الحذاء وتاريخه: كتاب الأزمنة والأمكنة


ليس الحذاء جلدًا ميتًا يطوّق قدمًا حيّة فقط، فلم تكن "أوتزي" 3300 ق.م مومياء رجل الثلج التي وجِدت في جبال الألب مجرد جثّة من العصر النحاسي، بل رسالة من ماضينا العتيق تخبرنا بأننا لم نعد نمشي على التراب حفاة، وإنما نخطّ آثارنا بأحذية كأنها أقلام تُخبر عن تصوّراتنا حول أنفسنا والعالم الذي نعيش فيه. في البدء، كان الحذاء رحمًا يحمي هشاشة القدم الإنسانية من وخز الحصى والأشواك، ومن سمّ القرّ، ومن جمر الحرّ! لكنّه سرعان ما تحوّل إلى نصّ سيميائي بليغ ننتعله بأقدامنا؛ فالرمز السياسي الذي يتضمّنه صندل الفرعون الذي يطأ وجوه الأعداء، لا يمكن تجاوزه.
وكذلك رموز أحذية النبلاء المسمّاة "بولين" (Poulaines) في العصور الوسطى بمقدماتها الطويلة المستفزّة، لا تقتصر على هيئة معينة للحذاء، وإنّما هناك مسافة تقاس بالطبقية والسيادة قبل أن تقاس بالسنتيمترات. إنّ الحفر في "علم الكالسيولوجيا" (علم تاريخ الحذاء) لا يبحث في تقنية صناعة الحذاء فقط، بقدر ما يكشف عن تطور الإنسان؛ فالحذاء هو السجن الذي اخترناه طوعًا لأقدامنا، وهو الشاهد الصامت على كدح العمل في لوحات فان غوخ عن الأحذية، حيث يختزل اهتراء جلدها تاريخًا من التعب الوجودي، تمامًا كما اختصر حذاء إستراغون في عبثية بيكيت استحالة الخلاص.
في هذا المقال، ننزع عن الحذاء صفته الاستعمالية، كي نتعرّف عليه كأداة ثقافية، وككائن أسطوري يربطنا بالأرض تارة، ويرفعنا فوقها تارة أخرى، باحثين في تاريخه عن تلك اللحظة التي تحوّل فيها من حاجة إلى هوية، ومن درع للقدم إلى مرآة للروح.
يعتقد العلماء بأنّ ارتداء الحذاء يعود إلى 40 ألف سنة ق.م، ومن ثمّ أصبح شبه منتظم حوالي 26 ألف ق.م. ولقد تنبّهوا إلى أنّ الإصبع الصغيرة من القدم بدأت تصبح أضعف وأصغر، ما يشير إلى أن تلك الإصبع الصغيرة لم تعد تلامس الأرض مباشرة وبدأت تعتمد على حماية الحذاء. وقد وجدوا دليلًا حسيًا على ذلك في كهوف إسبانيا وفرنسا؛ وهو عبارة عن آثار أقدام بشرية، توحي بأن صاحبها كان يرتدي نوعًا من الأغطية الجلدية البسيطة (لفافة)، لأن شكل أثر القدم على الأرض يختلف عن قدم الإنسان الحافي. وفي كهف "فورت روك – ولاية أوريغون – الولايات المتحدة الأميركية" عثروا على أزواجٍ من الصنادل منسوجة من لحاء نبات المريمية مدفونة في الرماد البركاني، ما حافظ على تلك الألياف النباتية من التحلّل، ولقد استنتجوا بأن انتعال الأحذية أصبح عادة. أما أقدم حذاء جلدي وجِد فيعود لعام 3500 ق.م في كهف "أرني" (أرمينيا) ولقد صُمم ليكون مريحًا، وهو يشبه أحذية "الموكاسين" (الخفّ الجلدي) التي تصنع من قطعة جلدية واحدة.
صنعت الأحذية من المواد الطبيعية كالجلود الحيوانية المتنوعة من بقر وغنم وماعز وغيرها إلى جانب الألياف النباتية كأوراق البردي والقشّ المنسوج، والكتان والقنب والخشب، قبل أن تتحوّل إلى المطاط "الكاوتشوك" في القرن التاسع عشر، ما سمح بصناعة نعال مرنة وصامتة. وفي القرن العشرين استخدمت المواد الصناعية والكيميائية كالبلاستيك والبوليمر، والتي وفرت بدائل رخيصة للأحذية. والآن هناك عودة إلى المواد المستدامة الطبيعية كالجلود النباتية مثل ألياف الأناناس وقشور التفاح ومن البلاستيك المعاد تدويره، فهذا الجانب الاستعمالي والتقني لا يشكّل إلا جزءًا صغيرًا من تاريخ الحذاء.
