من أهل الدار
تاريخ التسجيل: October-2013
الجنس: ذكر
المشاركات: 110,724 المواضيع: 106,427
مزاجي: الحمد لله
موبايلي: samsung A 14
آخر نشاط: منذ 3 ساعات
الزوايا في مرمى السلطة بالمغرب: صراع الشرعية بين المخزن والطرق الصوفية

الزوايا في مرمى السلطة بالمغرب: صراع الشرعية بين المخزن والطرق الصوفية
كان لافتًا أن يُنسب لبول باسكون، وهو واحد من رواد علم الاجتماع في المغرب، مقولة: "إذا كان الشرق بلد الأنبياء والرسل، فإن المغرب بلد الأولياء والصلحاء"، باعتبارها عبارة مُكثّفة تختزل مفارقة التاريخ السياسي والاجتماعي المغربي. فالمغرب لم يتشكّل فقط حول محور سلطاني يضبط المجال بقوة السيف والبيعة، بل حول شبكة كثيفة من "الزوايا" والأضرحة والطرق الصوفية التي راكمت شرعية رمزية نافست أحيانًا شرعية "المخزن" نفسه (أو السلطة السياسية المركزية).
في مرحلة سياسية عميقة اتسم بضعف السلطة المركزية واحتلال الثغور وتفكك المجال القبلي، برزت الزوايا باعتبارها فاعلًا مهيمنًا وليس مؤسسة دينية معزولة، عندما تجاوزت الوظيفة الروحية القائمة على التصوف والزهد. إن هذه الزوايا، في ذلك السياق، سرعان ما تحوّلت إلى شبكات ذات نفوذ شرعي رمزي، قادرة على ضبط المجتمع المحلي، ما شكل بديلًا عن الدولة نفسها في أحيان كثيرة. فبعض الزوايا الكبرى، على غرار "الزاوية الدلائية" و"الزاوية الناصرية"، راكمت من القوة ما جعلها تدخل في تفاوض مباشر مع السلاطين، وتنازعهم السيطرة على المجال والولاء.
لم يكن أمام "المخزن" سوى تبني سياسات الاحتواء حينًا عبر الدعم والاعتراف والتدجين، والقمع حينًا آخر عبر التفكيك العسكري والسياسي. هي علاقة الشد والجذب التي أسهمت في صياغة نموذج خاص للدولة المغربية، حيث يتقاطع السياسي بالروحي، ويتحول الصلاح والشرف إلى عنصر من عناصر إنتاج السلطة.
مؤسسة دينية واجتماعية مركبة
في الأدبيات والطروحات التاريخية والسوسيولوجية بالمغرب، توجد إشارة مهمة إلى أن الزاوية ليست مجرد فضاء تعبدي بسيط، إنما مؤسسة دينية واجتماعية مركبة تشكّلت حول شخصية الولي أو الشيخ الصوفي.
بشكل أوليّ، يُعرف محمد حجي، في كتابه "الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي" (مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية 1988)، الزاوية بأنها "مكان للعبادة وإيواء الواردين وإطعام المحتاجين"، ولذلك اعتبرت في التجربة المغربية "مدرسة دينية ودارًا للضيافة المجانية". يضيف حجي أن الزاوية "سميت بادئ الأمر دار الكرامة، كالتي بناها يعقوب المنصور الموحدي في مراكش ثم أطلق اسم دار الضيوف على ما بناه المرينيون من الزوايا"، حتى تطورت إلى الاسم الذي عُرفت به "الزاوية" خلال القرن العاشر الهجري (القرن السادس عشر الميلادي).
غير أن فهم الزاوية يقتضي التمييز بين المكان بوصفه فضاء للعبادة، وبين الشخصية الروحية التي تقيم فيه أو يُنسب إليه، إذ أدى الالتفاف الاجتماعي حول "الولي" إلى نشوء ظاهرة ارتباط الجماعات المحلية بولي صالح.
يقول عبد الله العروي، في كتابه "الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830–1912" (تعريب محمد حاتمي ومحمد جادور، المركز الثقافي للكتاب، الطبعة الأولى 2016): "الزاوية أساسًا مكان للعبادة وجب تمييزه عن الشخصية الروحية التي تستقر به، متوفية كانت أو لا تزال على قيد الحياة؛ (...)، وهو ما يترتب عنه تعميم ظاهرة تطور كل جماعة بشرية (حاضرة وقرية وقبيلة) في حضن ولي صالح يحميها".
