"أحلاف عابرة للدين".. مسلمون ومسيحيون حاربوا في خندق واحد
صفحات منسية من التاريخ تُخبر بأن المسلمين والمسيحيين خاضا حروبًا مشتركة في أوروبا، تحت راية واحدة وضد عدو واحد
تحصر السرديات المتداولة حروب المسلمين والمسيحيين في إطار الصراع الديني بينهما، غير أن صفحات منسية من التاريخ تُخبر بأن الطرفين خاضا حروبًا مشتركة في أوروبا، تحت راية واحدة وضد عدو واحد، قد يكون مسلمًا أو مسيحيًا، لكن في النهاية انتشى الطرفان بفرحة الانتصار الواحد وتجرعا آلام الهزيمة الواحدة.
فرنسيون يتحالفون مع المسلمين ضد الفرنجة
في كتاب "المسلمون في أوروبا في العصور الوسطى"، يرصد الدكتور إبراهيم علي طرخان بعضًا من المعارك التي خاضها المسلمون والمسيحيون معًا وفي خندق واحد. يذكر، أنه بعد هزيمة المسلمين من الفرنجة بقيادة القائد الإفرنجي شارل مارتيل عام 732م في معركة تور بواتييه، والمعروفة بموقعة "بلاط الشهداء"، أسرع والي إفريقيا عبيدة بن عبد الرحمن وأرسل مددًا من الجند والعتاد بقيادة عبد الملك بن قطن الفهري، خلفًا لعبد الرحمن الغافقي، ثم بعث بخبر الفاجعة إلى الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك وما فعله، فأمره الخليفة بغزو فرنسا وأخذها بالسيوف من كل جانب.
وبالفعل، توجه عبد الملك الفهري أول الأمر إلى نواحي شمالى الأندلس وهاجم قطالونيا، وقاعدتها برشلونة، وكذلك أرغون ونبره (نافار)، ثم عبر جبال البرانس، واتجه إلى لانجدوك، وحصّن المعاقل التي كانت لا تزال بأيدي المسلمين. وكانت منطقة سبتمانية آنذاك تعاني فوضى واضطرابًا بسبب الحروب المتوالية وهزيمة المسلمين في "بلاط الشهداء"، وحاول بعض زعمائها انتهاز فرصة هذه الاضطرابات وتوزيع البلاد فيما بينهم، وأدى ذلك إلى صراع بينهم، ما جعل بعضهم يرتمي في أحضان المسلمين خشية وقوعهم تحت سلطة القائد الإفرنجي شارل مارتيل المعروف عند العرب بـ"قارله".
والواقع أن أهالي جنوبي فرنسا، رغم انتصارات قارله على المسلمين، كانوا يكرهون الفرنجة لأنهم برابرة في نظرهم، في حين أن أهالي جنوبي فرنسا تشبعوا بالحضارة الرومانية. وبحسب طرخان، كان هناك خلاف جوهرى بين جنوب فرنسا وشمالها، فبينما تسود الجنوب حضارة البحر الأبيض اللاتينية والبيزنطية، فإن الصبغة الجرمانية تطغو على شمال فرنسا، وهذا سر عدم ولاء إقليم بروفانس في جنوب فرنسا والمواطنين فيها للفرنجة الجرمان.
وفضلًا عن ذلك، فإن قارله عندما استرجع أملاك الكنائس والأديرة التي كانت بحوزة المسلمين لم يردها إلى أهلها، بل وزّعها على رجاله. وأكثر من ذلك، لم تسلم كنوز الكنائس من نهب قارله وجنوده، ما أغضب القساوسة وعامة الناس. وربما هذا ما يفسر تحالف مورون، الذي كان يتحكم في أغلب إقليم بروفانس واتخذ لقب "دوق مرسيليا"، مع المسلمين، وكذلك أسقف أوكسير وغيرهما.
واتفق دوق مرسيليا مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وزحفا معًا وعبرا نهر ردونة (الرون) واستوليا على "أرل" عام 735م، ثم حاصرت الجيوش المتحالفة مدينة "فرتا"، المعروفة اليوم باسم "سان ريمي"، ثم تقدمت هذه الجيوش واستولت على "أفيليون"، التي يسميها العرب "صخرة أبنيون"، وتعرف اليوم باسم "أفنيون".
ووصل المسلمون إلى نهر ديرانس، أحد فروع الرون الذى تقع عليه مدينة أفنيون، عند نقطة اتصاله بالرون، وظلوا يتحكمون في إقليم بروفانس أربع سنوات، لم يجرؤ خلالها أحد على منازعتهم السلطان فيها، وتوالت بعدها انتصارات المسلمين. وخلال الفترة 737–739م ثار مورون دوق مرسيليا مرتين ضد الفرنجة وجدد حلفه مع المسلمين الذين ساعدوه.
