صفحة 62 من 146 الأولىالأولى ... 12526061 62636472112 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 611 إلى 620 من 1457
الموضوع:

( علم الاحياء ) بكل مصطلحاتة ومفاهيمة وتراكيبة العلمية ستجدها هنا - الصفحة 62

الزوار من محركات البحث: 60058 المشاهدات : 258853 الردود: 1456
جميع روابطنا، مشاركاتنا، صورنا متاحة للزوار دون الحاجة إلى التسجيل ، الابلاغ عن انتهاك - Report a violation
  1. #611
    من أهل الدار
    تاريخ التسجيل: July-2014
    الدولة: ميسوبوتاميا
    الجنس: ذكر
    المشاركات: 31,436 المواضيع: 3,202
    صوتيات: 125 سوالف عراقية: 1
    التقييم: 23576
    المهنة: طالب جامعي
    أكلتي المفضلة: حي الله
    آخر نشاط: منذ 6 يوم
    مقالات المدونة: 19
    SMS:
    يقول ليس براون: صوب نحو القمر. حتى لو أخطأت. فسيقع سهمك بين النجوم ^-^
    ذات الجنب

    ذات الجنب pleurisy مشكلة سريرية شائعة وهي ليست تشخيصاً بل مصطلحاً يستخدم لوصف النتيجة التي يسببها أي مرض ينجم عنه ألم جنبي واحتكاكات جنبية ثم يتطور إلى انصباب جنبي.
    يتألف الجنب من وريقتين: حشوية viseral pleura تغطي السطح الخارجي للرئتين، وجدارية parietal pleura تبطن القفص الصدري. وتتميز الوريقة الحشوية عن الجدارية بأنها تلتصق بشدة على سطح الرئة فلا يمكن تقشيرها عنها وذلك على نقيض الوريقة الجدارية التي يمكن تقشيرها عن الوجه الباطن للصدر. تتلقى الوريقة الحشوية ترويتها من الدوران الرئوي ذي الضغط المنخفض ولا تشتمل على نهايات عصبية حسية في حين تأخذ الوريقة الجدارية ترويتها من الدوران الجهازي ذي الضغط العالي وتشتمل على نهايات عصبية حسية كثيرة هي منشأ الألم عندما تصيب هذه الوريقة آفة ما. وتنفصل الوريقة الجدارية عن الحشوية بمسافة وهمية ذات ضغط سلبي في الحالات السوية وتحوي كمية قليلة من السائل المصلي تقدر بين 10 إلى 30مل تسمح لوريقتي الجنب بالانزلاق إحداهما على الأخرى في أثناء الحركات التنفسية، وهذا السائل يتبدل باستمرار بسبب اختلاف الضغط بين الوريقتين وجوف الجنب.
    يكون التهاب الجنب إما جافاً أو مترافقاً بانصباب في مرحلة تالية. وأسباب التهاب الجنب الجاف هي:
    ـ التهابات الرئة الجرثومية والفيروسية والفطرية.
    ـ خراجات الرئة والتوسع القصبي ولاسيما إذا كانت الآفة قريبة من سطح الرئة.
    ـ احتشاء الرئة إذا كان محيطياً.
    ـ التدرن ويكون في البدء ارتكاسياً ثم يتطور إلى انصباب جنب درني.
    ـ الآفات الجهازية: الذأب الحمامي lupus erythematosus والداء الرثياني rheumatoid.
    ـ رضوض الصدر وخاصة المترافقة بكسور في الأضلاع.
    ـ ألم الجنب الوبائي (داء بورن هولم Bornholm) وهو خمج يحدثه فيروس كوكساكي B بشكل جائحات، ويكون الألم الجنبي العرض الرئيس بسبب تخرش الوريقة الجدارية، ويكون حاداً وموضعاً ومتبدلاً يشتد بالسعال والعطاس والتنفس العميق. أما إذا تخرشت الوريقة الجدارية التي تبطن الحجاب فإن الألم عندئذ ينتشر إلى الكتف والبطن مقلداً حالات البطن الحادة.
    يكشف الفحص السريري تحدداً في الحركات التنفسية، ويكون القرع والجس طبيعيين إلا إذا كانت هناك كثافة جنبية، وقد تسمع بالإصغاء الاحتكاكات الجنبية الناجمة عن احتكاك وريقتي الجنب المصابتين بالالتهاب. تكون الصورة الشعاعية طبيعية إلا إذا كانت هناك كثافة جنبية أو آفة رئوية مرافقة، وقد يشاهد انغلاق في الجيب الضلعي الحاجزي.
    يستمر المرض عادة عدة أسابيع ويخف تدريجياً، وتعتمد معالجته على الراحة التامة وإعطاء المسكنات، وقد يحتاج الأمر في حالات الألم الشديد إعطاء مضادات الالتهاب مثل الاندوميتاسين. ويمكن استعمال الكودئين في تركين السعال المرتبط بالألم الجنبي، كما يفيد تخضيب الأعصاب الوربية أحياناً. ولابد من معالجة الآفة المسببة.
    ـ انصباب الجنب pleural effusion: وهو تجمع كمية من السائل في جوف الجنب بسبب زيادة الضغط الشعري ونقص الضغط الحلولي المصوري مما يؤدي إلى نضح الوريقة الجدارية ونقص بالامتصاص في الوريقة الحشوية إضافة لارتفاع الضغط في الشرايين الرئوية، وقد يتلو الانصباب الجنبي تراكم السائل بسبب وجود حبن ascite في البطن عبر ثقوب صغيرة في الحجاب الحاجز تسمح بمرور هذا السائل.
    ويقسم انصباب الجنب إلى رشحي transudate ونضحي exudate وقد يكون نزفياًhemoragic أو قيحياً empyema.
    السائل الرشحي: ويتميز باللون الأصفر مع كثافة نوعية أقل من 1.016 وتكون كمية الألبومين فيه أقل من 30غ/ل وخميرة L.D.H أقل من 200 وحدة وعدد الكريات البيض فيه أقل من 1000 كرية، ويصادف عادة في قصور القلب الاحتقاني ويكون وحيد الجانب أو في الجانبين معاً. كما يشاهد حين وجود نقص في ألبومين الدم وفي حالات تشمع الكبد cirrhosis وفي الكلاء nephrosis والوذمة المخاطية myxedema وحالات انسداد الوريد الأجوف العلوي v.cava sup. والصمة الرئوية.
    إن الانصباب الجنبي من المضاعفات الشائعة
    في التهاب المفصل الرثياني
    السائل النضحي: ويتصف بزيادة البروتين فوق 30غ/ل وتكون نسبة بروتين السائل إلى بروتين الدم أكثر من 50% ونسبة خميرة L.D.H في السائل إلى نسبتها في الدم أكثر من 60% أو أكثر من ثلثي الحدود العليا لمعيارها في المصل. وأكثر الأسباب إحداثاً هي: ذوات الرئة الجرثومية والفطرية والفيروسية والطفيلية والتدرن وخراجات الرئة والآفات الورمية والتنشئية البدئية في الجنب (ميزوتليوما) والانتقالية. ويكون السائل غالباً مدمى. وكذلك الآفات الدموية كابيضاضات الدم واللمفوما، والآفات الجهازية كالذأب الحماميوالداء الرثياني (صورة رقم1) والتهاب ما حول الشريان العقدي، وآفات البطن كخراجات تحت الحجاب (خراجة الكبد، التهاب المعثكلة (البنكرياس))، ومتلازمة ميغز Meig’s syndrom المترافقة بأورام المبيض وارتفاع البولة الدموية وداء الأمينت (الأسبستوز) والغرناوية (الساركوئيدوز) والارتكاسات الدوائية التحسسية واحتشاء الرئة.
    ويطلق دبيلة الجنب empyema على وجود سائل قيحي نضحي ينجم عن التهاب مباشر للجوف الجنبي معطياً سائلاً قيحياً عكراً. أما السائل المدمى فهو وجود الدم في جوف الجنب نتيجة رضوض الصدر أو وجود سائل مختلط مصلي مدمى ويحوي عادة أكثر من 10.000 كرية حمراء في الميكرو ليتر، وإذا تجاوز العدد إلى 100.000 كرية حمراء فيكون السائل مدمى بشدة؛ وفي حال غياب قصة الرض فإن أهم الأسباب التي تعطي سائلاً مدمى هي السرطانات وأقل شيوعاً احتشاء الرئة الناجم عن الصمة الرئوية.
    وينجم السائل الكيلوسي الحليبي المظهر عادة عن رضوض الصدر وتمزق القناة الصدرية. وقد يكون السائل الكيلوسي كاذباً في حالة تراكم مركبات الكولسترول في الجنب المتليف، وتشاهد هذه الظاهرة في الرئة المحبوسة traped lung بسبب تليف الجنب الشديد. ويكشف فحص السائل وجود الكايلو ميكرون مع ارتفاع نسبة الشحوم الثلاثية فوق 100مغ/ دل.
    المظاهر السريرية والأعراض: يسبق الألم الجنبي علامات وأعراض ذات الجنب وتطور الانصباب الجنبي وقد تكون البداية مخاتلة ولكن العرض الوحيد المتعلق بالانصباب الغزير هو الزلة التنفسية ولاسيما إذا كان ناجماً عن مرض قلبي، وقد تترافق مع سعال جاف. ويكون الفحص السريري سلبياً في البداية ولاسيما إذا كانت كمية السائل أقل من 200 إلى 300مل. أما إذا كان الانصباب غزيراً فتخفت الأصوات التنفسية فوق السائل وكذلك الهمس الصوتي مع وجود أصمية بالقرع، وتنضغط الرئة فتحتد الأصوات التنفسية ويمكن سماع الصوت المهموس فوق مستوى السائل. ويشير سماع الاحتكاكات الجنبية إلى وجود ذات الجنب، كما يؤدي وجود الانصباب الغزير إلى ارتفاع الضغط ضمن الجوف الجنبي، وإلى انحراف المنصف (الرغامى والقلب) إلى عكس جهة الانصباب مع انتباج المسافات الوربية.
    انصباب جنب أيسر
    ظهر في سياق مرض شبه نزلي لدى امرأة شابة
    يجب إجراء بزل جنب في كل مرة يشاهد فيها وجود الانصباب ولاسيما عند عدم معرفة العامل المسبب بغية استقصاء السبب، ويتم عادة بعد إجراء صورة شعاعية للصدر بوضعية الوقوف والاضطجاع الجانبي لتحديد مقدار السائل الحر بالجنب، كما يساعد إجراء مخطط الصدى (إيكو) للصدر معرفة المكان المناسب لإجراء البزل وخاصة إذا كان السائل قليل المقدار أو محجباً وموضعاً.
