القطن المصري.. ذهبنا الأبيض الملطخ بالدماء
كان لإجبار الفلاحين والملاك على التحوّل من إنتاج الحبوب والغلال والمحاصيل الغذائية إلى القطن، تأثير مباشر على أمنهم الغذائي، وبيئاتهم المحلية، بل وعلى الأرض نفسها
"يا قطن يا حلو يا أبيض من قلب الطيبين
يا أبو العود معجباني يا رزق الشقيانين".
- من تراث أغاني الفلاحين المصريين في موسم حصاد القطن
يحتفل المصريون في تشرين الأول/أكتوبر من كل عام ببداية موسم حصاد القطن، الذي يستمر حتّى نهاية تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام. يمتد تاريخ هذه الزراعة لقرون مضت، قبل أن تتحوّل إلى ركيزة اقتصادية أساسية مع صعود محمد علي باشا، الذي بدأ زراعة القطن طويل التيلة، ليصبح "كنزه" للحصول على النقد الأجنبي لبناء الدولة الحديثة.
مثّل محصول القطن عبر قرنين من الزمان حجر زاوية في عملية التصنيع، وبات مرتبطًا بالرخاء الاقتصادي للفلاحين والتجار ثمّ الصنّاع، لكن خلف هذا التراث من الفخر بالذهب الأبيض تاريخ أطول من القمع والتجريف والإحلال البيئي والزراعي والاقتصادي، لأنماط اقتصادية قديمة، ثبتت عملية التحديث جذورها على أجساد هؤلاء المصريون، الذين رووا الذهب الأبيض بدمائهم على يدي الباشا ورجاله.
في البدء كانت الغلال
خلال العصور الوسطى في مصر وحتى مطلع القرن التاسع عشر، تمتّع صعيد مصر بحكم ذاتي منحه حرية أكبر لتأسيس قواعد حكم ومنظومة اقتصادية قائمة على طبيعة البلاد والتقسيم الاجتماعي للسكان، إذ حكمت قبيلة الهوارة، التي كان آخر رؤوسها شيخ العرب همام، جنوبي مصر بدءًا من مدينة بني سويف وحتى أسوان أقصى الجنوب، بينما كانت إدارة الحكم ممثلة في مملكة "قنا"، التي تمتّعت بموقع جغرافي مميز منحه لها ميناء القصير المطل على البحر الأحمر، ما سمح لهذا الميناء أن يكون مركزًا للتجارة بين أفريقيا وآسيا والمحيط الهندي.
كان ميناء القصير مركزًا هامًا لتجارة السلع الأفريقية واليمنية وجلبها إلى سكان مصر، وعبره تمكنّ أهل الصعيد من تصدير منتجاتهم الرئيسية الممثلة في الغلال والحبوب والسكر، التي كانت تصل حتّى إيطاليا وإسطنبول، فيما اعتمد التصدير الداخلي على إرسال الحبوب من القمح والشعير والذرة والفول، إلى سكان القاهرة والدلتا، وما تبقى كان يتّم تصديره خارج البلاد.
في كتابها "إمبراطوريات متخّيلة: قصة الثورة في صعيد مصر"، تتقصّى الباحثة زينب أبو المجد قصة الإمبراطورية الجنوبية، التي تمكنت من توفير إنتاج زراعي ضخم من المحاصيل الغذائية الرئيسية، وقدّمت اكتفاءً ذاتيًا للسكان المحليين، بل ملأت بها خزائن الوالي العثماني لقرون، قبل أن يأتي حكم الباشا ليغيّر قواعد اللعبة للأبد.
حظيت كلاً من قنا وأسيوط بطفرة اقتصادية، بفضل زراعة قصب السكر والقطن، وتحويلهما إلى منسوجات وسكر للتصدير، إلى جانب إنتاج متنوع من الحبوب والغلال، لكن محاولة الباشا للسيطرة وإخضاع سكان الجنوب، استمرّت ست سنوات قبل أن يصل جيشه جنوبًا، ويفرض على السكان أنماطًا مختلفة من الإنتاج الزراعي، لصالح الإمبراطورية الوليدة، التي تحاول السطو على غلال الجنوب، وتغيير أشكال الإنتاج الزراعي، التي اتخذت أقصى درجات العنف الدموي مقارنةً مع الشمال، قبل أن يغيّر مهندس فرنسي قواعد اللعبة باكتشافه طفرة القطن طويل التيلة، التي ستمنح الباشا أموالًا طائلة لبناء إمبراطوريته.