الحذاء عتبة بين المقدّس والمدّنس
إن ثيمة خلع النعال، في الممارسات الطقوسية الدينية، ليست مجرد أفعال نظافة فحسب، وإنما هي عملية تعرية وجودية تهدف إلى إزالة الحواجز بين الإنسان والمقدس، فعندما يخلع الإنسان نعليه، فإنه يتخلّى عن أداته أو جبروته التي طوّع بها غلظة الأرض. ونستطيع أن نستدل على هذا؛ من معنى النّعل: الحذاء، وجمعه نِعال، ورجل ناعل أي يلبس حذاء في قدمه، وأيضًا النّعل هو الأرض الغليظة وجمعها نِعال، وهذا الجناس الكامل بين النعل/الحذاء والنعل/الأرض الغليظة، يأتي من أن النعل/الحذاء يقي باطن القدم من غلظة الأرض، وخلعه يعني العودة إلى الفطرة الأولية، حيث يقف الإنسان أمام المقدس بقدميه العاريتين، كما ولد، دون أي حماية صناعية أو رمزية طبقية يمنحها الحذاء.
وجاء في التفسير بأن الطلب من النبي موسى أن يخلع نعليه في الوادي المقدّس، يعود إلى سببين: الأول لأن حذاءه كان من جلد حمار ميت وهذا يعتبر نجاسة. والثاني أن موسى بعدما قتل رجلًا مصريًا هرب إلى البرية، وقد حماه نعله من خشونتها وبالتالي أشعره بالسلطة، لذلك توجّب عليه أن ينزع عنه كل تكبّر وضمنًا النعل مادام هو في حضرة الألوهة. وفي التقاليد الفرعونية كان الفرعون يرتدي حذاء نقشت صور أعدائه عليه أي أنه يدوسهم بسلطته. وعلى هذا النحو منع العبيد من لبس الأحذية، ففي روما واليونان ومصر القديمة، كان العبيد يسيرون حفاة، بينما يرتدي الأسياد الصنادل والأحذية. وإذا تتبعنا ثيمة خلع النعال، نجد في اليابان بأنها تتم في المعبد والبيت، فالخارج يمثّل التلوّث، فيما داخل المعبد والبيت يصوّر كمكان نقي. ولدى الهندوس يعتبر الحذاء ملوثًا لأنه مصنوع من جلد الحيوان.
إنّ النظر إلى الحذاء كأداة سلطة أو تلوث، دفع بالكهنة إلى أن يرتدوا أحذية مصنوعة من الأعشاب أو الخشب وخاصة عند دخول المعابد. تقدّم لنا أسطورة الإله راما الهندوسية بيانًا واضحًا عن معاني الحذاء وخاصة السلطوية. لقد نفي الإله راما إلى الغابة لمدة أربعة عشر عامًا بسبب مكيدة من زوجة أبيه ليكون العرش من نصيب ابنها "بهاراتا" لكن الأخ الأصغر رفض ذلك، وذهب إلى الغابة ليقنع أخاه بالعودة، لكن راما امتنع عن العودة، فتوسّل الأخ لراما بأن يمنحه حذاءه "البادوكا" الخشبي، ليضعه بدلًا منه على العرش ويحكم بوصاية الحذاء. ويدعم هذا التفسير، بأن الحذاء يقوم مقام من ينتعله؛ قصة حذاء الفيلسوف إمبيدوكليس الصقلي الذي قال إن العالم يتكون من أربعة عناصر: "النار، الهواء، الماء، التراب". لقد ادعى إمبيدوكليس الألوهة ولكي يثبت لرفاقه ذلك وكان في أواخر عمره، دعاهم إلى حفلة ساهرة، ثم غافلهم وصعد بركان جبل "إتنا" ورمى نفسه في الصهارة، كي لا يبق منه شيء، وهكذا يثبت بأنه إله، فلقد اختفى من الأرض من دون أثر، لكن البركان لفظ حذاء إمبيدوكليس البرونزي، فوجده أصدقاؤه، فذهب مكر الفيلسوف سدى.