    ويمكن معرفة لون السائل مباشرة من التوجه لبعض العوامل المسببة، فقد يكون أبيضاً رائقاً أو مصلياً ليفينياً أو مدمى أو كيلوسياً. ولابد من معايرة كمية البروتين والـــ L.D.H لتحديد فيما إذا كان السائل رشحياً أم نضحياً، وبالتالي حصر العوامل المسببة. ويجري تعداد للكريات البيض لمعرفة إذا كان السائل التهابياً، إذ يكون التعداد بالآلاف وغالبيته من الكريات العدلة neutrophil. أما في حال تدرن الجنب فيكون التعداد أقل من 1000 كرية بيضاء غالبيتها من اللمفاويات. كما يجب معايرة السكر إذ تنخفض نسبته في الالتهابات وتقيح الجنب والأورام. وقد ينعدم السائل في الداء الرثياني. وتعاير الأميلاز عادة في حال الشك بوجود التهاب معثكلة حاد أو كيسة معثكلية كاذبة أو تمزق مري. كما أن زرع السائل وتحري عصية كوخ في السائل والقشع وإجراء تفاعل السلين توجه لمعرفة العامل المسبب إضافة إلى قياس سرعة التثفل التي تشير إلى وجود إصابة فعالة.
    ويفيد تحري الخلايا الورمية السرطانية في تشخيص وجود الخباثة، كما أن معايرة pH السائل ترشد إلى وجود خباثة أو مضاعفة لذات الرئة عندما تنخفض pH لقيمة تقل عن 7.30.
    ويجدر دوماً إجراء خزعة جنب مغلقة بإبرة حينما يتم الشك بوجود خباثة أو تدرن. وفي حال الفشل في معرفة السبب يمكن إجراء خزعة مفتوحة أو عن طريق تنظير الجنب وتكون النتائج فيها دقيقة.
    المظاهر الشعاعية: لا يمكن كشف وجود سائل الجنب على صورة الصدر العادية الخلفية الأمامية إلا إذا تجاوزت كمية السائل 250مل، ولكن عند إجراء صورة بوضعية الاضطجاع الجانبي يمكن رؤية كمية أقل من ذلك، إلا أن التصوير الطبقي المحوري scintiscan مفيد جداً في كشف كميات قليلة من السائل.
    ويتراكم السائل الحر عادة في المنطقة تحت الرئة، وتملأ الكمية الأكثر الزاوية الضلعية الحجابية مشكلة هلالاً تقعره للأنسي، أما في حال وجود سائل غزير فإن الساحة الرئوية تمتلىء ويغيب ظل الرئة وينحرف المنصف (ظل القلب والرغامى) نحو الجهة المقابلة، كما يمكن للسائل أن يتوضع ضمن الشقوق الرئوية مسبباً التصاقاً في الوريقات مظهراً تجمعاً شاذاً على جدار الصدر وبين الشقوق الرئوية وقد يقلد في مظهره أحياناً الأورام فيدعى بالورم الكاذب.
    الإنذار
    إن تراجع الآفة وشفاءها في حال وجود ذات جنب جافة هو القاعدة. أما في حال وجود انصباب جنبي فيختلف الإنذار حسب العامل المسبب، ففي ذات الرئة المترافقة بانصباب يتم الشفاء بالمعالجة والبزل وكذلك الأمر في تقيح الجنب. كما أن الانصباب الجنبي الدرني يتراجع كلياً بالمعالجة المناسبة للتدرن، ويزول الانصباب الدموي بالبزل والتفريغ في حال رضوض الصدر والتئام الكسور.
    أما في الخباثات فالإنذار مختلف ويكون عادة سيئاً وينكس السائل ويتكرر نكسه وقد يحتاج الأمر لإيثاق الجنب أو وضع مصرف لتفريغه.
    المعالجة
    يجب أن تتوجه إلى العامل المسبب أولاً وعلى السائل نفسه ثانياً، وغالباً ما يعرف العامل المسبب والتشخيص النوعي في انصبابات الجنب.
    ففي حال كون السائل رشحياً فإنه يستجيب غالباً لمداواة الحالة المسببة كقصور القلب، ولا ضرورة لإجراء البزل العلاجي إلا إذا كان السائل غزيراً ومؤدياً لزلة شديدة. ونادراً ما يحتاج الأمر إلى وضع مصرف أو إجراء إيثاق الجنب. أما في الانصبابات التالية للخباثات وخاصة لدى المرضى المعروفين بإصابتهم بسرطانة رئوية مع غزو للسطح الجنبي فتطبق المعالجة الكيمياوية أو الشعاعية الموجهة ضد نوع الورم المشخص.
    وينصح بإجراء إيثاق الجنب بإحداث التصاقات ليفية بين الوريقتين الحشوية والجدارية عندما لا يستجيب المرضى للعلاج السابق وتكرر ظهور السائل وذلك بحقن مادة بليومايسين bleomycine أو ميتوكسانترون mitoxantron أو بخ مادة التلكtalc في الجوف الجنبي، وفي حال عدم التحسن أو النكس يمكن إجراء بزل متكرر أو إحداث تحويلة shunt جنبية صفاقية (بيرتوانية) أو تقشير الجنب.
    وتتراجع الانصبابات التالية لذات الرئة عادة وتستجيب للعلاج بالصادات. ويستوجب الأمر أحياناً اتخاذ قرار بتصريف سائل الجنب بوضع أنبوب عبر جدار الصدر لمنع حدوث تسمك وتليف بالجنب، وبالتالي منع تحدد حركة الرئة، فإذا لم يتراجع هذا الانصباب خلال 24 ساعة فسوف يتحوجب وعندئذ يجب حقن مادة الستربتوكيناز عبر أنبوب التصريف بمقدار 250.000 وحدة محلولة في 100سم من محلول ملحي نظامي يومياً لمدة عشرة أيام لتسريع الارتشاف والتصريف.
    محمود نديم مميز

  2. #612
    من أهل الدار
    ذات الرئة

    ذات الرئة pneumonia خمج رئوي يصيب البنيات العميقة للنسيج الرئوي بما فيها السبل الهوائية ما بعد القصيبات الانتهائية والأسناخ الرئوية والنسيج الخلالي، وتتصف بحدوث نتحة ضمن الأسناخ الرئوية تحدث عادة بجملة من العوامل الممرضة سواء جرثومية أو فيروسية أو فطرية أو طفيلية، ويمكن تمييز ثلاثة أشكال تشريحية مرضية وسريرية وشعاعية بحسب توضع الخمج:
    ـ ذات الرئة النموذجية أو الفصية lobar pneumonia والتي تشمل فصاً كاملاً، والشكل الوصفي لها هي ذات الرئةبالمكورات الرئوية وفيها تبدي صورة الصدر الشعاعية كثافة متجانسة ذات توزع فصي.
    ـ ذات القصبات والرئة الفصيصية أو التهاب قصبي رئوي broncho pneumonia تكون الإصابة هنا في مستوى القصيبات النهائية والأسناخ كما في ذات الرئة بالمكورات العنقودية. وتبدي الصور الشعاعية كثافات عقدية متعددة مبهمة الحدود وغير متجانسة تشمل الساحتين الرئويتين.
    ـ ذات الرئة الخلالية interstitial pneumonia وفيها تكون الإصابة في النسيج الخلالي على نحو موضع أو منتشر تشمل رئة واحدة أو الرئتين معاً كما في الإصابة بالمفطورات mycoplasma والمتدثرات chlamydia والكوكسيلا coccilla والفيروسات، وتبدي صورة الصدر ارتشاحات شبكية عقيدية غير متجانسة ومنتشرة.
    ويطلق اسم ذات الرئة الاستنشاقية على ذات الرئة الناجمة عن استنشاق مواد غريبة أو مفرزات خمجية أو محتوى الجهاز المعدي المعوي. كما يطلق اسم ذات الرئة اللانمطية على الالتهابات الرئوية الناجمة عن العوامل العضوية غير الجرثومية المعروفة.
    الوبائيات
    ذات الرئة مرض شائع يصاب به على الأقل 1% من السكان بهجمة كل سنة، وهي تصيب الأعمار كافة وأكثر ما تصادف في الأطفال وكبار السن، وتكون أكثر شيوعاً في فصلي الشتاء والربيع، وأغلب المرضى هم من الكحوليين والمدخنين ومرضى القصور التنفسي المزمن ومرضى عوز المناعة المكتسب AIDS والمصابين بنقص الغاماغلوبولين وفقر الدم المنجلي أو الذين استؤصل طحالهم، كما أنها قد تتلو نوب فقد الوعي أو خمود منعكس السعال في أثناء التخدير أو الانسمام الدوائي أو الكحولي أو إصابات الجملة العصبية المركزية، كما أنها قد تتلو وافدات النزلة الوافدة (الأنفلونزا) والتهابات الطرق التنفسية العليا أو الدنيا بالفيروسات. كما أن التوسع القصبي كثيراً ما يتضاعف بذات رئة جرثومية بسب صعوبة تصريف المفرزات القصبية. وقد تكون ذات الرئة في بعض الأحيان التظاهرة الأولى للسرطان القصبي لانحباس المفرزات بالورم الساد وتجرثمها، إضافة إلى أن الكثير من الأمراض المترافقة باضطرابات مناعية كابيضاضات الدم واللمفومات والورم النقوي myeloma، تعرض المصابين بها أكثر من غيرهم للإصابة بذات الرئة.
    الأسباب
    تنجم أغلب ذوات الرئة عن خمج وهناك عدة من العضويات القادرة على إحداث التهاب في الرئة ولكن أكثر العوامل المسببة شيوعاً هي الجراثيم والفيروسات تتلوها العوامل الممرضة الأخرى.
    1- ذات الرئة الجرثومية: وهي بأشكالها الثلاثة إيجابيات الغرام وسلبيات الغرام والجراثيم اللاهوائية.
    ذات رئة في الفص العلوي الأيمن مسببة
    بالعقديات الرئوية
    أ ـ ذوات الرئة بإيجابيات الغرام gram-positive pneumonia:
    ـ ذات الرئة بالمكورات الرئوية pneumococal pneumonia: وهي أكثر أسباب ذوات الرئة شيوعاً بين ذوات الرئة المكتسبة في المجتمع وتكشف بسهولة في القشع بعد تلوينه بملون غرام إذ تبدو بشكل مزدوجات لها محفظة، ويوجد أكثر من ثلاثين زمرة مختلفة منها ولكن أكثر الأنواع الممرضة منها ذوات الأرقام من 1 إلى 10، إلا أن أشدها فوعة هو رقم 3 في حين تشاهد الزمر الأخرى على نحو اعتيادي في المجاري التنفسية العلوية في 40% من الأصحاء.
    ـ ذات الرئة بالمكورات العنقودية staphylococcus: وتشاهد في نحو 5% من مجمل التهابات الرئة وتزداد نسبة حدوثها بعد وافدات النزلة الوافدة، وغالباً ما تحدث مرضاً شديداً قد يكون صاعقاً، وهي مقاومة غالباً للبنسلين وعلى الكثير منالصادات. وتميل لإحداث نخر في البارانشيم الرئوي مع تشكل خراجات وكيسات متعددة، وأكثر ما تصيب الولدان والمرضى السكريين، وهي أكثر الجراثيم إيجابيات الغرام سبباً في حدوث ذات الرئة المكتسبة بالمشافي.