لهذا، يرى العروي دائمًا أن كبريات الزوايا تأسست على يد "رجال تميزوا بالإيمان المترسخ والقدرة على التأمل والمهارة في التعليم الروحي". لافتًا إلى أن "الزوايا كشكل للتنظيم الجماعي المؤهل للانتشار الأيديولوجي والإشعاع الفكري المرتبطين باجتهادات رجل صالح، تطورت بالضبط خلال مراحل ضعف السلطة المركزية".
من الرباط إلى التنظيم الصوفي
لم تظهر الزاوية في المغرب دفعة واحدة بوصفها مؤسسة مكتملة أول الأمر، بل شهدت مسارًا تحوليًا متدرجًا، إذ انطلقت جذورها من نواة "الرباط" باعتباره بنية دفاعية حدودية ارتبطت بحماية الثغور، قبل أن تتداخل وظيفته الدفاعية مع وظيفة جهادية–دينية، كما في تجربة "المرابطين"، ثم يتطور أحيانًا إلى أداة لتأسيس الدولة ذاتها (المرابطين والموحّدين).
غير أن هذه الدينامية بدأت في التراجع منذ القرن الرابع عشر، حين فقد الرباط مركزيته السياسية والدينية، ليتحول من مؤسسة جهادية–دولتية إلى إطار دفاعي محدود، مُفسحًا المجال لبروز حركة "الصلحاء" باعتبارها صيغة جديدة للشرعية الروحية والاجتماعية، تقوم على الولاية والوساطة الرمزية بدل الفعل العسكري المباشر.
ضمن هذا السياق التاريخي، أخذت شخصية "الولي" أو "الصالح" تكتسب مكانة متزايدة داخل المجتمع المحلي، بفضل ما يُنسب إليها من كرامات وقدرة على التحكيم والوساطة الاجتماعية، الأمر الذي جعل حولها يتشكّل تدريجيًا مجالًا من الأتباع والمريدين وروابط من التضامن الرمزي.
مع مرور الزمن، تحوّلت هذه المكانة الروحية الفردية إلى بنية مؤسسية أكثر استقرارًا، تمثّلت في تشييد فضاءات دينية واجتماعية حول ضريح الولي أو مقر إقامته، وهو ما شكّل النواة الأولى لما سيُعرف لاحقًا بـ"الزاوية". بذلك، تغدو الزاوية امتدادًا مؤسساتيًا لحركة الصلحاء، وتجسيدًا تاريخيًا لتحوّل الشرعية الدينية من منطق الرباط والجهاد إلى منطق الولاية والتنظيم الصوفي.
الزاوية وبناء النفوذ المحلي
في تجاوزه لتفسير اعتبره اختزاليًا (المقتربات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والتأريخية)، يذهب محمد ضريف، في كتابه "مؤسسة الزوايا بالمغرب" (منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الطبعة الأولى 1992)، إلى أنه لا يمكن الحديث عن زاوية إلا إذا كانت مرتبطة أولًا بكتلة قَبَليّة، ثم ثانيًا لا يمكن لزاوية أن تصمد إلا إذا كان لها عمق عسكري (الجبل) ومُتنفّس اقتصادي (السهل). يضيف ضريف أن "الزاوية هي أداة تنظيمية تفرزها كتلة قبلية، غايتها حماية كيان هاته الكتلة من التفكيك، وذلك بواسطة توفير الشروط اللازمة لبقاء هاته الكتلة على المستوى المادي أولًا، ثم ربطها، على مستوى الشرعية السياسية/الدينية، بالإسلام الشرعي ثانيًا".
لذلك، تعمل الزاوية على إضفاء الشرعية على "القبيلة"، وبالتالي دمجها في "المجتمع العام" عبر وسيلتين: "الوسيلة الأولى هي التأكيد على الأصل "الشرفاوي" للزاوية، والوسيلة الثانية هي تبنى مبادئ "طريقة" [صوفية] معينة"، يوضح صاحب كتاب "مؤسسة الزوايا بالمغرب". يشير ضريف إلى أن أول طريقة ذات أصول مغربية هي الطريقة "الجزولية" التي انطلقت من منطقة سوس جنوبًا لتعم سائر البلاد. وقد نظم مؤسسها محمد بن سليمان الجزولي (توفي سنة 1465) طريقته تنظيمًا مطابقًا للعمل، وقد وصل عدد أتباعه ما يفوق 12 ألف فرد.