خزائن الباشا والخليفة
في عام 1821 اكتشف أحد رجال الصناعة الفرنسيين الجودة العالية لبذور القطن طويل التيلة في مصر. وإدراكًا منه لإمكاناته كمحصول تصديري، قام الباشا بتوسيع زراعته عبر نظام احتكار الدولة الذي استمر حتى عام 1842، ومن خلاله تم توسيع المزارع الكبيرة بل وإحلال زراعة القطن على حساب بعض المحاصيل الغذائية؛ وقد حدد عاملان ملاءمة أي منطقة لزراعة القطن: درجة الحرارة المعتدلة وتوافر الري الدائم الذي يوفر مياه النيل خلال فصل الربيع، الذي يُزرع فيه القطن.
انتهج محمد علي سياسة المصادرة والعطايا، إذ منح لأفراد عائلته وكبار مسؤولي الدولة من النخب التركيّة المزيد من الأراضي، واستمرّت تلك السياسة حتّى وفاته، لتصل نسبة الإقطاعات الكبيرة آنذاك إلى 53% من الأراضي في أنحاء مصر. وكان أغلب أصحاب تلك الإقطاعات من النخب يعيشون في القاهرة، لكنهم تمكنّوا من التوسع في عمليّة الاستيلاء على الأراضي عبر احتكارهم لعنف الدولة، ومثلت الأراضي القاحلة والمهجورة، وأراضي المتأخرين عن دفع الضرائب، وفي حالات استثنائية أراضي دافعي الضرائب، غنيمة لهم للمزيد من التوسع في الاقطاعيات.
بحسب كتاب "EGYPT’S FUTURE DEPENDS ON AGRICULTURE AND WISDOM" أو "مستقبل مصر معتمد على الزراعة والحكمة" لكل من لويس لويل ن وفلورنس مارويجول، الصادر عام 2008، نفذّ محمد علي واحدة من أكبر عمليات الاستيلاء على الأراضي في التاريخ. صادر المزارع الإقطاعية لأمراء المماليك، وجرّد المؤسسات الدينية في القاهرة من 600 ألف فدان من أراضيها الرئيسية. وبذلك، قضى على نظام القاهرة الذي يعود إلى العصور الوسطى، وأصبحت مصر الآن مزرعة خاصة للوالي.
وبمساعدة الفرنسيين، شرع محمد علي في إحداث تغييرات عنيفة؛ حيث أمر بزراعة سلالة جديدة من القطن على نطاق واسع، لتكون المحصول النقدي الذي يُموّل الانتعاش الاقتصادي. ولأن مُصنّعي المنسوجات البريطانيين كانوا على استعداد لدفع مبالغ طائلة مقابل هذا القطن، أمر غالبية الفلاحين المصريين بزراعة القطن دون جميع المحاصيل الأخرى. وفي مواسم الحصاد، اشترى المحصول كاملًا بنفسه، ثم باعه بسعر أعلى لمُصنّعي المنسوجات. بهذه الطريقة، حوّل إنتاج القطن في مصر بأكمله إلى احتكاره الشخصي. كما قرر إنشاء مصانع نسيج داخل مصر، لكن التجربة لم تُحقق نجاحًا يُذكر آنذاك، بسبب الافتقار إلى التكنولوجيا اللازمة لتحقيق ذلك.
عبودية الحداثة والسخرة
سرعان ما أصبح القطن المحصول النقدي الأكثر ربحية في مصر، مع زيادة إيرادات الدولة بشكل كبير. وبحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أصبح تصدير القطن نشاطًا اقتصاديًا رئيسيًا يوفر الأموال اللازمة لمحمد علي لمواصلة مشاريع التحديث الطموحة، بما في ذلك تطوير الجيش والبنية التحتية.