    ـ ذات الرئة بالعقديات streptococcous: وهي أقل حدوثاً وتتلو عادة التهابات البلعوم واللوزات.
    ب ـ ذات الرئة بسلبيات الغرام gramnegative pneumonia: وتعد السبب الأول لذات الرئة المكتسبة في المشافي.
    ـ ذات الرئة بالمستدميات النزليةhaemophilus influenza : وهي المسؤولة عن التهابات الرئة والقصبات في المصابين بالتهابات القصبات المزمنة وتسبب ذات رئة فصية متعددة.
    ـ ذات الرئة بالكلبسيلا الرئوية (عصية فريدلاندر) klebsiella pneumonia: أكثر ما تحدث في المستشفيات وخاصة لدى الكحوليين والمسنين المدخنين، وتؤهب لحدوث تنخر وتكهف وتشكل خراجات في الفصوص العلوية وخاصة بالأيمن. وتتصف بوجود قشع مدمى سميك جيلاتيني.
    ـ الجراثيم سلبية الغرام الأخرى وخاصة العصيات الزرق pseudomonas aeruginosa والكولونيات escherichia coli والمتقلباتproteus والكلاميديا chlamydia والسيراتية serratia، وهي نادراً ما تسبب التهابات رئوية وتبقى في قشع المرضى المصابين بعد تناول الصادات، لها دور في ذوات الرئة عند المصابين باضطرابات مناعية أو الموضوعين على المنفسات.
    كما أن ذات الرئة يمكن أن تحدث كتظاهرة لبعض الأمراض ذات الجراثيم النوعية كالحمى التيفية والمالطية والسعال الديكي.
    ـ ذات الرئة بالفيلقيات legionella pneumophylia: وهي العامل المسبب للداء الفيلقي legionella وهي عصية سلبية الغرام. وقد استفرد العامل الممرض من المياه الملوثة ومن مكيفات الهواء ورشاشات الحمامات، وهذا ما يفسر كثرة حدوثها في الفنادق والمستشفيات. وتتصف بقشع مخاطي وخاصة إذا ترافقت بألم بطني حاد وإسهالات واختلاط في الذهن، وأكثر ما يصادف هذاالخمج لدى المرضى المدمنين ومنقوصي المناعة.
    ج ـ ذات الرئة بالجراثيم اللاهوائية anaerobic bacterial pneumonia: نسبة حدوثها غير معروفة بسبب صعوبة استفراد العامل الجرثومي وقد تتشارك مع جراثيم أخرى، وهي العامل المسبب لدى 60 إلى 100% من حالات ذات الرئة الاستنشاقية، وتتميز بوجود رائحة كريهة مميزة للخمج باللاهوائيات، ومنها زمر تشاهد في جوف الفم وتتحسس للبنسلين، ومنها ما يكون منشؤها في الحوض والقسم السفلي من الجهاز الهضمي، وهي لا تتأثر بالبنسلين مثل العصويات الهشة bacteroid faragilisوالتي تستجيب للكليندامايسين والميترونيدازول.
    2- ذوات الرئة اللانمطية atypical pneumonia: وهي ذات رئة غير نموذجية وتتصف ببدء تدريجي وسعال جاف مع سيطرة الأعراض خارج الصدرية (صداع، وآلام مفصلية، وتعب، وألم حنجرة، وغثيان، وقياء، وإسهال). وأول ما استفرد منها المفطورات mycoplasma وتصادف في 30% من مرضى ذات الرئة المكتسبة في المجتمع، وتشاهد بشكل جائحات لدى المجندين وطلاب الجامعات والمدارس والمعسكرات، كما تصادف في 15% من مرضى المشافي المصابين بالتهاب رئوي؛ ومنها المتدثرات والكوكسيلا وداء الببغاء psittacosis وتظهر الإصابة به بعد استنشاق الغبار الملوث بمفرغات الطيور المصابة. ومرض حمى Q والعامل المسبب فيها ريكتسية بيرنيتي rickettsia Burneti وهو مرض يصيب قطعان الماشية والخراف ويكتسبه الإنسان عن طريق استنشاق الريكتسية من الحيوانات المصابة، لذلك تكثر الإصابة عند عمال المزارع والمسالخ مسببة مرضاً حموياً يترافق بالصداع ونقص الشهية والألم العضلي مع ضخامة كبدية وطحالية.
    3- ذات الرئة بالفيروساتviral pneumonia : عرف الكثير من الفيروسات بارتباطها بذوات الرئة مثل النزلة الوافدة influenza والنزلة الوافدة المشبهة para influenza والفيروسات الغدية glandular virus والفيروسات المخلوية التنفسية respiratory syncytial virus والفيروسات المخاطية التنفسيةmuco virus والفيروسات المضخمة للخلايا cytomegalo virus وهي تصيب مرضى ناقصي المناعة أو المجرى لهم ازدراع الأعضاء.
    كما يمكن لذات الرئة أن تؤلف مضاعفة لأمراض الفيروسات الجهازية مثل الحصبة والحماق والنكاف.
    4- ذوات الرئة بالفطور fungal pneumonia: وهي نادرة إلا أن عدداً منها وخاصة المبيضات البيضC.Albicans والرشاشية الدخناء A.Fumigatus وداء النوسجات histoplamosis والفطار الكرواني coccidioidomycosis هي المسؤولة عن ذوات الرئة في المصابين بنقص المناعة، وخاصة المتكيسة الكارينية pnuemocystis carini التي تعد الأولى في مرضى نقصالمناعة.
    5- ذوات الرئة غير الخمجية: وهي شائعة منها:
    ـ ذات الرئة التحسسية بفرط الحمضات الرئوية: وهي ارتكاس تحسسي يتضمن ارتشاحات رئوية متكررة ومتنقلة مع سعال وأزيز وترفع حروري مع زيادة الحمضات في القشع والدم المحيطي.
    ـ ذات الرئة الكيمياوية: نتيجة استنشاق الزيوت الدهنية والشحمية وخاصة بعد استعمال القطرات الأنفية الزيتية أو الملينات الحاوية على البارافين أو استنشاق البترول والكيروسين، وينصح بإعطاء الأكسجين والكورتيزون وعدم إجراء غسيل معدة.
    ـ ذات الرئة الاستنشاقية: وهي نتيجة استنشاق محتويات المعدة الحامضة أو محتويات الفم المجرثمة.
    ـ ذات الرئة الشعاعية: تتلو المعالجة الشعاعية على الصدر وتظهر بعد عدة أسابيع من بدء المعالجة وتعالج بالستيروئيدات لمنع تطور التليف الرئوي.
    6- ذات الرئة الدرنية أو السلية: وهي تسبب عادة التهاباً رئويا مزمناً وتكهفاً وتليفاً في قمتي الرئتين، ويجب التفكير بها عند اليفعان والشباب وفي كل ذات رئة لا تستجيب للصادات المألوفة.
    يبين الجدول (1) ذوات الرئة: العضويات الممرضة مصنفة بترتيب تنازلي نسبة للحدوث والبيئة المكتسبة
    المرضي ذوي المناعةالناقصة المكتسبة في المشافي المكتسبة من البيئة المحيطة
    المتكيسة الكارينية 85 العصيات السلبية الغرام 50 العقديات الرئوية 34
    حمة مضخمة الخلايا العنقوديات الذهبية ذات الرئة بالمفطورات18
    المتفطرات الطيرية داخل الخلايا العقديات الرئوية حمة النزلة الوافدة A ت7
    المتفطرات الدرنية الفيليقيات الرئوية 30-40 المستدمية النزلية 6
    العقديات الرئوية المستدميات النزلية الفيلقية الرئوية 2
    المستدميات النزلية الزوائف العنقوديات الذهبية 1
    الفيليقيات الرئوية حمة كوكسيلا برنيتي (نادرة)
    الشعيات الاسرائيلية
    الرشاشيات الدخلية
    النوكارديات النجمية
    الجدول (1) ذوات الرئة: العضويات الممرضة مصنفة بترتيب تنازلي نسبة للحدوث والبيئة المكتسبة
    الأعراض والتظاهرات السريرية
    بدلت الصادات كثيراً من الأعراض والعلامات خاصة حينما يبدأ باستعمالها في أول الإصابة، ولكن من الناحية العملية فإن أهم التظاهرات السريرية الشائعة في التهابات الرئة كافة هو البدء الحاد الفجائي بعرواءات (الرجفة التي تترافق مع الحمى) يتلوها ترفع حروري وألم جنبي في ذات الرئة الوصفية بالمكورات الرئوية، وقد يكون البدء خفياً وتدريجياً في ذوات الرئة الأخرى، وتتطور الأعراض في بضعة أيام وغالباً ما تتلو قصة خمج طرق تنفسية علوية يليها سعال يكون في البدء جافاً ثم يصبح منتجاً لقشع قيحي قد يحوي خيوطاً مدماة (قشع صدئي). أما الزلة التنفسية فهي شائعة في التهابات الرئة الشاملة أو المصابين بآفات رئوية سابقة ولديهم نقص في الوظيفة الرئوية. أما الأعراض الجهازية من حمى وقمه (نقص الشهية للطعام) وتعب واختلاط ذهني نتيجة نقص الأكسجة فقد تترافق بهبوط الضغط بالأخص مع ذوات الرئة الشديدة.
    الموجودات بالفحص الفيزيائي: زيادة تواتر النفس واحتقان الوجه مع تسرع النبض كما قد تبدو زرقة مركزية وأكثر الموجودات بفحص الصدر شيوعاً هو سماع الخراخر الرئوية من أحد الجانبين أو كليهما، كما يمكن سماع التنفس القصبي الرغامي وخاصة في حال وجود التصلد consolidation كما قد تظهر آفات حلئية على الشفاه.
    ويعتمد التشخيص على اللوحة السريرية ويؤكد بإجراء صورة شعاعية للصدر وترتفع عادة الكريات البيض وخاصة بالإصابات الجرثومية كما ترتفع سرعة التثفل ويجب دوماً إرسال الدم للزرع الجرثومي قبل البدء بإعطاء الصادات، كما ترسل عينة من الدم لإجراء الفحوص المصلية، كما يمكن إجراء تلوين للقشع بطريقة غرام لكشف العصيات المسببة.
    ويمكن تعرف أضداد العقديات الرئوية في القشع أو المصل أو البول ويجب عدم تأخير العلاج بالصادات بانتظار نتائج الزرع.