يقول في مُؤلّفه: "إن الطريقة الجزولية باعتبارها أداة لإقامة حكم الشرفاء، ووسيلة لخلخلة النظام القبلي واختراق المجتمع في كل مستوياته، ستصبح هي المؤهلة لتزويد البلاد بنظام حكم جديد. فالجزولية هي التي رشحت السعديين لاستلام السلطة، تصبح في هاته الحالة مؤسسة لاختيار الحاكم".
الشرف وصياغة المشروعية الجديدة
بروز الدولة السعدية في القرن 16، شكّل فعليًا إحدى اللحظات الحاسمة في تاريخ تشكيل الشرعية السياسية بالمغرب. فقد ظهر السعديون (أو الزيدانيون) في سياق اتسم بضعف الدولة الوطاسية واضطراب العلاقة بين السلطة المركزية والقبائل، وهو ما أدى إلى تراجع فعالية العصبية القبلية التقليدية في ضبط المجال السياسي.
كتب سليمان أزوير، في مقاله "إسهام النسب الشريف والزاوية في بناء المشروعية السياسية تجربة السعديين في المغرب خلال القرن السادس عشر"، أنه في هذا الإطار "برز كل من النسب الشريف ومؤسسة الزاوية كمكونات رئيسية في صياغة المشروعية الجديدة، إذ قدّم النسب الشريف شرعية رمزية مستمدة من الانتماء إلى آل البيت النبوي، فيما أسهمت الزوايا في توفير سند اجتماعي وروحي قادر على حشد الدعم الشعبي وتوجيه ولاء القبائل".
غير أن توظيف النسب الشريف في المجال السياسي ليس ظاهرة طارئة في التاريخ المغربي؛ إذ يعود استعماله إلى مرحلة مبكرة مع الدولة الإدريسية. يسجل محمد نبيل ملين أن "البيت الإدريسي هو من دشن استعمال النسب في تاريخ المغرب الإسلامي. وبعدهم لم تتخلّ الأسر الحاكمة عن الارتباط بنسب عربي بل بنسب شريف". يردف ملين، في كتابه "السلطان الشريف: الجذور الدينية والسياسية للدولة المخزنية في المغرب" (ترجمة: عبد الحق الزموري وعادل بن عبد الله، منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي)، أن النسب الشريف حلّ بالتدريج محل النسب القرشي باعتباره شرطًا ضروريًا لتولّي الخلافة تحت تأثير مختلف الحركات الصوفية".
مع مرور الزمن، تحوّل الشرف إلى "ظاهرة اجتماعية واسعة دخل المجتمع المغربي، إذ يؤكد المؤرّخ عبد الله العروي أن الشرف أضحى "ظاهرة كبرى نقف عليها في الحواضر والقرى، وفي المناطق العربية والأمازيغية على السواء، بشكل جعله عاملًا اجتماعيًا مؤثرًا". ويبرز العروي في مُؤلّفه السابق أنه في الواقع "النسب الشريف مَثّل تعبيرًا عن الحاجة إلى قوى خارقة لتجاوز الأزمات الفردية والجماعية، كما شكل مؤشرًا يتحدد بموجبه الموضع الاجتماعي لمن ينعم به".
في هذا السياق، يُلفت سليمان أزوير في مقاله السابق إلى سؤال مركزي مهم: كيف انتقل "الشرف" أو "الشرفاوية" من موقع ثانوي في لحظة التأسيس الأولى إلى مرتكز محوري في شرعنة الحكم السعدي بالخصوص؟
يجيب الكاتب ذاته بأن الأمر يعود إلى "تشكّل تحالف صريح بين الأشراف وشيوخ الزوايا. فإذا كانت المرحلة الأولى قد اتسمت بوساطة الزاوية في إنتاج المشروعية، فإن المرحلة اللاحقة شهدت ترسيخ هذا التحالف بوصفه آلية سياسية واجتماعية أساسية". ولذلك "أدرك السعديون أن النسب الشريف، على ما ينطوي عليه من قوة رمزية، يظل قاصرًا عن توفير شرعية صلبة ما لم يُدعّم بامتداد اجتماعي عميق داخل القبائل، وهو الامتداد الذي لم يكن متاحًا إلا عبر الزوايا"، يضيف أزوير.
