مع الخلافة، تم بمقتضاه الاعتراف بشرعية حكمه مقابل إعلان تبعيته للخلافة بأن يرسل إليها أموالًا سنوية. وبحسب إسماعيل، استغل عمرو هذا الصلح ليتوسع شرقًا في بلاد ما وراء النهر الخاضعة لحكم السامانيين الأقوياء، ولما هُزم انسحب بجيشه إلى سجستان، لكن السامانيين اقتفوا أثره وهزموه سنة 287هـ، وأرسلوه إلى بغداد مكبلًا بالأصفاد.
تسامح ديني وانحياز للمُهمشين
ولأن الدولة الصفارية تأسست على أكتاف الحرفيين والعيارين، فقد انطوت أوضاعها الداخلية وطبيعة نظامها على قدر كبير من العدل والاستقرار، وإقرار نظام اقتصادي واجتماعي يتسق مع طموحات العامة والعناصر المُهمشة، خاصة أهل المدن وأصحاب الحرف، حسبما يرصد إسماعيل.
وأول ما يسترعي الانتباه في هذا الأمر هو أن الدولة حازت أموالًا طائلة بعد مصادرتها من الأغنياء والموسرين في سائر الأقاليم التي فتحها مؤسسها، فضلًا عن حصيلة مكوس فرضها على القوافل التجارية، حيث كان إقليم سجستان عنق الزجاجة في حركة التجارة البرية من آسيا الوسطى والهند إلى بغداد وعالم البحر المتوسط.
وأفاد الصفاريون أيضًا من عبقرية الفرس في التنظيم والإدارة، فطّبقوا نظمًا متطورة كفلت الأمن والاستقرار، كما أقاموا إصلاحات اقتصادية وأعمال عمرانية أتاحت للحكومة موارد مالية دائمة ومتجددة، ما عظّم الإنتاج الصناعي الحرفي، وفي الوقت نفسه صادروا ممتلكات الطبقة الأرستقراطية ورفعوا الظلم عن الضعفاء والبسطاء، وأعفوهم من الضرائب، بل كثيرًا ما قدموا لهم مساعدات مالية وعينية لتيسير أحوالهم المعيشية.
كما ابتكر مؤسس الدولة نظامًا عسكريًا متطورًا، وسار خلفه على الوتيرة نفسها، فازدادت قوة جيوشه وهابها سائر الحكام المجاورين بما فيهم الخلافة العباسية نفسها. ويذكر إسماعيل، أن الصفاريين شكّلوا فرقًا خاصة من الجند المجلوب وأحسنوا تنظيمهم وأجروا عليهم الجرايات، وفي الوقت نفسه حرصوا على إكساب حكمهم طابع المشروعية، فاعترفوا بنفوذ اسمي للخلافة العباسية، فكانوا يخطبون على المنابر بأسمائهم، ويتحفونهم بالهدايا والألطاف، كيما يتفرغوا لإصلاح أحوال دولتهم.
غير أن ما يلفت الانتباه أكثر هو حالة التسامح الديني والمذهبي التي أظهرها الصفاريون، حتى مع أصحاب العقائد والديانات الوثنية، حفاظًا على دعم الأمن والاستقرار في عصر امتلأ بالفوضى السياسية والسخائم العنصرية والنزاعات المذهبية والطائفية، لذا حظي اليهود والنصارى بمكانة ممتازة حفزتهم على العمل في مجال الصناعة والنشاط التجاري والمالي.
وبينما نعم صغار التجار بحالة من الاستقرار، تعرض كبارهم للمصادرات والضرائب الباهظة. وفي ذلك كان يقول يعقوب "إن الدهن لا يوجد في بطن العصفور، ولكنه يوجد في بطن الثور"، لذلك تخلّقت طبقة وسطى من متوسطي التجار وأصحاب الحرف أُتيح لها العمل والإنتاج برعاية من الحكام وتشجيع من الأهالي، بحسب إسماعيل.