    سير المرض
    تتراجع الأعراض السريرية بسرعة في 7 إلى 10 أيام من بدء المعالجة غير أن بعض العلامات قد تستمر مدة أطول. أما التراجع الشعاعي فيستدعي عادة عدة أسابيع. ويوحي وجود التبدلات الشعاعية لأكثر من 12 أسبوعاً أو حدوث نكس وجود عوامل تشريحية مرضية تستوجب البحث عن سرطانة مستبطنة أو مرض مناعي.
    أما أسباب فشل المعالجة فيعود إلى تشخيص غير صحيح أو إلى وجود عصيات مقاومة للبنسلين أو غيره من الصادات، أو حدوث اختلاط لذات الرئة، أو ظهور توسع قصبي أو التهاب سحايا. ويجدر في كل مرة يصاب فيها المريض بهجمات متكررة من ذات الرئة التفتيش عن العوامل المؤهبة وتقصي وجود آفات رئوية مزمنة أو وجود جسم غريب أو ورم أو توسع قصبي أو آفات مريئية من توسع أو تضيق.
    الشفاء هو القاعدة إلا أن نسبة الوفيات بذات الرئة تراوح بين 5 إلى 10% وتكثر عادة بين اليفعان والرضع نتيجة ضعف الارتكاس المناعي لديهم وانسداد السبل الهوائية بالمفرزات. وقد تكون ذات الرئة الحدث المميت النهائي غالباً لدى المسنين المصابين بأمراض مزمنة بسبب نقص الأكسجة والاضطرابات الوظيفية بسبب تصلد الرئة ووجود نتحه ضمن الأسناخ ونقص المطاوعة.
    المعالجة
    يجب البدء فوراً بالعلاج واختيار الصادة المناسبة للوضع السريري، واستناداً لمصدر ذات الرئة وسيرها، فإذا كانت مكتسبة من المحيط تعطى جرعات عالية من البنسلين وريدياً أو يعطى الارترومايسين، أما ذوات الرئة المكتسبة في المشافي فتكون المشاركة الدوائية ضرورية لتغطية العوامل الممرضة كافة، ولاسيما سلبيات الغرام فيمكن المشاركة بين الجنتامايسينgentamycine والببيراسلين pipracillin أو الجيل الثالث من السيفالوسبرينات cephalosporine.
    أما في ذات الرئة الاستنشاقية وفيها يحتمل وجود اللاهوائيات فينبغي إضافة الميترونيدازول أو كليندامايسينclindamycine.
    وتعالج ذات الرئة بالمتكيس الكاريني، ولاسيما لدى مرضى نقص المناعة، بإعطاء مركبات السلفا الثلاثية المركبة أو البنتامدين pentamidine .
    محمود نديم مميز

  3. #613
    من أهل الدار
    الذاكرة (فقد -)

    فقد الذاكرة أو النساوة amnesia هي خلل في الذاكرة، يحول دون تخطر الحوادث أو الأشخاص أو الأشياء أو الأماكن. ويشمل التعريف نسيان المهارات والخبرات والعادات بدرجات متفاوتة.
    وتنجم النساوة إما عن فقدان المقدرة على تخطر الماضي، أو عن تعذر تسجيل الحاضر للاستذكار لاحقاً.
    تقع المراكز المسؤولة عن تسجيل الذكريات واسترجاعها في أجزاء من الجهاز الحَوْفي limbic في عمق المخ cerebrumوتشمل الناحيتين الإنسيتين للفصين الصدغيين temporal lobes، وخاصة كل من الحُصين hippocampus وما يحيط به من قشرة دماغية، إضافة إلى الدماغ البيني diencephalon (ولاسيما المهاد thalamus والأجسام الحليمية mamillary bodies). وتجدر الإشارة إلى أن أذية فص صدغي واحد فقط لا تسبب النساوة، بل إنها تصادف بأذية في الفصين الصدغيين ولهذا شأن عند استئصال ورم أو بؤرة مخلّجة epileptogenic من فص واحد ما لم يكن الجانب المقابل سليماً.
    لعصبونات neurons الناحية الإنسية في الفص الصدغي تشابكات واسعة من عصبونات الدماغ. كما إن لها مقدرة خاصة على تعديل نشاطها بسرعة فائقة مما يعطيها مرونة وظيفية كبيرة ويؤهبها لحفظ الذاكرة قصيرة الأمد short-term واسترجاعها بسرعة ومن ثم، يتم نقل هذه المعلومات التي اختزنت على عجل إلى بقع واسعة مختلفة في قشرة المخ. ويحدث هذا ببطء أكبر فتختزن حينئذ كذاكرة طويلة الأمد long-term.
    وتوحي التجارب على الحيوان أنه بعد اكتساب معرفة أو مهارة ما يكون النقل من الذاكرة قصيرة الأمد إلى نظيرتها طويلة الأمد قد ترسّخ واكتمل. فلا يعود ثمة حاجة للناحية الإنسية للفص الصدغي لاستذكارها في وقت لاحق.
    إضافة إلى ما تقدم، يقوم مُقدم الفص الجبهي frontal بتدقيق ما تم استذكاره، والتحقق من صحته وزمن حدوثه وتسلسل حوادثه. فلا تختلط الأمور بعضها ببعض. ويصاب كثير من الذين يعانون أذية الفص الجبهي بالتخريف confabulation فإذا تعذر على المريض الاستذكار، اختلق قصصاً وهمية ليملأ الفراغ في ذاكرته. ويبقى على يقين راسخ من صحة ما يقوله. وهذا ما يميزه من الكذب المتعمد.
    من الطبيعي نسيان بعض الأسماء أو الحوادث نسياناً مؤقتاً أو دائماً. وقد تخبو الذكريات القديمة أو تنحرف لأن العصبونات المسؤولة عن الذاكرة لا تعمل بمعزل عن العصبونات الدماغية الأخرى، فيؤثر بعضها في بعضها الآخر.
    وللعوامل العاطفية دور في التأثير في الذاكرة أيضاً، فتشوهها أو تكبحها، أو أنها قد تبعد بعضها على نحو انتقائي.
    نماذج النساوة
    قد تكون النساوة مؤقتة أو دائمة، جزئية أو شاملة، مرضية أو فيزيولوجية، ذات بدء حاد أو مخاتل، مترقية أو ثابتة.
    - النساوة الفيزيولوجية: وليس لها شان سريري، فلا أحد يستطيع استذكار طفولته الباكرة، ربما لعدم نضوج بعض البقع الدماغية اللازمة لذلك. وبتقدم السنين، يزداد النسيان. ولا يعد هذا مرضياً إلا إذا كان شديداً، يؤثر على حياة المريض أو عمله، وترافق بنسيان المهارات والخبرات والعادات.
    - النساوة المرضية: وتصادف في حالات مختلفة، تتفاوت من الصدمة النفسانية إلى أمراض عصبية، كالرضوض الدماغية والصرع والنزف تحت العنكبوتية، وأورام الدماغ، وتلو الجراحة العصبية، والأخماج الفيروسية، وداء ألزهايمر وداء بركنسون وغيرها. وهناك عدة نماذج خاصة، بحسب المشهد السريري.
    أ - النساوة الرضية traumatic amnesia: يصادف هذا النموذج من النساوة في رضوض الرأس غير النافذة غالباً فعندما يستعيد المريض صحوه بعد فترة من السبات، يبدي نساوة للحوادث التي سبقت الرض وهذه هي النساوة السابقة retrograde amnesia، وللحوادث اليومية بعد الرض أيضاً وهذه هي النساوة اللاحقة antegrade amnesia.
    يستطيع المريض خلال هذه الفترة من الزمن، أن يستذكر هويته الشخصية وحوادث طفولته. وبمرور الزمن، يتقلص أمدالنساوة السابقة ليزول، باستثناء اللحظات التي سبقت الرض مباشرة، فتبقى ممحية من الذاكرة وإلى الأبد. ولا شأن سريري للنساوة السابقة للرض، على نمط مغاير للنساوة اللاحقة، إذ يستدل على شدة الإصابة من أمدها وتقاس هذه الفترة من وقت الرض حتى عودة الذاكرة المتواصلة.
    قد تصادف النساوتان السابقة مع اللاحقة في الآفات الدماغية الحادة الأخرى، كالنزف تحت العنكبوتية subarachnoid على سبيل المثال.
    ب - ذهان كورساكوف Korsakoff’s psychosis: وينجم عن عوز الفيتامين المعروف - thiamine (أو B1). يصادف في الكحولية alcoholism وفي القيء الشديد المزمن مهما كان سببه. ويؤدي عوز هذا الفيتامين إلى أذية الجهاز الحوفي limbicوأجزاء أخرى من الدماغ ولاسيما الدماغ المتوسط mid brain. وقد تكون هذه الأذية غير عكوسة.
    يقتصر مدى الذاكرة في هؤلاء المرضى على دقائق فقط، ويتعذر عليهم تسجيل الحوادث اليومية لاستذكارها لاحقاً. وقد يترافق هذا مع نساوة للحوادث القديمة، ولا يصادف فيهم تخليط ذهني ولا تقهقر فكري.
    ج - النساوة الهستريائية hysterical amnesia: وتعرف اليوم بالشُراد الهستريائي hysterical fugue.
    وهي نساوة مؤقتة تثار بصدمة نفسانية، يتعذر على المريض معالجتها، فيغادر مألفه habitat، هائماً على وجهه فاقداً لذاكرته ناكراً لمعرفته ذاته، ولكن غير مبال لمحنته ويسترجع ذاكرته بعد عدة أيام، إما فجاءة أو على نحو متدرج، دون أن يتذكر على نحو كامل الصدمة المسببة أو ما تلاها.
    د - النساوة الشاملة العابرة transient global amnesia: يصادف هذا النموذج من النساوة في الكهول. ويعتقد أنه ينجم عن نقص تروية في توزيع الشريانين المخيخيين الخلفيين وهما الغصنيان الانتهائيان للشريان القاعدي. ويؤدي هذا الخلل إلى اضطراب في عمل الناحيتين الإنسيتين للفصين الصدغيين في آن واحد.
    تبدأ الحالة فجاءة، إما تلقائياً، وإما بعد جهد جسدي أحياناً وتتظاهر بتخليط ذهني، فيكثر العليل خلالها في السؤال عن الزمان والمكان الذي هو فيه، وعن سبب وجوده هناك، ولكن من دون أن يفقد معرفته لذاته. تزول النوبة تلقائياً بعد عدة ساعات، تاركة نساوة لما حدث.
    لا تتكرر النوبة غالباً، وإذا ما تكررت، تركت اضطراباً تراكمياً في الذاكرة.
    تصادف حالات مشابهة في الشباب في الشقيقة نادراً. ويستدل على التشخيص الصحيح في هؤلاء من حدوث الصداعالنابض بعد النساوة، ومن وجود سوابق لنوب الشقيقة لديهم.