المسلمون وقبائل "البشكنس" المسيحية ضد الفرنجة
كما استعانت قبائل البشكنس المسيحية بالمسلمين في حربها ضد الفرنجة عام 778م. يروي طرخان، أنه أثناء معارك ملك الفرنجة شارلمان مع المسلمين ومحاولاته ضم أجزاء من إسبانيا، تجددت ثورات السكسون ضده، فانتهز هؤلاء فرصة انشغاله في معاركه وثاروا بقيادة زعيمهم الوطني "فينكيند"، واستولوا على مدينة "دتز" المقابلة لمدينة كولونيا على نهر الراين، فاضطر شارلمان إلى الانسحاب من إسبانيا بعد فشل مشروعه، وفي طريق عودته دمر أسوار مدينة بنبلونة في شمال إسبانيا، بعدما عجز عن الاحتفاظ بها كنقطة ارتكاز له فيما وراء جبال البرانس. وأثار عمله هذا قبائل "البشكنس" المسيحية التي تسكن مناطق جبال البرانس الغربية بين شمال إسبانيا وجنوب غرب فرنسا، فتأهبت للانتقام.
ولما كانت هذه القبائل عاجزة عن مناجزة ملك الفرنجة في حرب صريحة مكشوفة، فقد ترقبت مروره داخل ممرات البرانس الضيقة عندما عاد يجر أذيال الخيبة من الطريق الشمالي إلى أقطانيا "أكويتانيا". ولم تكن هذه القبائل المتفرقة في تلك المناطق الوعرة تطمع في شيء أكثر من المغانم والمؤن التي يحملها جيش شارلمان العابر، ولم تكن مدفوعة بروح وطنية أو نحوها.
على كلٍ، وقف البشكنس في كمين قرب ممر وادی رونسفال، بعدما أمدهم القائد الأموي عبد الرحمن الداخل، المُلقب بـ"صقر قريش"، بالسلاح وبعض الرجال، وقدّر بعض مؤرخي اللاتين أن عدد المسلمين الذين اشتركوا في هذه الوقعة نحو 30 ألف مقاتل. وانتظرت هذه القوات المتحالفة حتى مرت مقدمة جيش شارلمان، وكان هذا الممر ضيقًا مظلمًا لتكاثف الغابات فيه وسط الجبال. وأنقض المسلمون والبشكنس على المؤخرة وأبادوها عن آخرها، بعد أن أبدت شجاعة فائقة واستماتة في القتال، وقُدرت هذه المؤخرة بنصف جيش شارلمان.
وخلال الصراع الداخلي في فرنسا زمن شارل الأصلع 877م استعان بعض الخصوم بالمسلمين، فأمدوهم بجنود، ما أجبر شارل الأصلع على طلب الصلح، كما يروي طرخان.
جمهوريات إيطاليا تستعين بالمسلمين
وامتد الدعم الإسلامي العسكري لإمارات إيطاليا. يروي طرخان، أن المسلمين اتخذوا من جزيرة صقلية نقطة وثوب على إيطاليا، ولم تستطع بيزنطة أن تفعل شيئًا لانشغالها في ميادين أخرى، لذا اتجهت البابوية في إيطاليا إلى الفرنجة لحمايتها. وكان معظم إيطاليا الجنوبية خاضعًا لأمراء إمارة "بنفتم" اللومبارديين، كما كانت هناك جمهوريات إيطالية صغيرة مجاورة لهذه الإمارة، وهي نابلي وجايتا وسورينتو وأمالفي وسالونو وكابوا، وهذه كلها تتبع الإمبراطورية البيزنطية اسميًا، ويسودها النظام الإقطاعي، وقد وقفت هذه الجمهوريات في وجه أمراء اللومبارد والحيلولة دون توسعهم على حساب الجمهوريات الأخرى.
ولما كانت هذه الجمهوريات الإيطالية تفتقر إلى مساعدات المسيحيين وتخشى من كثرة الحروب، وفي الوقت نفسه تقاوم مطامع الأمراء اللومبارديين في بنفتم، فقد اضطرت إلى محالفة المسلمين في صقلية، فتحالفت نابلي مع مسلمى صقلية عام 830م، ودام هذا التحالف نحو خمسين سنة رغم احتجاج المسيحيين هناك، وذلك بعدما سئمت نابلي من الخضوع لإمارة بنفنتم والإتاوة التى كانت تدفعها لها.