صراع الطبقات الماركسي
كثيرًا ما نرى في الانتفاضات الشعبية استخدام الحذاء كأداة لمواجهة السلطة الديكتاتورية وإذلالها. وهذه الحركة الاحتجاجية تكمن في مفارقة صارخة، فالحذاء الذي يرمز لسيادة وسلطة من ينتعله، هو نفسه الذي وصم من يصنعه بالنبذ، حاله مثل حال الشعوب التي يستمد منها الديكتاتور سلطته لكنه يقصيها ويستبد بها. ففي العديد من الحضارات، وضِع صنّاع الأحذية في أدنى درك في السلم الاجتماعي، ليس لقلّة مهاراتهم، بل بسبب مادية عملهم التي تتصل بالموت/الجلود، وبالأقدام/أدنى جزء في الجسد. تعدّ طبقة "التشامار " في الهند المثال الأكثر قسوة ووضوحًا لهذه الطبقية. ففي نظام الطوائف الهندوسية، نجد طبقة "التشامار" التي تنتمي إلى المنبوذين، ويعود سبب النبذ وفقًا للمعتقدات الهندوسية، لأن لمس جلود الحيوانات الميتة يُعد نجاسة دائمة. والمفارقة تكمن أنهم هم من يصنعون "البادوكا" المقدّس للملوك والكهنة، إلا أنهم كانوا يمنعون من دخول المعابد أو لمس أفراد الطبقات العليا، فالحذاء هنا يُقدّس كرمز، وصانعه يُنْبذ كنجاسة.
أما في اليابان في الزمن الإقطاعي، كان هناك طبقة "الإيتا" وتعني حرفيًا: كثير القذارة وذلك بسبب عملها في المهن التي تتعامل مع الموت، مثل الجزارة، والدباغة، وصناعة الأحذية الجلدية، حيث كانوا يجبرون على العيش في أحياء معزولة، ويُمنعون من التزاوج مع الطبقات الأخرى. وعلى الرغم من إلغاء القوانين التمييزية، لا تزال هناك رواسب اجتماعية تجاه العائلات التي تنحدر من أصول عملت في صناعة الجلود.
في العصور الوسطى الإسلامية، كانت بعض المهن تُصنف كمهن دنيئة أو وضيعة في العرف الاجتماعي والقبلي ومنها الإسكافي، لكونه يتعامل مع أقدام الناس وأوساخها، مّا رتب في تخطيط المدن الإسلامية القديمة أن تبعد مهن الدباغة وصناعة الجلود إلى أطراف المدينة أو الأسواق الخلفية، بسبب الروائح الكريهة المرتبطة بعملية الدباغة، ما خلق إقصاء مكانيًا أدّى لاحقًا لتموضع اجتماعي معين. هذه الطبقية كان لا بدّ أن تقود إلى ثورات ولو رمزية، فنجد في "ألف ليلة وليلة" قصة "معروف الإسكافي"، فمعروف صانع أحذية تتنمّر وتتسلّط عليه زوجته، فيهرب منها، وتقوده الحظوظ إلى أن يجد كنزًا بمساعدة أحد الجان، ومن ثم يصبح غنيًا، لكن ماضيه في صناعة الأحذية، ما زال يطارده، فيكذب ويخبر الناس بأنه تاجر غني، ويتزوج من الأميرة، لكن بعد عدّة مغامرات تنفضح أصول معروف الطبقية، إلا أنه يسترد وضعه فيما بعد، ويحكم بالعدل في المملكة. تكمن عبرة القصة بأن أصلك المتواضع لن يمنعك أن تصبح ملكًا لكن بمساعدة أحد الجان! أما في الهند فتعدّ حركة "بي. آر. أمبيدكار" هي الثورة الأخلاقية والسياسية الأهم في تاريخ الهند الحديث، حيث حولت المنبوذين من فئة مستسلمة لقدرها الميثولوجي إلى قوة سياسية فاعلة تطالب بحقوق المواطنة.