    هـ - النساوة الصرعية epileptic amnesia: قد يتظاهر الإرهاص الصرعي aura للنوب التي تنشأ من التلفيف الحُصيني hippocampal gyrus من الفص الصدغي بالتلقائية automatism. وتستمر للحظات غالباً ولكن إذا ما استمرت الانفراغات موضعة هناك أدت إلى شراد صرعي قد يستمر عدة ساعات فيهيم المريض خلالها على وجهه، مذهولاً ويقوم بأداء أعمال معقدة، ولكن يعوزها حسن الأداء والدقة. لا يفقد معرفته لنفسه ولا يقوم بأعمال عدوانية أو منافية للعرف والتقاليد. يستعيد المريض وعيه فجاءة وتعود الذاكرة السوية إليه مع نسيان ما حدث.
    وتختلف النساوة الصرعية، والتي هي نوبة صرعية موضعة طويلة الأمد، عن التخليط الذهني الذي يصادف تلو النوبة الاختلاجية الكبيرة.
    و - النساوة المثارة كيمياوياً: وتشمل التعتمة الكحولية alcoholic blackouts والنساوة المثارة دوائياً. تصادف النساوة الكحولية إثر تعاطي كمية كبيرة من الكحول خلال فترة قصيرة. وتستمر دقائق أو ساعات، لا يفقد المريض وعيه ويبدو وكأنه يتصرف على نحو اعتيادي ولكن لا يتذكر ما قام به من أفعال خلال تلك الفترة.
    تصادف نساوة مشابهة للنساوة الشاملة العابرة لدى بعض المرضى، ولاسيما الكهول منهم، خلال الأسبوع الأول غالباً، من بدء المعالجة ببعض الأدوية، وقائمة الأدوية المسببة لهذه الحالة تشمل الأدوية المضادة للرثيات (الروماتيزم) وبعض خافضات الضغط وبعض خافضات الكولسترول إضافة إلى المهدئات.
    أنس سبح

  4. #614
    من أهل الدار
    الذباح

    الذباح angina مصطلح يطلق على كل ألم تشنجي أو خانق أو شعور بالاختناق، وفيما يلي الإصابات الحادة التي تصيب الحلق والبنى المشكلة له والحنجرة وجوف الفم.
    تنجم هذه الإصابات عن عوامل جرثومية وفيروسية منها ما يسبب آفات موضعية تظهر في الحلق أو جوف الفم أو الحنجرة، ومنها ما يسبب إصابة جهازية تكون إصابة الحلق في مرحلة منها إحدى ظواهرها.
    العوامل الجرثومية التي تسبب هذه الإصابات هي: المكورات العقدية streptococcus والمكورات العنقودية staphylococcusوالمكورات السحائية meningococcus واللاهوائيات. والفيروسات التي تحدثها هي: فيروسات النزلة الوافدة (الأنفلونزا)، والفيروسات نظيرة النزلة الوافدة (نظيرة الأنفلونزا) parainfluenza V والنكاف وفيروسات كوكساكي coxsackie وفيروسات إبشتاين - بار Epstein Barr Virus (EBV).
    أما أعراض هذه الإصابات فمختلفة وفق مكانها. وبحسب صفات العامل المسبب تتبدى بحمى وحرقة بلعوم وعسرة بلع وبأعراض تنفسية صاخبة تنجم عن التضيق الشديد في مجرى الهواء، إما بسبب إصابة بدئية فيه كما يحدث في الذباح الحنجري أو بسبب تشكل فلغمون (خراج) في أحد تشكيلات المجرى الهوائي، يؤدي إلى تضيقه مثل خراج خلف البلعوم وذباح لودفيك Ludwig angina. إن أكثر الأعراض التنفسية ظهوراً الصرير stridor (صوت شهيقي خشن)، والزلة التنفسية والضباح (خشونة الصوت) والسعال، ومن هذه الإصابات ما يتبدى بقروح في جوف الفم أو الحلق، تغطيها نضحات exudate (نتحات) أو أغشية كاذبة.
    تصنف هذه الإصابات إلى:
    ـ الذباحات الحمر أو المنقطة: وهي التي تصيب البلعوم وتسببها عوامل فيروسية تشكل طيفاً كبيراً من الأسباب وعوامل جرثومية، أهمها المكورات العقدية الحالة للدم بيتا، وتبرز في لوحتها السريرية أعراض موضعية في البلعوم ويسيطر فيها الاحتقان والتورم والاحمرار الشديد الذي قد يكون منقطاً، وعسرة البلع والألم.
    ـ الذباحات الفلغمونية phlegmonous: وهي ما ينتشر فيها الخمج إلى النسج الرخوة أو الضامة في الناحية.
    ـ الذباحات القرحية: وهي التي تتشكل فيها قرحات في جوف الفم والبلعوم.
    ـ الذباحات الحويصلية: وهي التي تتشكل فيها حويصلات مختلفة الحجم.
    ـ الذباحات الغشائية الكاذبة: وهي التي تتشكل فيها نضحة التهابية تنتشر متمادية على النسيج مشكلة ما يشبه الغشاء الكاذب.
    ـ الذباحات الحنجرية: وهي التي تصيب الحنجرة وتسيطر فيها أعراض الضائقة التنفسية بمختلف شدتها على الأعراض.
    1- الذباحات الحمر أو المنقطة: وهي إصابات البلعوم واللوزتين وتسبب الفيروسات أكثر حالاتها، منها ما يعود إلى إصابة موضعية جرثومية وأهمها التهاب البلعوم العقدي، ومنها ما يحدث في سياق إصابة عامة تكون الإصابة البلعومية تظاهرة للمرض في إحدى مراحل سيره.
    من الأمراض العامة التي تحدث فيها إصابة البلعوم:
    ـ النزلة الوافدة (الأنفلونزا): وهي مرض تسببه الفيروسات A أو B من النزلة الوافدة التي تتصف بارتفاع مفاجئ في درجة الحرارة وعرواءات (الرجفة التي تترافق مع الحمى) وآلام عضلية ووهن وقهم (نقص الشهية للطعام).
    وتتضمن أعراضها حرقة البلعوم واحتقان الأنف والسعال الجاف، ويدوم بضعة أيام تعقبها شكوى المصاب من الوهن.
    كما يمكن للفيروسات الغدية adenovirus أن تسبب إصابة في البلعوم قد تكون نضحية، إلا أن الألم البلعومي لا يكون شديداً وتبقى الأعراض العامة مثل الحمى معتدلة.
    ويمكن لفيروس النكاف الذي يصيب الغدد اللعابية أن يسبب إصابة بلعومية مرافقة، تظهر باحتقان البلعوم وبضخامة اللوزتين وانزياحهما أو انزياح إحداهما إلى الوسط بفعل الضغط الذي تحدثه ضخامة الغدة النكفية.
    هذا وتتظاهر أمراض جرثومية مثل الخمج بالمكورات السحائية بإصابة البلعوم (احتقان البلعوم وعسرة البلع)، ضمن سياق المرض إلا أن الأعراض الأخرى مثل سوء الحالة العامة وتوضع الحبر petechia (النمشات) في مواضع محددة من البدن في حالة تجرثم الدم بالسحائيات وبروز الأعراض العصبية السحائية في حالة التهاب السحايا تكشف الحالة.
    ويمكن لالتهاب البلعوم الذي يترافق بعسرة البلع والألم الشديد وارتفاع الحرارة، أن يؤلف التظاهرة الأخرى لمرض تنشؤي هو ابيضاض الدم leukemia إلا أن الأعراض الأخرى والعلامات الفيزيائية التي يظهرها الفحص السريري والفحوص المخبرية تكشف الحالة.
    إن التهاب البلعوم العقدي هو أهم إصابات الحلق تأثيراً على الحالة الصحية العامة، لما قد يحدثه من مضاعفات (الحمى الرثوية) مما يوجب التشدد بمعالجته درءاً لهذه المضاعفات. إن الجراثيم التي تسبب التهاب البلعوم العقدي هي المجموعةA من المكورات العقدية الحالة للدم بيتا، وأكثر الأعمار إصابة به يقع بين 5 و15 من العمر. تظهر الإصابة فجاءة بحمى وعرواءات وصداع وألم بلعوم يتصف بعسرة بلع شديدة تزداد مع بلع الريق، وقد يكون الألم شديداً يجعل حركة دوران الرأس صعباً في بعض الأحيان.
    يكون احمرار البلعوم مختلف الشدة يشمل الجدار الخلفي للبلعوم واللوزتين وشراع الحنك، كما يتوذم البلعوم واللوزتان واللهاة وتبدو على اللوزتين والجدار الخلفي نقاط نضحية رقيقة متفرقة أو متصلة، كما تتضخم العقد اللمفية في مقدم العنق.
    إذا كانت المكورات العقدية الحالة بيتا من التي تفرز الذيفان المحمر erythrogenic toxin سببت ما يعرف بالحمى القرمزيةscarlet fever وهو مرض يحدث بعد الشكاية من التهاب البلعوم بـ 12 إلى 24 ساعة ويتظاهر بطفح يشمل كامل الجسم بسرعة، وتبدو تبدلات في اللسان تجعله يبدي منظر الكرز ويعرف باسم اللسان الكرزي.
    إن البنسلين بطريق الفم ولمدة عشر أيام، مؤثر في معالجة التهاب البلعوم العقدي والحمى القرمزية.
    2- الذباحات الفلغمونية: وهي ما ينتشر فيها الخمج إلى النسج الرخوة أو الضامة في الناحية محدثة فلغموناً، وتقع هذه الذباحات في الخراج خلف البلعوم والخراج حول اللوزة وذباح لودفيك.
    أ ـ الخراجة خلف البلعوم: وتتشكل في المسافة، ما بين الجدار الخلفي للبلعوم والصفاق (البيرتوان) أمام فقرات العمود الرقبي، عند الأطفال خاصة. قد تكون الخراجة خلف البلعوم مضاعفة لالتهاب بلعوم عقدي، خاصة إن لم تحسن معالجته، أو تتشكل من امتداد الإصابة الفقرية إلى تلك المسافة، أو من تأذي البلعوم بفعل أداة حادة يلهو بها الطفل بوضعها في فمه. أماالجراثيم التي تسبب الخراجة خلف البلعوم فهي المجموعة A من المكورات العقدية الحالة للدم بيتا والجراثيم اللاهوائية والمكورات العنقودية. تحدث الأعراض عادة بعد ما يكون المريض قد عانى من إصابة بلعومية تحدث فيها فجاءة حمى شديدة الارتفاع وصعوبة في البلع تجعله غير قادر على الشرب، وقد تظهر صعوبة تنفسية تتبدى بالصرير. إن صعوبة البلع الشديدة تؤدي إلى تراكم المفرزات في الفم وتسيل منه ويتخذ المصاب وضعية فرط بسط العنق بسبب التبدل التشريحي الناجم عن الخراح، ومحاولة لإبقاء السبيل الهوائي مفتوحاً أقصى ما يمكن.