وانعكس هذا الازدهار الاقتصادي على الطبقة العاملة التي أعفيت من الضرائب، حيث أصدر يعقوب أمرًا مؤداه أن كل من يقل دخله عن خمسمائة درهم لا يؤخذ منه خراج، ويُمنح صدقة، ومن ثم تعاظم الإنتاج وانخفضت الأسعار، ولم تشهد الدولة الصفارية ما شهدته الأقاليم الأخرى في العالم الإسلامي من جوائح اقتصادية وأزمات وحزازات عنصرية وفتن طائفية.
أما الأرقاء والعبيد، فقد ازدادت أعدادهم نتيجة الحرب والتجارة، وهاجرت جماعات منهم أوطانها لينعموا بالأمن والاطمئان داخل الدولة الصفارية في ظل نظام شعبي آمن ومستقر، وقاموا بدور مهم في الزراعة واستصلاح كثير من الأراضي البور بعيدًا عن علاقات إنتاج قائمة على العبودية والسُخرة.
ويخلص إسماعيل إلى أن مجتمع الصفارين شكل نموذجًا خاصًا بحكومة شعبية مستنيرة حققت قدرًا لا بأس به من العدل الاجتماعي والاستقرار السياسي والتفوق العسكري، لذلك أخطأ مؤرخون ودارسون كُثر بوصمهم هذه الدولة بـ"الشعوبية"، فاعتبروا قيامها حلقة في سلسلة الصراع بين العرب والفرس.
مؤرخون على طرفي النقيض
ويذكر الدكتور عبدالعزيز عبد الله السالم، في دراسة "علاقة الإمارة الصفوية بالدولة العباسية في القرن الثالث الهجري"، أن المؤرخين الذين كتبوا عن الإمارة الصفارية إما فُرس، اندفعوا وراء العاطفة فجعلوا يعقوب وأخاه بطلين قوميين بعثا مجد فارس القديم، فنسبوا إليهما أمورًا كثيرة تتعلق بالعناية بأمجاد فارس وتاريخها وتراثها وأدبها، وإما من طوائف أخرى تحدثت عن الصفاريين من خلال نشاطهم السياسي ومعاركهم العسكرية دون أن تتعرض لما خلفوه من تراث حضاري، فلم تذكر جانبًا من نشاطهم العلمي، أو طرفًا من دورهم في ازدهار المشرق وحضارته.
وبحسب السالم، شهدت الحركة العلمية والأدبية في ولاية سجستان، خاصة في مدينتي زرنج وبست، ازدهارًا ونشاطًا ملحوظًا في الفترة التي تعاقب فيها على الإمارة الصفارية يعقوب بن الليث وأخوه عمرو، وذلك لاستتباب الأمن واستقرار الأوضاع فيها، وللرخاء الاقتصادي الذي عاشته الولاية في عهدهما، فقد تخرج في بست تلك الفترة علماء كثيرون في الفقه والتفسير والأدب واللغة، منهم الخطابي أبو سليمان أحمد محمد بن البستي صاحب "معالم السنن وغريب الحديث".
ولعل السبب في إغفال المصادر التاريخية للجوانب العلمية والأدبية التي أسهم فيها الصفاريون إبان إمارتهم على سجستان وغيرها من ولايات المشرق، يعود إلى توتر علاقتهم بالخلافة العباسية، والتي اتخذت طابع المواجهة الحربية بينهما، حين أعلن يعقوب الحرب ضد الخليفة المعتمد على الله، وأعلن أخوه عمرو الذى أعقبه على الإمارة تمرده وعصيانه عدة مرات على الخليفتين المعتمد على الله والمعتضد بالله، ما جعل المصادر التاريخية التي سجلت أحداث التاريخ العباسي في عصر نفوذ الأتراك تبرز جانبًا كبيرًا من النشاط السياسي والمعارك الحربية للصفاريين، دون ذكر جوانب حضارية أسهموا فيها وسارت جنبًا إلى جنب مع نشاطهم السياسي.






رد مع اقتباس