الزاوية مشروع سلطة بديل
لكن هذا التوازن بين السلطان والزاوية لم يدم طويلًا؛ لأنه مع أفول الدولة السعدية وتفكّك السلطة المركزية في القرن السابع عشر، وجدت بعض الزوايا نفسها أمام وضع سياسي جديد اتسم بفراغ السلطة واضطراب المجال السياسي، ما أتاح لها الانتقال من موقع الوساطة الدينية والاجتماعية إلى موقع الفاعل السياسي المباشر. النموذج الأبرز في هذا السياق، يتمثّل في تجربة "الزاوية الدلائية" التي تأسست في الأطلس المتوسط (منطقة أمازيغية)، باعتبارها نموذجًا دالًا على هذا التحول؛ إذ لم تعد الزاوية مجرد سند روحي للسلطة القائمة، بل تحولت إلى مشروع سلطة بديل يسعى إلى ملء الفراغ الذي خَلّفه تراجع الدولة المركزية (الدولة السعدية).
كتب محمد حجي، في كتابه "الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي"، أن الدلائيين لم يكونوا يهتمون سوى بالجانبين العلمي والديني. وكان "الشيخ أبو بكر الدلائي مؤسس الزاوية زاهدًا في الدنيا منصرفًا إلى العبادة وإرشاد المريدين، ولم يكن يشتغل حتى بتدبير شؤونه الخاصة". وأضاف حجي أن ابنه، محمد بن أبي بكر الدلائي، سار على نهج والده "على الرغم مما كان يتمتع به من نفوذ قوي لدى القبائل الأمازيغية في الأطلس المتوسط، وما امتاز به بعض أبنائه من شجاعة وفروسية، وما توفر له من علم ومال وجاه، فإنه لم يحاول استغلال تلك الإمكانيات الواسعة للتدخل في شؤون السياسة والسلطان، بل ظل يدعو إلى السمع والطاعة".
الوضع تغير فعليًا بعد وفاة محمد بن أبي بكر، عندما ظهر نزوع محمد الحاج الدلائي إلى الاستقلال بالأمر، فبدأت القبائل تتجه نحوه، ومع اتساع نفوذه وسيطرته على مناطق واسعة من وسط المغرب وغربه وشماله، أخذ يفكر في إضفاء صبغة شرعية على سلطته، خاصة مع التدهور الذي بلغته الدولة السعدية، فطالب الناس ببيعته والتزام طاعته.
في تفسير لهذا التحول، يرى محمد ضريف أن سقوط آخر سلاطين الدولة السعدية وغياب السلطة المركزية دفعا الزاوية الدلائية إلى التفكير في خوض "مغامرة تاريخية كبرى" بقيادة محمد الحاج؛ تمثّلت أساسًا في محاولة التحول من مجرد زاوية محلية إلى سلطة مركزية بديلة. يقول صاحب مُؤلّف "مؤسسة الزوايا بالمغرب": "إن الطموح الدلائي في التحول إلى سلطة مركزية (مخزن) الذي بدأ يتبلور مع محمد الحاج، سيقتضي تحولًا من نوع آخر: هو تكسير بنية الزاوية وبلورة بنية الطريقة"، من خلال التفكير في التملص من الخصوصيات المحلية (القبيلة) لاختراق المجتمع بأكمله على الصعيد السياسي، والتركيز على "العِلم" على المستوى الأيديولوجي.
لكن عبد الله العروي يرد هذا التحول إلى سياق أوسع من التوتر بين الدولة السعدية والزوايا. يشير في كتابه "مجمل تاريخ المغرب" (المركز الثقافي للكتاب، الطبعة الثانية 2024)، إلى أن السعديين بعد أن قضوا على الوجود الوطاسي ووحّدوا البلاد في إطار ولاء شامل للأشراف، لم يظلوا أوفياء لروح الجهاد، واستبدلوا التحالف مع الزوايا بمهادنات ظرفية مع بعض القوى الأجنبية، وهو ما جعلهم يواجهون مقاومة عنيفة وأسهم في إضعاف شرعيتهم. حينها، وجدت بعض الزوايا، وفي مقدمتها الزاوية الدلائية، الفرصة لملء الفراغ السياسي ومحاولة إقامة سلطة بديلة.
المخزن في مواجهة الزاوية
تجربة الزاوية الدلائية في التحول إلى سلطة مركزية لم تعمّر طويلًا، إذ سرعان ما برز فاعل سياسي جديد تمثّل في "الدولة العلوية" الصاعدة خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر. لقد أدرك السلاطين العلويون منذ لحظة التأسيس أن المجال الديني والروحي الذي تشغله الزوايا يشكل أحد مفاتيح التحكّم في المجتمع المغربي، وأن تركه خارج دائرة ضبطهم قد يفضي إلى إعادة إنتاج تجارب شبيهة بالتجربة الدلائية.