    يكون الانتباج في جدار البلعوم الخلفي واضحاً وقد يتوضع الخراج قريباً من منطقة البلعوم الأنفي ساداً بذلك الأنف الخلفي ويدفع شراع الحنك إلى الأمام. قد ينبثق الخراج تلقائياً، إن لم يعالج، وقد ينتقل القيح عندئذ إلى الرئتين أو ينتشر إلى أحد جانبي العنق أو ينتشر على امتداد الصفاق إلى المنصف. قد تمنع المعالجة بالبنسلين والبنسيلينات نصف التركيبية التقيح وقد يحتاجالخراج إلى التفجير جراحياً.
    قد تصاب الفسحة الجانبية للبلعوم بالخمج بالجراثيم نفسها وتعرف الحالة عندئذ بالخراجة البلعومية الجانبية lateral pharyngeal abcess وتتصف هذه الإصابات بحمى شديدة الارتفاع وضزز trismus (تضيق شديد يصيب الفكين نتيجة تقفع العضلات الماضغة) وألم شديد في البلعوم مع صعوبة البلع، ويظهر الانتباج واضحاً في جانب البلعوم وتتضخم العقد اللمفية الرقبية في الناحية وتكون مؤلمة، وقد يؤدي التشنج العضلي إلى الصعر torticollis (الاجل) (وضعية يظهر فيها ضرب من التواء العنق وميلان الرأس)، ومعالجة هذه الحالة جراحية بالتفجير.
    ب ـ الخراجة حول اللوزة: ويحدث الخمج في المسافة بين العضلة المعصرة للبلعوم واللوزة، وسببها المجموعة A من العقديات الحالة للدم بيتا أو اللاهوائيات في اليفع وما قبله، يتقدم على تشكل الخراجة إصابة اللوزتين والبلعوم، وقد تكون الحمى بسببهما قد خمدت أم لم تخمد. لتتبدى الأعراض بألم بلعومي شديد أكثر شدة من قبل وضزز يجعل المصاب يرفض الطعام والشراب وحتى التكلم، وقد يحدث الصعر، وتكون اللوزة المصابة منتبجة ومتوذمة تدفع باللهاة إلى الجانب المقابل، تأخذ الخراجة بالتلين إن لم تعالج معالجة مناسبة في غضون بضع أيام لتنبثق في منطقة السويقة الحلقية الأمامية anterior faucial pillar. أما المعالجة المناسبة فتقوم على إعطاء الصادات والشق الجراحي.
    ج ـ ذباح لودفيك ludwig angina: وهو التهاب الهلل cellulits تسببه الجراثيم اللاهوائية في المسافة تحت اللسان وتحت الفك السفلي، يؤدي إلى وذمة قاسية في قاع الفم تدفع باللسان إلى الارتفاع في جوف الفم دون أن تتضخم العقد اللمفية في العنق. تتصف هذه العلامات بالألم الشديد وعسرة البلع، وقد يؤدي تفاقم هذه الأعراض والعلامات إلى زلة تنفسية تعرض حياة المصاب للخطر ما لم يتم إجراء خزع الرغامى لإنقاذه.
    3- الذباحات القرحية:
    أ ـ التهاب اللثة والفم الحلئي herpetic الحاد: غالباً ما يسببه فيروس الحلأ البسيط ـ1 HSV-1 أكثر ما يصيب الأطفال ما بين السنتين الثانية والرابعة من العمر، كما يصيب اليافعين والبالغين أحياناً، ولا يتظاهر سريرياً إلا في 5% من حالات الخمجالبدئي بفيروس الحلأ البسيط التي تكون لا عرضية.
    تحدث الإصابة في الأغشية المخاطية للفم ببدء مفاجئ ترتفع الحمى لتصل إلى 39.4 أو 40.6 درجة مئوية ويعاني المصاب من هياج وقهم وحرقة بالفم وتظهر في الوقت نفسه آفات واضحة في الأغشية المخاطية للفم فتنتبج اللثة وتحتقن احتقاناً شديداً تؤدي إلى سهولة نزفها وتظهر قرحات سطحية ذات محيط أحمر على الغشاء المخاطي للفم واللسان وفي الحلق. وقد تظهر هذه القرحات أول ما تظهر في اللوزتين ثم تنتشر إلى بقية الأغشية المخاطية في الفم، وتتضخم العقد اللمفية الرقبية وتكون مؤلمة. تختلف شدة الإصابة ومدتها، فقد تكون بسيطة تتصف بأعراض عامة بسيطة وحمى خفيفة وقرحات قليلة العدد، وتتحسن الحالة عندئذ في غضون 5 إلى 7 أيام، وقد تكون شديدة ترتفع فيها الحمى كثيراً وتكون الآفات الفموية نازفة ومؤلمة تحول دون تناول ما يكفي من الوارد وقد تؤدي إلى التجفاف والاحمضاض، ولا تتحسن الحالة قبل انقضاء 10 إلى 14 يوماً على البدء.
    ب ـ ذباح قلة العدلات agranulocytosis angina: هناك من الأمراض والأدوية ما يؤدي إلى نقص في عدد العدلات (قلة العدلات agranulocytosis). إذا قل عدد الكريات البيض إلى ما دون 1000 كرية بيضاء/مم3 ربما أدى ذلك إلى أن تتظاهر أول ما تتظاهر بالتهاب البلعوم الحاد: حيث تكون اللوزتان وجدار البلعوم الخلفي شديدي الاحتقان تغطيهما نضحة بيضاء أو صفراء وتكون الأغشية المخاطية تحت هذه النضحة شديدة التقرح. تمتد هذه التقرحات إلى جوف الفم بكامله لتشمل اللسان، وتتصف هذه الآفات بأنها شديدة الألم وتكون عسرة البلع شديدة وتحدث النزوف من الأغشية المخاطية وتتضخم العقد اللمفية في الرقبة.
    ج ـ الذباحات القلاعية aphtous angina: وهي آفات فموية تميل للرجعة سببها غير معروف، وربما تعود إلى المناعة الذاتية، والآفات القرحية القلاعية يقل قطرها عن 5مم قد تكون محمرة، محيطها حمامي تغطيها نضحة ليفية بيضاء مصفرة، يتقدم على ظهور هذه القرحات أعراض بادرية هي حس حرق أو حكة أو المضض الذي يصل إلى الانزعاج من تناول الطعام. قد تكون الآفات مفردة أو متعددة، وتتوضع في مواضع شائعة هي قاع الفم، السطح البطيني من اللسان والثنيات المخاطية الفموية وقلما تظهر على شراع الحنك أو على مخاطية الفم.
    4- الذباحات الغشائية الكاذبة:
    أ ـ ذباح فنسان vincent’s angina: ويعرف بالتهاب البلعوم المواتي، تسببه الجراثيم اللاهوائية، تكون الشكوى فيه ألم شديد فيالبلعوم ونتن النفس وكراهة الطعم في الفم والإحساس بالاختناق. يبدو البلعوم محمراً متقرحاً يغطيه غشاء رمادي اللون سهل التقشر ويتم نزعه بسهولة ويترافق باعتلال العقد اللمفية، قد لا تدوم الإصابة إلا أياماً أو تستمر أسابيع وغالباً ما تبدأ الآفة في جانب واحد ثم تنتشر إلى الجهة الأخرى.
    ب ـ كثرة الوحيدات الخمجية infectious mononucleosis: مرض يسببه فيروس إبشتاين ـ بار EBV ومن أعراضه الحمى وحرقةالبلعوم حيث تتضخم اللوزتان وتحتقنان وتظهر عليهما نضحة بيضاء رمادية مشكلة غشاء كاذباً، تدوم هذه العلامات مدة 7 إلى 10 أيام. وتتميز بالتهاب البلعوم الحاد الغشائي الكاذب والضخامة العقدية في العنق وضخامة الطحال.
    ج ـ التهاب اللوزتين الحلئي الحاد: قد تتجمع الآفات الحلئية على اللوزتين مشكلة غشاءً كاذباً، وقد تصادف هذه الإصابة في بدء بعض حالات التهاب الفم واللثة الحلئي الحاد، ومنه تنتشر الآفات إلى بقية الغشاء المخاطي في جوف الفم.
    5- الذباحات الحويصلية vesicular angina:
    أ ـ الخناق الحلئي herpangina: وأكثر ما يسببه الفيروس كوكساكي A، يتصف ببدء مفاجئ بحمى مرتفعة تدوم مدة 1 إلى 4 أيام مع فقد الشهية وحرقة البلعوم، وعسرة البلع. تكمن أبرز معالم هذا المرض في البلعوم حيث تظهر على السويقات الأمامية للحلق حويصلات صغيرة لا يتجاوز قطرها 1-2ملم لا تلبث أن تنبثق مشكلة قرحات تغطيها نضحة بيضاء رمادية وتكبر هذه القرحات خلال 2 إلى 3 أيام وتحيط بها هالة حمراء إلا أنها لا تزيد عن 5مم. تختفي الأعراض العامة والموضعية خلال 4 إلى 6 أيام ليحدث الشفاء الكامل.
    ب ـ داء اليد القدم الفم: وهو مرض يتصف بحمى واندفاعات حويصلية أكثر ما تظهر في الغشاء المخاطي للفم واللسان وأقل من ذلك أن تظهر على شراع الحنك واللثة والشفتين، ويظهر طفح لطخي حطاطي على اليدين والقدمين ثم يصبح حويصلياً، ينسب إلى الزمر 16 و5 و10 من مجموعة فيروسات كوكساكي A.
    6- الذباحات الحنجرية: وهي مجموعة متغايرة من حالات خمجية تصيب الحنجرة تتظاهر بالحمى والسعال الوصفي والضباح، قد تترافق بصرير شهقي أو لا تترافق وعلامات شدة تنفسية تعود إلى درجات مختلفة من انسداد الحنجرة، وقد تهدد صفحة الانسداد الحنجري هذه الحياة ما لم يبادر سريعاً إلى اتخاذ الإجراءات المنقذة (التنبيب أو خزع الرغامى). أما الأسباب فتعود إلى عوامل ممرضة متعددة تقع الفيروسات وخاصة فيروسات نظيرة النزلة الوافدة منها على رأسها، كما أن الجراثيم ومنها المستدميات النزلية ب hemophilus B، والمكورات العنقودية تسبب أشكالاً وصفية من هذه الذباحات.