ولم تكن الزيادة الكبيرة في إنتاج وتصدير القطن مجرد دليل على نجاح الإصلاحات الزراعية، بل كانت أيضًا عاملاً حاسمًا في انتعاش خزينة مصر من العملة خلال هذه الفترة، ما مكّن الباشا من تمويل قطاعات أخرى لدعم عملية التحديث الشامل، وإدماج مصر في السوق العالمية، كما رسخت مصر مكانتها كجزء لا غنى عنه من شبكة التجارة العالمية، وتجلى هذا بوضوح خلال الحرب الأهلية الأمريكية في ستينيات ذلك القرن، عندما سد القطن المصري الفجوة في السوق الأوروبي التي أحدثها حصار الولايات الكونفدرالية.
استلزم التوسع في زراعة القطن زيادةً كبيرةً في الأيدي العاملة، تم تلبيتها من خلال العمل الجبري ونظام السخرة. استُخدم هذا النظام، عبر إلزام الفلاحين بالعمل في مشاريع الدولة دون أجر، على نطاق واسع في التنمية الزراعية والبنية التحتية، بما في ذلك حفر قناة السويس، حيث أدت الأعباء الثقيلة المفروضة على الفلاحين إلى ضغوط اجتماعية غير مسبوقة.
كانت العائلات تفصل عن بعضها البعض، وربما يموت أحدهم دون علم الآخر، لكن الأهم من ذلك أنّ إجبار الفلاحين والملاك على التحوّل من إنتاج الحبوب والغلال والمحاصيل الغذائية إلى القطن، كان له تأثير مباشر على أمنهم الغذائي، وبيئاتهم المحلية، بل وعلى الأرض نفسها التي تكبدّت خسائر بيئية نتيجة هذا التحول الزراعي غير المدروس.
كانت العبودية أحد أهم أدوات تطوير زراعة القطن، حيث كان استخدام العبيد في الزراعة نادرًا قبل طفرة القطن. وبعد أن انتهت محاولة العباسيين لإدخال العبودية الزراعية إلى العراق في القرن التاسع بثورة للعبيد، اختفت العبودية الزراعية في معظمها من المنطقة. في عام 1848، كان العبيد ممثلين تمثيلاً زائداً في المدن كخدم منازل، حيث شكلوا 3% من السكان، 75% منهم من الإناث.
بحسب دراسة "التجارة والعبودية وإكراه الدولة على العمل: مصر خلال عصر العولمة الأول"، للباحث محمد صالح؛ أحدثت طفرة القطن المصري زيادة تاريخية في حيازة الطبقة الوسطى الريفية للعبيد المستوردين وبشكل أساسي من السودان، فضلًا عن التوسع في إجبار الفلاحين المصريين على العمل المجاني فيما يعرف بالسخرّة.
كانت الدولة الحديثة في حاجة إلى أيادي عاملة إضافية، جعلت من استقدام العبيد أمرًا لا مفرّ منه، حيث زادت أعداد العبيد المستقدمين بشكل أساسي من غرب السودان (كردفان، دارفور، سنّار) إلى 10.000 عبد سنويًّا منذ عام 1820، عندما غزت مصر السودان، وحتّى 1845، عندما أوقفت مصر غزاواتها على السودان، انخفض هذا العدد إلى النصف تقريبًا، قبل أن يشهد صعودًا وصل ثلاثة أضعاف الأعداد القديمة، بين عامي 1848 - 1868 حيث بلغت نسبة العبيد 3% من السكان، وصل عددهم إلى 173.654 ألف.
كانت رحلة جلب العبيد من غرب السودان تجري عبر الصحراء، إذ كان يتم تقييدهم بأغلال حديدية، وجلبهم بالإكراه إلى الأراضي المصرية، فيما كان البعض منهم يتوفى من ظروف الحرارة خلال تلك الرحلة، كان من يصل إلى القاهرة في حالة من الإعياء الشديد، ولا وقت لديه للتعافي، مما جعل عملية استيراد العبيد متزايدة لتعويض الفاقد منهم.
نحو عبودية محليّة
أنهت الدولة نظام الاحتكار عام 1842، وسمحت للفلاحين ببيع إنتاجهم بشكل مباشر للمصدرين، لكن هذا القرار جعلهم معرضين بشكل أكبر لصدمات الأسعار الدولية، ومع حلول زمن طفرة القطن خلال سنوات الحرب الأهلية الأمريكية، توسعّ الخديوي في زراعة القطن دون تخطيط مسبق، وبينما حلّت الهند آنذاك كأكبر منتج للقطن في العالم، كان القطن المصري أعلى جودة، لذا استحوذ حصّة سوقية مضمونة وبأسعار مرتفعة، ما جعل 70% من صادرات مصر، ممثلة في محصول القطن وحده، وقرن ازدهار هذا المحصول وتصديره مقترنًا بالعبودية، والعمل بالسخرة.