وُلد بيمراو رامجي أمبيدكار عام 1891 لعائلة من "الداليت" (المنبوذين). ولقد عانى في طفولته من أبشع أنواع التمييز؛ حيث كان يجبر على الجلوس خارج الفصل الدراسي، ويمنع من لمس وعاء الماء الذي يشرب منه بقية الطلاب. لكنّه كسر هذا الطوق وأصبح أول منبوذ يحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة كولومبيا ولندن للاقتصاد، ليصبح؛ أحد آباء الدستور الهندي. رفض أمبيدكار مصطلح "أبناء الله" الذي أطلقه غاندي على المنبوذين، معتبرًا إياه مصطلحًا عاطفيًا لا يغير من الواقع الحقوقي شيئًا. وفضّل مصطلح "المسحوقين أو المحطمين" ليعبر عن الحالة المادية والاجتماعية التي فرضها نظام الطوائف عليهم. واحتجاجًا على ذلك، قاد أمبيدكار آلاف المنبوذين ليشربوا من خزان ماء "تشودار" العام، وهو فعل كان محرمًا عليهم.
في هذه الحركة، لم يكن الهدف الماء بحدّ ذاته، بل استعادة الكرامة اللمسية؛ أي كسر الأسطورة التي تقول بأن لمس المنبوذ للمواد يلوّثها. في عام 1927، قام أمبيدكار بحرق كتاب "مانوسمريتي" علنًا، وهو النصّ الهندوسي القديم الذي شرعن تقسيم المجتمع إلى طبقات، ووصم صناع الجلود والأحذية بالنجاسة. كانت هذه اللحظة إعلانًا عن نهاية الشرعية الدينية للظلم الاجتماعي. في نهاية حياته، وصل أمبيدكار إلى قناعة بأن المنبوذين لن ينالوا كرامتهم داخل الإطار الهندوسي، لذلك اعتنق البوذية مع نصف مليون من أتباعه. لقد اختار البوذية لأنها فلسفة هندية المنشأ، لكنها ترفض الطبقية وتؤمن بالمساواة المطلقة. عادة ما يصوّر أمبيدكار وهو يرتدي بذلة غربية وحذاءً رسميًا أنيقًا. لم يكن هذا مجرد تقليد للغرب، بل كان تمردًا بصريًا؛ فالحذاء الذي كان السبب في ذلّ شعبه أمام الطبقات العليا، أصبح يرتديه وهو يكتب قوانين الدولة بأكملها.
وإذا كان بهاراتا قد وضع نعل راما على العرش ليحكم بالنيابة عن الإله، فإن أمبيدكار قد رفع الإنسان الذي يصنع ذلك النعل ليجلس على منصة التشريع. إن حركة أمبيدكار هي اللحظة التي توقف فيها الحذاء عن كونه أداة في الفصل الطبقي المجتمعي، ليصبح الوسيلة التي يصل بها الإنسان لكرامته السياسية. كان هيفايستوس إلهًا من ذوي الإعاقة عند الإغريق، لكنه كان صانعًا وتقنيًا عظيمًا، فلقد صنع أسلحة آلهة الأوليمب، ومع ذلك لم يشفع له ذلك، فظل منبوذًا حتى أجبرهم على الاعتراف به. وكان لدى الإغريق رسول للآلهة يدعى هرمس "إله الطرقات"، لكنه كان يحتاج لأجنحة تساعده في أسفاره بين السماء والأرض، فاخترع له هيفايستوس حذاءً بأجنحة اسمه: تالاريا. ومن خلال هذه القصة نستوعب أن الآلهة كانت تحتقر الصنّاع، لكن أحد الآلهة كان صانع أحذية عظيم، صحيح أنه لم يصنع إلا حذاءً واحدًا، لكنه كان رمزًا للعمل الصامت للعمال، وكيف يغيرون التاريخ بصمت، إنه الإله فيدار الأعظم من ثور صاحب المطرقة في أفلام مارفل.
تُعد شخصية "فيدار" من أكثر الشخصيات إثارة للتأمّل في الميثولوجيا النوردية، فهو ابن الإله الأعظم "أودين" من العملاقة "غريد"، ويُعرف بلقب "الإله الصامت". تجسّد هذه الشخصية القوة الكامنة التي لا تظهر إلا في اللحظات المصيرية، حيث يمثل مبدأ البقاء والاستمرار بعد الدمار الشامل. يمتلك فيدار أداة سحرية فريدة هي "الحذاء الغليظ". ووفقًا للأساطير، صُنع هذا الحذاء من جميع قطع الجلود التي يرميها الإسكافيون عند إصلاح الأحذية: القطع التي تُقص من الكعب والأصابع.