وقدم المسلمون مساعداتهم لجمهورية نابلي حين حاصرتها جيوش بنفنتم بقيادة سيكاردوس اللومباردي، ونجحت القوات الإسلامية التي أرسلها أبو الأغلب إبراهيم بن عبد الله والي صقلية في طرد المحاصرين، وخلال هذه العمليات، كان المسلمون يكرسون سلطانهم في صقلية. وبحسب طرخان، استعانة نابلي بالمسلمين كانت سابقة أولى من نوعها في إيطاليا، لكنها كثيرًا ما تكررت بعد ذلك، إذ لجأت مدن أخرى في الجنوب الإيطالي للمسلمين طلبًا للدعم العسكري، لا سيما خلال الحرب التي اندلعت بين إمارتي بنفتم وسمالرنو.
الأكثر من ذلك، أن صراعًا كبيرًا وقع في عام 839م بين الأمراء اللومبارد أنفسهم في بنفتم، واستعان المتنافسون بالمسلمين، فلجأ بعضهم إلى الأغالبة في إفريقيا وصقلية، ولجأ البعض الآخر إلى مسلمي كريت أو مسلمي إسبانيا، وأسفر هذا الصراع الداخلى عن تمكن المسلمين من اجتياح إيطاليا الجنوبية.
المسلمون رأس حربة الجيش النورماندي
ورغم سقوط الحكم الإسلامي في جزيرة صقلية على يد النورمانديين عام 1091م، إلا أن الاستعانة بالجنود المسلمين استمرت كما هي، بعدما سلك الكونت روجر الأول زعيم النورماند سياسة مرنة يغلب عليها التسامح الديني بما يضمن ولاء العنصر الإسلامي له واستمرار مجرى الحياة داخل الجزيرة، حسبما يذكر رشيد تومي في دراسة "النورمان والمسلمون في جزيرة صقلية في عهد الكونت روجر".
وكان لهذا التسامح الديني وقع إيجابي على كثير من مسلمي صقلية، إذ لم يجدوا غضاضة على إظهار الولاء والطاعة لروجر، ما جعل الأخير يفتح لهم باب الانخراط في جيشه لما آنسه فيهم من ثقة ومهارة في القتال، بل إنه توسّع في الاعتماد عليهم حتى غلبت الصبغة الإسلامية على جيشه وشكّلوا رأس حربة الجيش النورماندي، إذ بلغ عددهم أثناء حصار الكونت لمدينة أمالفي الساحلية بجنوب إيطاليا عام 1096 عشرين ألف محارب، وكذلك أثناء طوقه لمدينة كابو عام 1098 كان حجم القوة الإسلامية أضخم بكثير.
وساعدت هذه القوة الإسلامية روجر في القضاء على جميع أشكال المعارضة وحركات التمرد والعصيان، والتي كان يدبرها ضده كبار الأفضال – الأسياد – النورمانديين في صقلية وجنوب إيطاليا على حد سواء، كما عجّلت هذه القوة ببسط سيطرته على بعض المدن الإسلامية في صقلية.
وبحسب تومي، كان من الطبيعي أن تثير هذه السياسة القائمة على ترك الحرية الدينية للمسلمين انزعاج الكنيسة، حيث نظرت إليها نظرة ملؤها الشك وعدم الرضا، معتقدة أن روجر يؤثر مصلحة دولته عن مراعاة الأحكام الدينية. وقد تحمّل الأخير ضغوطًا ثقيلة من الكنيسة الداعية إلى تنصير المسلمين، لكن هذا الحرص الشديد على عدم إكراه المسلمين في دينهم لم يمنع روجر من بذل العطاء الوافر لمن يُقبل منهم على اعتناق المسيحية.
أحلاف رسمية ومرتزقة
يذكر إيان ألموند في كتاب "ديانتان تحت راية واحد.. حين قاتل المسلمون مع المسيحيين في معارك أوروبا"، وترجمته إلى العربية زينة إدريس، أنه في خضم الصراعات التي ظهرت في زمن الطوائف بين الإمارات الإسلامية بعضها البعض، وكذلك بين الممالك المسيحية، ظهرت مجموعة من التحالفات الإسلامية المسيحية، لا سيما مع تنافس الإمارات والممالك من الديانتين على مركز الصدارة، وكانت تلك التحالفات مُعقدة، لأنها غالبًا ما تحولت وتقلبت بحسب متطلبات الوضع.