يؤكد صالح في دراسته، أنّ التوسع في زراعة القطن، كما أدى إلى التوسع في حيازة العبيد، عمل على إرجاء مصر لسنوات التصديق على اتفاقية إلغاء العبودية، قبل أن يتم التصديق عليها عام 1877، رغم ذلك كان على ملاك الأراضي تعويض تلك الأيدي العاملة، ومن هنا برز العمل بأجر كأحد مكتسبات إلغاء العبودية، فيما زادت الدولة من التوسع في العمل بالإكراه، وبالتالي نشأ ضغط كبير من الطبقة الوسطى الريفية، من أجل أن تتخلى الدولة عن السخرة، حيث لم تعد الأيدي العاملة متوفرة، فيما رحل معظم العبيد إلى السودان، ومنهم من ترك العمل بالزراعة ومارس أعمالًا أخرى، واندمج في المجتمع المصري.
في كتابهما "كبار الملاك والفلاحين في مصر 1837 – 1952"، قدّم المؤرخان المصريان رؤوف عباس وعاصم الدسوقي، صورة أكثر قربًا لوضع العمل بالسخرة خلال القرن التاسع عشر، والنصف الأول من القرن العشرين، وما كابده صغار الملاك من الفلاحين والمعدمين من ويلات العمل بالسخرة، الذي كان معروفًا منذ أقدم العصور لكن اقتصر على إجبار الفلاحين على العمل في صيانة الجسور وحراستها أوقات الفيضان، لكن سلطة الأسرة العلوية توسعّت في الأمر، وأرغمت الفلاحين بعد انتزاع ملكية أراضيهم على العمل في دوائر كبار الملاك، بعدما يساقون مع دوابهم وأبنائهم، ولا يقّدم لهم الطعام، ولم يكن المالك مجبرًا على تقديم مأوى لهم، فكانوا يبيتون في العراء، ويتعرضون لتقلبات الطقس، وكثيرًا ما كانوا يفقدون حياتهم إثر الجوع والتعب، ومن ينجو منهم كان يتجرع أقسى أنواع العقاب البدني من قبل مشرفيهم، الذين كانوا يراقبونهم خلال أوقات العمل التي كانت تستمر لـ17 ساعة أحيانًا، بينما تُسلط السياط والكرابيج على ظهورهم إذا بدا أي تهاون أو كسل من أحدهم ناتج عن التعب.
وفضلًا عن السخرة في زراعة القطن، أُجبر الفلاحون كذلك على العمل في حفر تُرعة الإبراهيمية لتوفير المياه لأطيان الدائرة، وقد استُخدم في تلك العملية الرجال والنساء والأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم السابعة أو الثامنة، ولم ينَل هؤلاء أجرًا على عملهم سوى مقادير قليلة من الخبز كانت تقدِّمها الدائرة لهم يوميًّا، فيما استمرت سخرة الفلاحين في أطيان الأباعد والجفالك حتى عام 1879 وقلّ استخدامهم في العمل الجبري غير المأجور في أطيان كبار الملاك منذ ذلك التاريخ، واقتصر استخدام السُّخرة على العمل في صيانة الجسور وحراستها دفعًا لعوامل الفيضان، وهو ما كان يُعرف ﺑ"العمليات" أو العونة.
أخذ عدد الفلاحين الذين خرجوا للعمل بالسُّخرة يقلّ تدريجيًا، من 84391 فردًا في عام 1892، إلى 49484 فردًا في عام 1894 إلى 25113 فردًا في عام 1896، في نفس الوقت الذي كان السكان يتزايدون فيه زيادةً كبيرة، ما يشير إلى أنّ السخرة كانت بالفعل تقتّل السكان.