هذا الحذاء ليس مجرد قطعة ملابس، بل هو سلاح أنطولوجي صُمم خصيصًا لمواجهة الذئب الرهيب "فنرير" في معركة "راغناروك" (يوم القيامة). يبتلع الذئب فنرير الإله أودين، وهنا يأتي دور فيدار؛ إذ يضع قدمه التي ترتدي الحذاء السحري على الفك السفلي للذئب، ويمسك بيده الفك العلوي، ثم يشق فم الذئب حتى يقتله، منتقمًا لوالده. بعد انتهاء "راغناروك" وهلاك معظم الآلهة، ينجو فيدار وشقيقه فالي، ويستقران في الحقول التي كانت تُعرف سابقًا بـ"أسغارد". إن وجوده يرمز إلى تجدد الحياة من بين الأنقاض، وإلى أن الصمت والعمل الهادئ؛ هما اللذان يضمنان البقاء، حينما تسقط القوى الصاخبة والمتحاربة.
الكعب العالي من رمز للتراجيديا إلى الإثارة
يعود أول استخدام للكعوب في الأحذية إلى اليونان، وخاصة في المسرح التراجيدي، فلقد كان الممثلون في القرن الخامس قبل الميلاد ينتعلون أحذية بكعوب سميكة، تعرف باسم: "الكوثورنوس"؛ كانت تهدف لتسهيل رؤية الممثل من قبل المتفرجين هذا من جهة، ومن جهة أخرى استخدمت الكعوب للتمييز بين الشخصيات التي يؤدّيها الممثلون، فكلما زاد ارتفاع كعب الحذاء دلّ ذلك على أن الشخصية إلهية أو مقدسة. وفي المقابل، كانت الشخصيات الثانوية أو الكوميدية تنتعل أحذية مسطحة تعرف بــ"السوكوس". هذا التمييز الطبقي ساهم في تحديد نوعي المسرح اليوناني المشهورين، فالتراجيديا والفن الرفيع تعرف بـ"الكوثورنوس"، بينما الكوميديا والملاهي العامة تعرف بـ"السوكوس".
هذا التفريق بين نوعي الأحذية والبشر والفن يرجع إلى أن اليونانيين كانوا يعتقدون بأن الارتفاع يمثّل الاقتراب من الأوليمب وفي الوقت نفسه الابتعاد عن الأرض/الفناء، بحيث يصبح الحذاء بكعبه العالي أداة تحويلية تنقل الإنسان من حالته البشرية الفانية إلى حالة البطل الأسطوري الذي يواجه القدر الحتمي وقد ينال الخلود جرّاء ذلك. ومن المسرح ننتقل إلى الحرب والفرسان، ففي القرن العاشر الميلادي في بلاد فارس كان الكعب ابتكارًا عسكريًا صُمم خصيصًا لخيالة الجيش الساساني الفارسي، حيث كان الكعب يساعد الفارس على تثبيت قدمه داخل الركاب أثناء ركوب الخيل، ما يسمح له بالوقوف بثبات لإطلاق السهام بدقة دون أن ينزلق.
وبعد ذلك انتقل إلى أوروبا في نهاية القرن السادس عشر، فقد أرسل الشاه عباس الأول بعثة دبلوماسية إلى أوروبا، فانبهر الأرستقراطيون الأوروبيون بأحذية الفرسان التي تمنحهم قامة فارعة ومظهرًا مهيبًا، فتبنّوا الكعب كرمز للرجولة والقوة العسكرية. وفي القرن السابع عشر، وتحديدًا في فرنسا، تحول الكعب من أداة عسكرية إلى رمز اجتماعي. أطلق الملك لويس الرابع عشر موضة الكعوب العالية، وكان يصبغ كعوب أحذيته باللون الأحمر الغالي الثمن. وهنا أصبح للكعب العالي دلالات أخرى تتجاوز المسرح والحرب، فجاء مصطلح "عالي الكعب" ليدل على الرفعة والسمو الطبقي؛ فمن يرتدي كعبًا عاليًا لا يحتاج للعمل في الحقول أو السير في الطين، بل هو شخص ينتمي لطبقة لا تمشي كثيرًا وتعيش في البلاط. حتى نهاية القرن السابع عشر، كان الكعب العالي قطعة أساسية في خزانة الرجال والنساء على حد سواء، ومع مطلع عصر التنوير في القرن الثامن عشر، بدأ الرجال يتجهون نحو الأحذية المسطحة الأكثر عقلانية وعملية، بينما استمر الكعب في التطور في أزياء النساء، ليعاد تعريفه لاحقًا كعنصر للأنوثة والجمال والفتشية.