ففي عام 1009مأقام بنو ذي النون الذين حكموا طليطلة حلفًا مع مملكة نافار المسيحية، في حربهم على الحدود مع مسلمي سرقسطة، وحين أدت ثورة البربر في الأندلس بين عامي 1008–1010 إلى نهب قرطبة، تلقى الجانبان مساعدة من مناطق الشمال المسيحي، فحصل العرب على دعم من مسيحي برشلونة، في حين هب جنود من قشتالة لمد يد العون إلى المتمردين البربر.
كما قصد عدد من الملوك والنبلاء المسيحيين بلاط الممالك الإسلامية طلبًا للمساعدة، ففي عام 958م سافر سانشو الأول ملك ليون إلى قرطبة قاصدًا الدعم العسكري من أجل استعادة مملكته.
وظهر أيضًا الاستخدام غير الرسمي لجنود مسيحيين ومسلمين كمرتزقة، ليحاربوا جنبًا إلى جنب ضد مسيحيين ومسلمين آخرين. وبحسب ألموند، كان أمير قرطبة الحكم الأول (توفي 822م) أول حاكم مسلم استخدم مرتزقة مسيحيين في صفوف جيشه، وفي الحملات الاثنين والخمسين التي قادها الحاجب المنصور بن أبي عامر في القرن العاشر ضد الدول المسيحية، ومنها غزو برشلونة عام 985م، إضافة إلى مدن أخرى، استخدم في جيشه عددًا كبيرًا من الفرسان المسيحيين شديدي الولاء. وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن العاشر، لم يتردد عدد كبير من النبلاء المتمردين في ليون في مساعدة المسلمين في غزواتهم لمملكة فيرموندو الثاني نظير مقابل مالي.
ومع أن ظهور الأيديولوجيا الصليبية بعد القرن الحادي عشر قلّص من هذه الأنشطة الحربية العابرة للأديان، إلا أنه لم يضع حدًا لها بأي حال من الأحوال، فثمة روايات تمتد إلى القرن الثاني عشر والثالث عشر وحتى الرابع عشر عن مرتزقة مسيحيين قاتلوا بحماسة عظيمة في صفوف جيوش إسلامية ضد عدو مسيحي. وليست قصة ريفيرتر الأول، فيكونت برشلونة (لقب يمنح للنبلاء)، والذي قاد عددًا من جيوش المرابطين بنجاح عظيم، سوى مثال على لا مبالاة المرتزقة بالانقسامات الدينية. كما أن اضطرار البابا إنوسنت الثالث في عام 1214م لتهديد المسيحيين بالحرمان الكنسي إن ساعدوا المسلمين ضد روما، يشير إلى أن أوروبا في العصور الوسطى لم تستجب بأكملها للدعوة إلى المشاركة في الحملات الصليبية، كما يذكر ألموند.
وبطبيعة الحال، ثمة شكل معاكس لهذا النموذج، أي جنود مسلمون حاربوا في صفوف جيوش مسيحية ضد عدو مسلم، وهو ما يمكن استخلاصه عبر الاستهجان الإسلامي لها، فعلى سبيل المثال استنكر الفيلسوف الأندلسي ابن رشد (توفي 1126م)، في إحدى الوثائق التي كتبها، إقدام عدد كبير من المسلمين في برشلونة على مساعدة المسيحيين في غاراتهم على الأراضي الإسلامية.
مسيحيون في الجيش العثماني
ولم يكن شرق أوروبا بمنأى عن هذه التجارب العسكرية، إذ خدم في الجيوش العثمانية مسيحيون على مستويات متنوعة وبطرق مختلفة. يشير ألموند إلى أن أكبر التشكيلات العسكرية في الإمبراطورية العثمانية تألف بالكامل من العبيد البلغار، كما عمل بعض المسيحيين كجنود على المدافع الثقيلة، وحاربوا أيضًا كجنود إلى جانب الأفواج الرسمية للسلطان، وخدم آلاف المسيحيين كـ"مغيرين"، وهي قوات تم تجنيد معظمها من شمال البلقان لتنفيذ غارات على بعض المناطق.
الأكثر من ذلك، أن الإمبراطورية العثمانية شهدت خلال القرنين السادس والسابع عشر تطورًا كبيرًا في التكنولوجيا العسكرية، معظمه أتى عن طريق خبراء مسيحيين غربيين وعثمانيين، لا سيما في سلاح المدفعية. على سبيل المثال، خلال حصار بلغراد عام 1465م تم تشغيل غالبية المدافع من قبل الألمان أو الإيطاليين أو المجريين.