حتى التربة اختنقت
كان لاندماج مصر في الاقتصاد الرأسمالي الدولي في القرن التاسع عشر كلفة باهظة لم يظهر أثرها في تحولات العلاقات الاجتماعية والعمل فحسب، بل طالت حتّى التربة ونظم الري ومياه النيل، التي كبدتّها التوسّع في زراعة القطن أثمانًا طويلة الأمد.
استُخدم نظام الري الحوضي في مصر منذ آلاف السنين، حيث كانت الأراضي المرتفعة على ضفاف النهر تُغمر بالمياه مرة كل 15-20 عامًا عندما يكون الفيضان السنوي للنيل مرتفعًا بشكل غير معتاد. أما باقي الأرض، والتي تُشكل حوالي 75% من المساحة المزروعة في الدلتا وحوالي 90% في الوادي، قُسِّمت إلى أحواض بواسطة نظام من السدود، بعضها يمتد عموديًا على النيل، والبعض الآخر موازٍ له. وقد سمحت القنوات المحفورة (والتي أمر الباشا بحفرها من قبل الفلاحين) عبر الأراضي المرتفعة على طول النهر، لمياه الفيضانات بالتدفق إلى هذه الأحواض.
هذا التدفق راكم المياه المحملّة بالرواسب على الأراضي، حيث تشبعت بها، بعد أن حوصرت بكثرة السدود، وتطلبت محاولات الحكومة لتوسيع زراعة القطن حفر قنوات صيفية وتوسيع شبكة النقل. وبينما تطلبت هذه المشاريع العمالة ورأس المال. تم توفير الأول من خلال السخرة، والثاني من خلال الاقتراض من الخارج وزيادة الضرائب.
ومع تزايد حجم الدين الخارجي، ارتفعت الضرائب لتغطية المدفوعات، أدى تحول البنية التحتية الزراعية، إلى جانب تنامي حقوق الملكية الخاصة في الأراضي، إلى تغيير البنية الاجتماعية: فقد الفلاحون أراضيهم لصالح الباشوات وشيوخ القرى والمرابين، إما عن طريق الفرار، أو المصادرة لعدم دفع الضرائب، أو الحجز على الممتلكات لعدم سداد الديون الخاصة.
أدّى التحوّل إلى الزراعة الكثيفة للقطن منذ أوائل القرن العشرين إلى تدهور واضح في تربة دلتا النيل، بعد أن قُصِّرت فترات البور الطويلة التي كانت تمنح التربة فرصة للتجفيف والتهوية والتجدد. فقد رفع نظام الري الدائم، ومعه الزيادة الكبيرة في كميات المياه المصبوبة على الأرض، منسوب المياه الجوفية حتى أصبح في بعض مناطق الدلتا، بحلول عام 1908، أقل من متر واحد تحت السطح، ما أدى إلى اختناق جذور القطن وزيادة ملوحة التربة.
كما تسبب تكثيف الزراعة وانكماش فترة البور في فقدان التربة لعمليات طبيعية مهمة مثل تشقق التربة وتهويتها وتفتت المواد الغروية، وهي عمليات كانت تحفظ خصوبتها عبر تعزيز نشاط البكتيريا النترتية. وترافق ذلك مع تصاعد هجمات الآفات الحشرية التي أضحت سنوية بعد 1904، ما عمّق من أزمة الإنتاج.
وعلى الرغم من سعي كبار الملاك إلى تحسين الصرف وتكثيف استخدام الأسمدة واللجوء إلى الزراعة المبكرة، فإن صغار الفلاحين عجزوا عن تبنّي هذه الحلول بسبب ضعف وصولهم إلى الائتمان وارتفاع تكلفة الأسمدة عليهم، الأمر الذي كرّس تدهور التربة لديهم أكثر من غيرهم وأبقى إنتاجيتهم منخفضة.
وهكذا قاد توسّع زراعة القطن، في ظل بنية ري وصرف غير متوازنة وفوارق اجتماعية واقتصادية حادة، إلى تراجع ملحوظ في خصوبة التربة وتفاقم مشاكلها البنيوية في مناطق شاسعة من الريف المصري، تلك المشاكل استمّرت في بنية الزراعة المصرية لعقود طويلة، كأثر بعيد المدى لسياسات التحول غير المدروس لأنظمة الري والزراعة على المصريين، تحت حكم دولة محمد علي.






رد مع اقتباس