الحذاء كهوية
لفترة طويلة من الزمن، كان الحذاء قطعة مبهمة التمايز، لا تعترف بالفوارق البيولوجية، فحتى القرن التاسع عشر، كانت الغالبية العظمى من الأحذية تُصنع بشكل لا يميّز بين القدم اليمنى والقدم اليسرى، حيث كان على مرتدي الحذاء أن تتوافق قدمه مع الحذاء بمرور الوقت من خلال الضغط والاستخدام، وليس العكس. ويعود ذلك لأن هذا التصميم أسهل في الإنتاج الكمي وأرخص ثمنًا، حيث يستخدم الإسكافي قالبًا واحدًا لكلا القدمين، ولا يهم إن سبب المعاناة والآلام والتشوهات عند المشي لمسافات طويلة. بدأت تظهر محاولات خجولة في إنجلترا وفرنسا لصناعة أحذية مخصّصة لكل قدم، ولكنها كانت حكرًا على الطبقات الأرستقراطية العليا، وكانت تصنع يدويًا وبكلفة باهظة كنوع من الترف والرفاهية المطلقة.
جاء التحوّل الجذري في منتصف القرن التاسع عشر، فقد تنبّاه قادة الجيوش، خاصة في الحرب، لأن الجنود كانوا يعانون من إصابات بالغة في أقدامهم تمنعهم من المسير الطويل بسبب الأحذية المتماثلة الفردتين، ما دفع إلى ابتكار أحذية تميّز بين القدم اليمنى والقدم اليسرى لزيادة كفاءة الجندي وقدرته على التحرّك. يعود تكريس هذا التمايز إلى وليام يونغ من خلال قوالب مختلفة لكل قدم، وذلك في أوائل القرن التاسع عشر؛ وبحلول عام 1850 بدأ المصنعون في تبني هذا النظام بشكل تجاري واسع. إن انتقال الحذاء من المتماثل إلى المتمايز يمثل لحظة اعتراف الصناعة بالفردية البيولوجية، فلم يعد الإنسان مجرد مستقبل للقالب الجاهز، وإنما أصبح القالب هو الذي ينحني لخصوصية الجسد البشري.
لم تكن دومًا الأحذية متماثلة، فقد ظهرت أحذية للذكور والإناث ذات مضمون جنسي، مثل حذاء زهرة اللوتس الصيني وحذاء البولين في القرون الوسطى للذكور. تُعرف أحذية اللوتس بأنها تلك الأحذية الصغيرة والمخروطية التي صُممت خصيصًا في الصين لمواكبة طقس تصغير القدم، فالقدم الصغيرة كانت رمزًا للجمال. لقد استمرت هذه الممارسة لأكثر من ألف عام، وتمثل واحدة من أكثر فصول تاريخ الأحذية إيلامًا، فقد كانت تشوّه القدم وتضغط عليها حتى تصبح كالقوس، فالأصابع إلى الداخل ورخم القدم مقوس كالهلال.
سُمي الحذاء بهذا الاسم تشبيهًا لقدم المرأة ببرعم زهرة اللوتس. كان الطول المثالي للقدم التي تُعتبر لوتس ذهبية هو 3 بوصات حوالي 7.6 سم فقط. أما القدم التي يصل طولها إلى 4 بوصات فكانت تُسمى لوتس فضية". كان الهدف من هذا الحذاء الجهنمي هو السيطرة على حركة الأنثى من خلال الجمال، فقد كان يُنظر للقدم الصغيرة كأهم معايير الجمال والأنوثة في الصين الإمبراطورية، وكانت تذكرة الدخول الوحيدة لزواج مرموق.
مثّل حذاء "البولين" في العصور الوسطى ذروة التعبير عن الأنا الذكورية والسطوة الطبقية، حيث تحول الحذاء من وسيلة للمشي إلى بيان سياسي وجنسي صارخ، إذ كان هناك ربط ذهني وشعبي بين طول مقدمة الحذاء وبين القوة البدنية والجنسية والمكانة الاجتماعية للرجل. كان الرجل الأرستقراطي يهدف من خلال الطول المبالغ فيه إلى القول: "أنا لا أحتاج للعمل بيدي، ولا أحتاج للركض خلف لقمة العيش". وكان الارتخاء الملحوظ في المقدمة يُنظر إليه أحيانًا كإشارة رمزية للفحولة، ما جعل الكنيسة تصفه بأنه "أحذية الشيطان" وعدته تحريضًا على الفجور. أما شكله، فلقد كان فنتازيًا حيث وصل الطول في أحذية الرجال إلى مستويات عبثية، حيث كانت المقدمة تتجاوز طول القدم بمرتين أو ثلاث مرات.