حرب الخمسة عشر عامًا
غير أن مشاركة جنود مسيحيين في الجيش العثماني تجلت بوضوح فيما يعرف بـ"حرب الخمسة عشر عامًا". يروي ألموند أن هجومًا تركيًا على الجزء الكرواتي من الحدود بين الإمبراطورية العثمانية وإمبراطورية هابسبورغ شمال المجر تسبب في اندلاع هذا الصدام عام 1591م.
وفي منتصف الحرب، وتحديدًا عام 1597م، تذمر عدد كبير من الجنود الفرنسيين الذين أُرسلوا لمساندة هابسبورغ لعدم حصولهم على رواتبهم، واندلع قتال بينهم وبين زملائهم النمساويين، وقتلوا عددًا منهم، وعندما عرف الجنود الفرنسيون أن قوة كبيرة من جيش هابسبورغ آتية لتأديبهم عرضوا على العثمانيين الانتقال للقتال إلى جانبهم.
ورحب العثمانيون على الفور، ليس لمجرد القيمة الدعائية المترتبة على هذا الانتقال، بل لمهارة الجنود الفرنسيين العسكرية أيضًا. وبحسب ألموند، اعتنق بعض هؤلاء الجنود الإسلام، وأصبح أحدهم مديرًا لسنجق سيميندر العثماني، كما تلقوا معاملة جيدة، بل يمكن القول إنهم كانوا مدللين من قبل أرباب عملهم.
ومن الجوانب الأكثر أهمية لحرب الخمسة عشر عامًا، هو الكشف عن استعدادا متزايد من جانب المجريين المعادين لإمبراطورية هابسبورغ للتحالف مع العثمانيين في نضالهم ضد فيينا. فالمجر آنذاك كانت مقسمة إلى ثلاثة أجزاء، هابسبورغ في الثلث الغربي وتنتمي إلى فيينا، ومملكة ترانسلفانيا في الثلث الشرقي، والجزء الأوسط هو المجر العثمانية.
ولم تقتصر المشاركة المسيحية في الزحف العثماني إلى فيينا عام 1683م على المجريين فقط، بل اشتمل الجيش على يونانيين وأرمن وصرب وبلغار ورمانيين، وكل هؤلاء كانوا مناهضين لأسرة آل هابسبورغ الكاثوليكية.
مسلمون ومسيحيون على الجبهتين في حرب القرم
وبعد نحو مائتي عام من حصار فيينا، وتحديدًا في 1853م، اندلعت حرب القرم، والتي امتدت إلى أنحاء البحر الأسود كافة، من بلغاريا إلى حدود جورجيا، وشمال شرق تركيا. وبحسب ألموند، لم تكن حرب القرم صدامًا بين الحضارات، بل بين المشاريع الإمبريالية، فقد تحالفت فرنسا وبريطانيا وسردينيا الإيطالية لإنقاذ الإمبراطورية العثمانية من خطر الغزو الروسي، فنتجت عن ذلك سلسلة من المعارك خلال السنوات الثلاث التالية لـ1853م، وخلالها قاتلت أفواج مسلمة في كل الجيوش المشاركة، فشارك نحو خمسة وثلاثين ألف جندي جزائري في القوة الفرنسية، كما شارك جنود مسلمين غير نظاميين مع البريطانيين.
ونتيجة لتوسع الإمبراطورية الروسية في المقاطعات الشرقية مثل بشكيرستان، وكازاخستان، وسيبيريا، شاركت أفواج مسلمة كثيرة مع الجيوش الروسية في حرب القرم، مثل فوج "أولان التتري"، وحرس القرم التتري.
وفي الوقت نفسه اشتملت الجيوش العثمانية، التي تحارب إلى جانب الفرنسيين والبريطانيين، على ثلاث فئات من الضباط والجنود المسيحيين، الأولى هم الرعايا العثمانيين المسيحيين من اليونان والأرمن، والثانية هم القوات الأوروبية الشرقية التي جمعتها مقاومة مشتركة للحكم الروسي، وهم البولنديون والمجريون والرومانيون، والثالثة هم الضباط الأوروبيين الذين قادوا القوات العثمانية ضد الروس.
وجاء أعضاء الفئة الثالثة من إيرلندا وإيطاليا والمجر وإنجلترا وأمريكا وبلجيكا، وعملوا كضباط عثمانيين، واضطروا إلى استخدام أسماء تركية حتى لا يثيروا غضب الجنود الأتراك لعملهم تحت قيادة ضابط مسيحي. وبحسب ألموند، أعطت هذه الأسماء انطباعا بأن هؤلاء الجنود مسلمون، إلا أن عددًا صغيرًا منهم اعتنق الإسلام بالفعل.






رد مع اقتباس