    للذباحات الحنجرية أربعة أشكال:
    أ ـ التهاب الحنجرة الخمجي الحاد: مرض شائع، أكثر ما يحدث بين الشهر الثالث والسنة الخامسة من العمر، ويكثر انتشاره في الفصول الباردة من السنة، ويزيد وقوعه في الإناث على الذكور، تسبب معظم حالاته الفيروسات وخاصة نظيرةالنزلة الوافدة منها. يتصف البدء عادة بالتهاب السبل التنفسية العلوية ويعاني المصاب في أثنائه من حرقة البلعوم والسعال الضباحي والصرير الذي يشتد ويصبح صريحاً مع هياج الطفل وبكائه. والإصابة خفيفة على وجه العموم والشدة التنفسية الصريحة غير شائعة إلا في صغار الرضع، أما في الحالات الشديدة فيكون الضباح والصرير صريحين والطفل هادئاً، ويعاني المصاب من الزلة والتململ ويظهر السحب بأنواعه (وهو انجذاب الصدر للداخل مع حركة الشهيق)، تحت القص وفوق القص وبين الأضلاع. ومع ترقي الحدثية المرضية (وهي انتباج الأغشية المخاطية في منطقة ما تحت المزمار)، تتكرر دورات معاناة الطفل من التعطش للهواء air hunger والتململ والزرقة في الشفتين والأظافر، حتى يصيبه الإنهاك، مشرفاً على الهلاك ما لم تتخذ الإجراءات الإسعافية المنقذة للحياة.
    تقوم المعالجة على المحافظة على السبيل الهوائي مفتوحاً ومكافحة الخمج، وأفضل ما يمكن تقديمه للطفل المصاب في المنزل وضعه في جو رطب مشبع ببخار الماء كأن يوضع في الحمام وإراحته وإغداق السوائل عليه.
    ب ـ التهاب لسان المزمار الحاد: وهو حالة خطيرة ذات سير حاد وخيم تحدث في الأطفال ما بين السنتين والسابعة من العمر، وأكثر ما يحدث وقوعه في السنة الثالثة والنصف من العمر، تبلغ نسبة إصابة الذكور للإناث 3/2. إن الصورة الوصفية للإصابة بالتهاب لسان المزمار الحاد هي أن يشكو الطفل من ترفع حروري شديد وحرقة البلعوم وعسرة البلع فجأة، لتظهر عليه علامات الشدة التنفسية في غضون دقائق أو ساعات فيظهر الصرير والضباح والسعال والهياج والتململ وسيلان اللعاب. توحي هذه الأعراض بالانسداد في السبيل التنفسي بلسان المزمار (لسان المزمار: بنية غضروفية تشبه الجفن lidlikeتبرز من مدخل الحنجرة، وتفيد في منع دخول الطعام إلى الحنجرة في أثناء البلع، حيث تغلق مدخل الحنجرة عندئذ). إن الأعراض المذكورة تجعل الطفل يتخذ وضعية فرط بسط العنق، ووضعية الجلوس مندفعاً للأمام وفمه مفتوح ولسانه متدل، يسيل من فمه اللعاب في سعي لفتح السبيل الهوائي. إن أكثر ما يسبب التهاب لسان المزمار الحاد هو المستدميات النزلية B. إن سرعة سير الحالة وخطورتها تستوجب إجراءً إسعافياً سريعاً. تدوم الحالات الخفيفة مدة 2 إلى 3 أيام. وليذكر إن محاولات الضغط على اللسان لرؤية البلعوم أو المزمار قد تؤدي إلى توقف القلب بتنبيه العصب المبهم، ويجب أن لا يتم ذلك إلا بعد اتخاذ التدابير اللازمة التي يقوم بها المؤهلون.
    ج ـ التهاب الحنجرة التشنجي spasmodic laryngitis: غالباً ما يحدث في الأطفال ما بين السنتين الأولى والثالثة من العمر وسببه فيروسي في أغلب الحالات. تحدث أغلب الحالات في المساء أو الليل ببدء مفاجئ، تسبقه عادة الإصابة بزكام خفيف أو متوسط الشدة وضباح إذ يستيقظ الطفل من نومه وهو يسعل سعالاً نباحياً، ويسمع الصرير وتظهر أعراض الشدة التنفسية مما يجعله قلقاً وفزعاً، إن قلق الطفل وفزعه وهياجه يزيد من شدة الصرير والشدة التنفسية وإراحته وهدوئه تقلل منهما ويتم ذلك بتهدئته ووضعه في جو رطب مشبع ببخار الماء. قد تتناوب على المصاب عارضات زرقة متقطعة. والمألوف أن يستيقظ الطفل في الصباح التالي وقد خمدت الأعراض وتحسنت حالته لا يشكو إلا من سعال خفيف وضباح وقد تعاود هذه الصفحة السريرية الطفل لعدة ليال.
    د ـ التهاب الحنجرة والرغامى الجرثومي: وهو خمج جرثومي حاد يتلو على الغالب التهاب الحنجرة الفيروسي، وأكثر ما تسببه الجراثيم العنقودية الذهبية، وقد تسببه أيضاً المستدميات النزلية والموركسيلة النزلية، وأكثر ما يحدث في الأطفال دون السنة الثالثة من العمر، وقد يصيب الأطفال أكبر من هذه العمر ويمكن أن تكون الإصابة بدئية بالمكورات العنقودية الذهبية. عادة ما تظهر الإصابة في طفل يعاني من إصابة تنفسية علوية تتبدى على شكل التهاب حنجرة بأعراضه المعروفة إلا أن الحالة تسوء بالتدريج مع تطبيق المعالجة التقليدية لالتهاب الحنجرة، ولا تبدي الفحوص المتممة ما يثبت الإصابة بالتهاب لسان المزمار. إن الإصابة المرضية الأساسية في التهاب الحنجرة والرغامى، تكمن في انتباج المخاطية في مستوى الغضروفالحلقي، حيث يتوضع في هذا المكان مخاط كثيف ومفرزات قيحية لا يغني مص المفرزات آلياً من الحاجة للتهوية الصناعية وتطبيق الأدوية المضادة للمكورات العنقودية المذهبة.
    محمد ياسين

  5. #615
    من أهل الدار
    الذهان

    الذهان psychose مصطلح عام يطلق على الإصابات العقلية الشديدة التي تعيق التلاؤم العقلي مع متطلبات الحياة، لذا فهو اضطراب يصيب إحدى الوظائف العقلية أو كلها بما فيها العاطفة والتفكير والإدراك، وفيه يبتعد المريض عن الواقع ويضطرب سلوكه وتختل موازينه العقلية كلها ويفقد بصيرته ومحاكمته وإدراكه السليم للأمور.
    ويشمل الذهان الأمراض الآتية:
    متلازمة الهوس والاكتئاب manic-depression-syndrome
    هي حالة متكررة من الهوس mania أو الاكتئاب depression أو الاثنين معاً بالتبادل ويصبح المصاب متغير الحس والأفكار والحركة بسرعة كبيرة في حالة الهوس، وبطيء الانفعال والحس والحركة في حالة الاكتئاب.
    للوراثة شأن هام (60 إلى 70%) في حدوثه كما أنه يصيب الإناث أكثر من الذكور والاسكندنافيين أكثر من العروق الأخرى، يضاف إلى ذلك أن لاضطراب الغدد الصم مثل تسمم الدرق ونفاس الولادة والدورة الطمثية شأناً في الإصابة به.
    أطوار المرض:
    أ - طور الهوس manic phase: ويقسم حسب شدته لأربعة أنواع هي:
    - الهوس الخفيف hypomania: ويكون فيه المريض مليئاً بالحيوية والنشاط لكنه غير مستقر في مكانه وأفكاره، ويميل للعدوانية الخفيفة والتعليق على الآخرين.
    - الهوس الحاد acute mania: ويكون فيه الهوس بدرجة أشد والمريض مضطرب شديد المرح، سريع الغضب، كثير التأثر بالمنبهات الداخلية والخارجية وعلاقته بالبيئة مضطربة جداً من دون تعقل، وتظهر الهلاوس والهذيانات على سلوكه ويشعر بالعظمة، كما تضعف محاكمته العقلية للأمور.
    - الهوس الهذياني delerious mania: والهوس في هذه الحالة شديد جداً والمريض غير مستقر، يتصف بالعدوانيةً وبإصابته بالهلاوس السمعية والبصرية والهذيانات وفقدان الإدراك.
    - الهوس المزمن chronic mania: يستمر الهوس في هذه الحالة مدة طويلة ويصبح مزمناً، ويحدث عادة في سن متأخرة (40 سنة وما فوق) وتكون أعراضه أقل من الهوس الحاد، ويأتي بشكل هجمات هوسية دورية.
    ب - طور الاكتئاب depressive phase: وتبدو على المريض علامات الحزن وبطء الحركة والتفكير، وقد يترافق بتوهم المرض والاضطهاد واتهام الذات بالتقصير، ويميل المريض لإيذاء نفسه والانتحار.
    ويقسم الاكتئاب بحسب شدته إلى:
    - الاكتئاب البسيط simple depression: وفيه يكون الاكتئاب خفيفاً والمريض بطيء الحركة حزين المظهر ضعيف التفكير والتركيز الذهني، يشكو من الصداع والتعب.
    - الاكتئاب الحاد acute depression: وفيه تكون علامات الاكتئاب واضحة وشديدة، ويبدو المريض منفعلاً بطيء الكلام والحركة، كثير الشكوى من الأمراض الجسدية، قليل الانتباه، تبدو عليه علامات الشعور بالذنب والحزن واليأس وربما حاول الانتحار.
    - الاكتئاب الذهولي depressive stupor: وفيه تكون أعراض الاكتئاب شديدة جداً، والمريض بطيء الحركة والكلام على نحو شديد، متبلد أو عديم الشعور والعاطفة ومضطرب الوعي، هزيل الجسم ضعيف الصحة، تتملكه أفكار انتحارية.
    - اكتئاب سن الإياس أو الاكتئاب الأوبي involutional depression: هو نوع من الاكتئاب يصيب النساء في مرحلة سن الإياسوانقطاع الطمث كما يصيب الرجال في سن التقاعد. تظهر على المريض علامات الاكتئاب والقلق وعدم الاستقرار والخوف منالموت واتهام الذات والشك بالآخرين وحس انعدام بعض أعضاء الجسم أو أطرافه.
    المعالجة: هناك العلاج العضوي ويكون بالأدوية النفسية أو بالصدمات الكهربائية (E.C.T) electro-shock من قبل الطبيب النفسي. كما أن هنالك العلاج النفسي ويكون بجلسات نفسية من قبل الطبيب أو المعالج النفسي، هدفها دعم السلوك النفسي للمريض وتعزيزه ومناقشة أعراض المرض وإقناع المريض بأنها وهمية. يضاف إلى ذلك علاج اجتماعي وعلاج بالعمل وهدفهما حل مشكلات المريض المادية والاجتماعية وإملاء فراغه وإعادته للعمل والنشاط الاجتماعي ليستعيد ثقته بنفسه وبأسرته ومجتمعه.