يورد الأنثروبولوجي الأميركي ديل إيكلمان، في كتابه "الإسلام المغربي" (ترجمة: محمد أعفيف، رؤية للنشر، الطبعة الأولى 2015)، أنه عندما أصبح المولى رشيد سلطانًا على المغرب (1664–1672) "اعتبر أن الزاوية تشكّل خطرًا على حكمه فقام بتخريبها وتشتيت القبائل التابعة لها سنة 1668، كما قام بنفي زعيمها وحاشيته إلى تلمسان التي كانت آنذاك تابعة للحكم العثماني". لكن القضاء على الدلائيين لم ينه نفوذهم نهائيًا؛ إذ يشير إيكلمان إلى أنه "في سنة 1677، حاول أحد حفدة الزعيم الدلائي المنفي العودة إلى المنطقة، وذلك خلال حكم السلطان القوي المولى إسماعيل. وبالفعل تمكن هذا الزعيم من إعادة بناء الزاوية بمؤازرة من قبائل الأطلس المتوسط وسهل تادلة".
الأمور لم تقف عند هذا الحد، بل إن المولى إسماعيل سلك مسلك أخيه، فأعاد تخريب الزاوية، وذلك بعد عدد من المحاولات الفاشلة التي أجهضتها المقاومة القوية للقبائل، إذ لم يستطع السلطان وضع حدّ لتلك المقاومة إلا بكيفية تدريجية. وحتى يحافظ السلطان على ما حقّقه من انتصار، قام بإنشاء عدد من القصبات (حصون وقلاع تقليدية) على طول المسالك الرئيسية تعززها حاميات عسكرية.
من القمع إلى التدجين والضبط
سياسة الدولة العلوية تجاه الزوايا تطورت تدريجيًا من المواجهة العسكرية إلى محاولة إعادة ضبط المجال الصوفي وإخضاعه للمراقبة المخزنية. يلفت عبد الله العروي، في كتابه "الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية"، إلى أن السلطان المولى إسماعيل عمل على إجبار الزوايا على نقل مراكزها إلى فاس قصد تشديد المراقبة عليها، لكن رغم ذلك حافظت زوايا "إيليغ" و"تمكروت" و"أبي الجعد" و"أمجوط" (كلها وسط وجنوب المغرب) على قوتها الإشعاعية، وحالت دون تحقيق ما كان السلطان يصبو إليه.
يوضح العروي أن "الزاوية تصبو بشكل طبيعي إلى تجاوز ما يريده لها المخزن، لذلك نجدها تتوسع مجاليًا وتتقوى من حيث النفوذ وتدخل في تحدّ صريح أو مضمر للمخزن يؤدي بها في الغالب إلى الاندحار والاختفاء، ثم بعد حين تنخرط من جديد في مسلسل الإحياء".
لكن الأساسي في سياسة السلطان العلوي نقل الزوايا إلى فاس، أنها كانت جزءًا من "استراتيجية التدجين" التي انتهجها المخزن تجاه المجال الصوفي المغربي، كما يرى محمد ضريف، في كتابه "مؤسسة الزوايا بالمغرب". يوضح ضريف أن قرار المولى إسماعيل بأن تجعل الزوايا مقرها بفاس، يعني حرمانها من "عمقها الاستراتيجي/العسكري، وبالتالي حرمانها من مقومات تواجدها المادي (الجبل) بسجنها داخل الحاضرة (فاس)"، وهو بدون شك قمة التدجين.
الأكيد أن هذه الاستراتيجية التي بدأها المولى إسماعيل، ستستمر في التطور خلال عهد السلطان المولى سليمان، لكن بأسلوب مختلف يقوم هذه المرة على محاولة ضرب الأسس الشرعية للزاوية، عندما وظف السلطان المغربي "الوهابية" كأداة لمناهضة الزاوية. جاء في كتاب إيكلمان أن السلطان المولى سليمان "تأثر في السنوات الأخيرة من حكمه، بالأفكار الوهابية التي وصلت إلى المغرب بواسطة المبعوثين الوهابيين القادمين من الجزيرة العربية. وقد استطاع هؤلاء إقناع السلطان بكتابة رسالة يشجب فيها حركة الزوايا كعقيدة مناهضة للشعائر الإسلامية الأصلية وبإصدار ظهائر تمنع إقامة المواسم وزيارة الأضرحة".