الحذاء كثيمة إنسانية
يتشابك تاريخ الحذاء مع المسارات الأسطورية والدينية والسياسية والاجتماعية والأدبية، ليقدّم صورة شبه مكتملة عن علاقة الإنسان مع نفسه ومجتمعه وأقداره. كانت الأحذية تاريخيًا تصنع بشكل متماثل، لا يفرق بين اليمين واليسار، كما في العصور الوسطى، لكنّ الأدب استخدم الأحذية لتحديد مصائر أصحابها بدقة متناهية. ففي قصة مثل "خفّي حنين" يمثل الحذاء في التراث العربي الخيبة المطلقة وفخاخ الهوية، حيث يخدع ابن المدينة ابن البادية. بينما مع البخيل أبي القاسم الطنبوري أصبح الحذاء هوية ثانية ترفض الفناء، فالماضي لا يمكن خلعه؛ فكلما حاول الطنبوري التخلّص من حذائه، عاد إليه ليكون سببًا في شقائه.
أمّا قصة "القط ذو الجزمة"، فتعيدنا إلى تاريخ الحذاء كرمز للفروسية والطبقة الأرستقراطية. إن ارتداء القط للجزمة ليس فعلًا جماليًا فقط، بل هو استيلاء على رمز مالي وسلطوي، وأكثر من ذلك، فالجزمة لها القدرة على تحويل حيوان بيتي أليف إلى إنسان. تأتي قصة "سندريلا"، كأول مثال عن ظهور الفرد المستقل في المجتمعات، فإذا كان تاريخ الصناعة قد تأخر في ابتكار أحذية "يمين ويسار" لتناسب مقاسات كل فرد من البشر، فإن حذاء سندريلا سبق الصناعة بقرون؛ فهو الحذاء الذي لا يقبل القسمة مع أحد آخر، ولا يناسب إلا قدمًا واحدة بعينها؛ إنها قدم سندريلا. ارتبط اللون الأحمر في الأحذية بالسطوة والرفعة والإغواء، ففي قصة الدانماركي هانس كريستيان أندرسن، يتحوّل الحذاء الأحمر إلى قوة شيطانية، فالإنسان عندما تسيطر عليه رغباته يستعبده الحذاء بدلًا من خدمته.
ساد المذهب الوجودي مع سارتر وتلقفه العبثي المسرحي صمويل بيكيت، حيث أصبح الحذاء، تمثيلًا للسجن الوجودي، فصراع إستراغون مع حذائه الضيق في مسرحية "في انتظار غودو" هو المعادل الموضوعي لصراع الإنسان مع زمنه وجسده المتهالك، وكأن بيكيت يرد على تفاؤلية سارتر الوجودية، بأن الوجود ليس صناعتنا أبدًا، فهو كحذاء إستراغون ولسان حاله يقول: ما نفع وسع العالم وحذائي ضيق على قدمي.
اتّخذ الحذاء معانٍ كثيرة خلال مسيرة حياته الطويلة جدًا، فمن الكوثورنوس اليوناني الذي يرفع الممثّل ليقترب من الآلهة، إلى البولين الذي يعطل حركة النبلاء معلنًا ثراءهم، إلى أحذية العسكر ورعبها، كما في أحذية الجيش النازي ومشية الإوزة في القرن العشرين، حيث يذوب الجسد الفردي للجندي داخل حركة جماعية صارمة، وكأن الجيش آلة أبدية. إلى أثر حذاء رائد الفضاء نيل آرمسترونغ على القمر، الذي قال عندما خطا خطوته الأولى: "هذه خطوة صغيرة للإنسان، لكنها قفزة عملاقة للبشرية". لقد كتب الحذاء تاريخ خطوات الإنسان على هذه الأرض ولربما سيكتبها على كواكب أخرى، وذلك لأن تاريخ الحذاء؛ هو تاريخ محاولاتنا المستمرة لتشكيل هويتنا عبر ما نرتديه في أقدامنا إلى جانب ما يدور في رؤوسنا من أفكار.