ينبه الأنثروبولوجي الأميركي إلى أنه "من البديهي، أن هذه الخطوة التي أقدم عليها مولاي سليمان، كانت غير منسجمة مع السياق العام لمجتمع شمال إفريقيا. فقد اضطر السلطان، على إثر تلك الخطوة، إلى مواجهة عدة انتفاضات قبلية، تزعّمها صلحاء المناطق الأمازيغية". يعتقد محمد ضريف أن هذه "الوهابية" التي وظفها السلطان المولى سليمان، كانت "أداة لمناهضة القبيلة وبالتالي الزاوية من خلال استعمالين متكاملين، الوهابية كأيديولوجية تعصبية، والوهابية كأيديولوجية احتكارية. ولهذا كان الخطاب الوهابي في استعمال السلطان هو خطاب ضد العرف لصالح الشرع"، في إطار مشروع سياسي يروم احتكار السلطة عبر إقصاء مؤسسة القبيلة، ووضع الزاوية خارج الشرع.
الزاوية داخل منظومة المخزن
هذه الاستراتيجيات التي اعتمدها السلاطين تجاه الزوايا، لا تعني البتة أن الدولة العلوية لم تعتمد على نفس الآليات التي قامت عليها الشرعية السعدية بالخصوص، وفي مقدمتها النسب الشريف بوصفه مصدرًا للهيبة الرمزية المرتبطة بالانتماء إلى آل البيت، علاوة على توظيف شبكة الزوايا باعتبارها وسيطًا اجتماعيًا وروحيًا داخل المجتمع المغربي.
لم تسع الدولة العلوية إلى إلغاء مؤسسة الزوايا بقدر ما سعت إلى إدماجها داخل منظومة الحكم المخزني، عبر مزيج من الاحتواء والتحالف، وهو ما سمح لها تدريجيًا بإعادة بناء السلطة المركزية من دون الدخول في صدام دائم مع الفضاء الصوفي الذي كان يشكل أحد أعمدة التوازن الاجتماعي بالمغرب، ويُقدّم مثال "الزاوية الشرقاوية" (وسط المغرب) أحد أبرز النماذج التي تعكس هذا التوجه.
ينقل إيكلمان عن المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال قوله: "عندما تأكد السلطان مولاي اسماعيل من أن الزاوية الشرقاوية لم تعد لها أطماع في السلطة الدنيوية، أنعم على صلحائها بالتوقير والاحترام، وأصبح ضريح جد شرقاوة واحدًا من أهم الأضرحة التي يزورها الناس في المغرب، وفي نهاية القرن التاسع عشر وصلت الزاوية الشرقاوية إلى مكانة لم يسبق لأية زاوية في سهل تادلة أن وصلت إليها باستثناء زاوية الدلاء".
كما يكشف تعامل المخزن مع مسألة الخلافة داخل الزوايا عن درجة التدخل التي كانت تمارسها السلطة المركزية لضبط المجال الروحي. يشير ديل إيكلمان إلى أنه "بعد وفاة سيدي العربي سنة 1819، على إثر الوباء الذي اجتاح المغرب في تلك السنة، أجّل السلطان مسألة البت في خلافة الزاوية مدة سنة تقريبًا". في تفسيره لهذا الأمر، يُرجح الأنثروبولوجي الأميركي أن يكون "الهدف من ذلك إتاحة الفرصة أمامه لتقويم كل الفرقاء المتنافسين على خلافة الزاوية، واختيار المناسب منهم لتولي منصب الولاية على ضوء معرفة قوة كل فريق واعتبار خدمة مصالح المخزن".
لضمان هذه الخدمة، تبرز بشكل واسع مظاهر "استراتيجية الاحتواء" المخزنية؛ بدءًا من تعيين شيخ الزاوية (كما فعل المولى إسماعيل عندما عين ابن داوود شيخًا للزاوية الشرقاوية وعمره لا يتجاوز 11 سنة)، ومنح ظهائر التوقير والاحترام، وإعفاء الزوايا من الضرائب والتكاليف، ومنحها إقطاعات أو "عزايب". يعتبر محمد ضريف، في كتابه "مؤسسة الزوايا بالمغرب"، أن "استراتيجية الاحتواء في المنظور المخزني لا تفيد معنى التعايش، بل تفيد معنى المناهضة، وذلك أن المخزن لم يكن بإمكانه الاستمرار دائمًا في تحريك استراتيجية المواجهة لما يتطلبه ذلك من طاقات وإمكانيات قلما توافرت له، وإدراكًا منه بأن استراتيجية المواجهة، إن أدت إلى إخضاع الزوايا التي في متناوله، فإنها لا تفيد مع الزوايا الممتنعة".