    الفصام schizophrenia
    مرض عقلي يصيب الوظائف العقلية، ويتصف بحدوث اضطرابات شديدة في مجالات العاطفة والتفكير والإدراك، وميل متزايد إلى الانزواء والانطواء على الذات مما يسبب تدهوراً تدريجياً في الشخصية فيصبح المريض عاجزاً عن التكيف مع بيئته. ويبدأ هذا المرض عادة في سن المراهقة، ولا تعرف له أسباب محددة وأكيدة ويمكن تقسيمها إلى:
    - أسباب مهيئة للمرض: وللوراثة فيها شأن هام بنسبة 60 إلى 70%، كما أن هذا المرض يصيب فئات خاصة من العمر (اليافعون 15 سنة والمسنون بعد سن الأربعين)، وللتكوين النفسي والجسدي تأثيرهما فيه كالنمط النحيف والنمط الرياضي من الأجسام، والميالين نفسياً للعزلة والحساسين، ولاضطرابات الغدد الصم والتمثل الغذائي وأمراض الجهاز العصبي المركزي شأن مهيئ لهذه الإصابة.
    - أسباب مؤهبة للمرض: وهي الأسباب التي تفجر المرض وتُظهره مثل ارتفاع الحرارة ونفاس الولادة وإصابات الرأس والصراع العاطفي لمدة طويلة والإحباط والحرمان العاطفي والأزمات وزيادة الضغط الخارجي على المريض والغربة والسفر والمعاناة الطويلة.
    أعراض الفصام:
    - أعراض اضطراب مجال التفكير: يضطرب تفكير المريض ويصبح غامضاً ومشوشاً وغير مترابط، كما يعاني من ضغط الأفكار أو هروبها من رأسه وتظهر لديه الهلاوس السمعية والبصرية والحسية والهذيانات الاضطهادية والانعدامية، ويتأثر المريض بالأهلاس السمعية ويستجيب لها بعقله وجسمه وكأنها حقيقية ويعيش من خلالها.
    - أعراض اضطراب السلوك الحركي والإرادة: تظهر على المريض أعراض التردد وضعف الإرادة وعدم أخذ القرار ويضطرب السلوك الحركي ويصبح المريض منعزلاً بعيداً عن الناس والمجتمع، بعيداً عن الواقع وكأنه يعيش في عالم خيالي خاص به يصعب إخراجه منه.
    - أعراض اضطراب العاطفة: وتظهر على هيئة تبلد الشعور واللامبالاة وتذبذب العاطفة وتناقضها وانعدام العاطفة وتباينها أحياناً.
    أنواع الفصام:
    - الفصام البسيط simple schizophrenia: يبدأ تدريجياً ويتقدم ببطء ويصبح مزمناً ويظهر على المريض تبلد الشعور وفقدان الإرادة والانطوائية وأحلام اليقظة ويشكو من أمراض جسدية وهمية ويصبح غارقاً في أفكاره وأوهامه ولا يعمل.
    - الفصام الخامل أو فصام المراهقة أو فصام الفند hebephrenic schizophrenia: وفيه يكون المريض خاملاً جداً، قليل الفعالية مشوش الأفكار، تظهر عليه علامات الاضطراب الفكري من هلاوس واضطراب العاطفة وتذبذبها كما يصاب المريض بالاكتئاب والانزواء أو السلبية الشديدة.
    - الفصام التصلبي catatonic schizophrenia: يبدو هذا النوع على نحو فجائي، ويكون دورياً وينتهي بتدهور الشخصية. يصاب المريض بالهمود والذهول أو بالهياج الشديد وتظهر علامات الجمود الحركي وتكرار الكلام الذي يسمعه أو تقليد الحركة التي يراها ويحافظ على الوضع الذي يوضع به لمدة طويلة دون تعب أو حس بالألم.
    - الفصام الضلالي أو الزَّوَري paranoid schizophrenia: يبدأ تدريجياً أو بشكل حاد في سن متأخرة (30-40 سنة)، تبقى فيه شخصية المريض متماسكة ويصاب بالهذيانات والضلالات الاضطهادية والأهلاس وخاصة السمعية منها. وتظهر أعراض الشك الشديد بكل من حوله وعدم الثقة بأحد كما يصاب المريض أحياناً بداء العظمة والاستعلاء على الآخرين ثم ينتهي باضطراب الشخصية الشديد.
    المعالجة: تقوم معالجة مرضى الفصام على المعالجة الدوائية بمضادات الفصام القديمة منها والحديثة التي تخفف أو تزيل أعراض المرض العقلية وتوقف الهجمة الشديدة، وقد يحتاج الأمر للمعالجة الفيزيائية بالصدمات الكهربائية للحالات التي تتصف باضطراب العاطفة الشديد والاكتئاب والذهول، وهناك المعالجة الجراحية المزمنة وذلك بنزع الفص الجبهي من الدماغprefrontal lobotomy أو استئصالها. وهنالك أيضاً المعالجة النفسية والاجتماعية والمعالجة بالعمل وهي هامة جداً وتطبق بعد زوال الهجمة المرضية وهدفها تصحيح سلوك المريض وحل الصعوبات التي تواجهه وإعادته للعمل والأسرة والمجتمع ليستعيد ثقته بنفسه.
    الزَّوَرْ والحالات شبه الزورية paranoia and paranoid conditions:
    الزور هو اضطراب عقلي مزمن يتميز بهذيانات مرتبة ومنطقية ولا تترافق بتغير في السلوك والمزاج والحالة الانفعالية عند المريض.
    قد تكون أسبابه وراثية، كما في الشخصية الزورية، أو نفسية كالشعور بعدم الاطمئنان والشعور بالذنب والإخفاق والفشل، أو اجتماعية كالتعرض للضغط الاجتماعي والنفسي لمدة طويلة.
    تظهر أعراضه بعد سن الثلاثين وتتصف بهذيان حاد حول بعض المشكلات التي تواجه المريض ثم يظهر بعدها التبرير غير المنطقي لإثبات صدق أفكاره وميوله العدائية ومعتقداته الخاطئة المليئة بالشعور بالكره والعدوانية تجاه الآخرين الذين يتهمهم باضطهاده، أو يأخذ المرض شكل هذيان العظمة أو سوء التأويل المشحون بشحنة عاطفية شديدة من الغضب. وقد يتهم المريض الآخرين بالتجسس عليه ومراقبته والتآمر عليه ونشر الأكاذيب عنه ويصبح المريض متعالياً وعدائياً وكثير الشكوى.
    أنواع الزور:
    - الزور الاضطهادي: والفكرة الهذيانية المسيطرة فيه هي الاضطهاد من الآخرين وتفسير سلوكه الخاص والعدواني من خلال هذه الفكرة المصحوبة بالغضب الشديد والانفعال الذي يوجه سلوك المريض وعدوانيته تجاه الآخرين.
    - الزور الخصامي: وفيه تظهر فكرة العناد الشديد في أفكاره الخاطئة والإلحاح بالمطالبة بحقوقه والشكوى من الظلم والغبن الشديد من قبل الآخرين.
    - الزور العَظَمي (زور الشعور بالعظمة): وتبدو فيه أفكار العظمة وادعاء الاختراعات واضحة، وربما ادعى المريض أنه من أسرة نبيلة أو قائد ديني أو سياسي مشهور وفيه يصبح سلوك المريض متناسباً مع هذه الهذيانات بما يتصل بالهندام والحركة والتقمص.
    - الزور الغَرامي: وفيه يظهر هذيان الاعتقاد بأن المريض محبوب من قبل أمير أو أميرة أو من قبل شخصية اجتماعية مشهورة سمع باسمها بالصحف والمجلات أو الأخبار ويتخيل أن هذه الشخصية تراسله وتلاحقه لإيقاعه بحبائلها للزواج أو التقرب منه والإيقاع به.
    المعالجة: المعالجة المفضلة في هذا المرض هي المعالجة الدوائية بأدوية خاصة تخفف من هذه الهذيانات وتهدئ المريض. وتقتضي بعض الحالات الشديدة والخطيرة معالجة المريض في المستشفى. كما أن المعالجة الاجتماعية مفيدة جداً في أكثر الحالات وذلك باستعمال التهدئة واللطف مع المريض من قبل بيئته وأسرته وعدم إثارة عدوانيته الشديدة تجاه الآخرين.
    عبد الحميد غنامة

  6. #616
    من أهل الدار
    الذيفانات

    الذيفان toxine سم ذواب تفرزه الجراثيم في الجسم الحي أو في الأوساط الزرعية الصنعية. وتعود معظم الأعراض والآفات في الأمراض الجرثومية إلى الذيفانات.
    كانت الذيفانات في السابق تقسم إلى داخلية وخارجية لكنها تصنف اليوم وفق تركيبها الكيمياوي إلى ذيفانات بروتينية وذيفانات سكرية شحمية بروتينية (عديدات السكاريد الشحمية). وللذيفانات خاصة مستضدية antigenique أي أنها تحرض تكوين أضداد anticorps نوعية لها تسمى أضداد الذيفان أو الترياق. ومضاد الذيفان هو مادة تكونها العضوية لمقاومة تأثيرات الذيفان وتشاهد في المصل. يتحد مضاد الذيفان مع الذيفان الذي أدى إلى تكونه فيفقده خاصيته السامة.
    الذيفانات البروتينية
    تتوافق الذيفانات البروتينية إلى حد بعيد مع ما كان يطلق عليه في السابق اسم الذيفانات الخارجية التي تفرزها الجراثيمإيجابية الغرام gram+، ولكن لا يقتصر إفراز الذيفانات البروتينية على إيجابيات الغرام وحدها فعصية شيغا shiga وهي من الشيغلات الزحارية وتسبب الزحار العصوي، والبورديتلات الشاهوقية عامل السعال الديكي أو الشاهوق، واليرسينية الطاعونية عاملالطاعون تفرز ذيفانات خارجية، وهذه كلها جراثيم سلبية الغرام.
    تنتشر الذيفانات البروتينية في الوسط الزرعي الذي تنمو فيه، ويمكن فصلها عن الجراثيم التي تفرزها بالترشيح، ومن هنا أتت تسميتها السابقة «الذيفانات الخارجية»، لكن هذا الوصف لا ينطبق دوماً على الحالات جميعها.
    تُفرز بعض هذه الذيفانات في الأوساط الزرعية في المرحلة النشطة لنمو الجرثوم، ويحوي جسم الجرثوم كمية ضئيلة من هذا الذيفان لأن معظمه ينتقل على نحو مبكر إلى الوسط الذي يعيش فيه الجرثوم؛ وهذا هو شأن العصيات الخناقية عامل الخناق مثلاً. ولكن هناك ذيفانات ينطرح قسم منها في الوسط وقسم آخر حين انحلال الجرثوم؛ وهذا هو حال ذيفانات معظمالجراثيم اللاهوائية كعصيات الكزاز عامل الكزاز tetanos. كما أن هناك بعض الذيفانات التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجسم الجرثوم ولا تنطلق البتة إلى الوسط في أثناء مرحلة نموه كما هو الأمر في عصيات شيغا الزحارية والطاعون والسعال الديكي.
    وفي بعض الأحيان يفرز الجرثوم ذيفانه خارج العضوية كأن يفرزه في الغذاء مثلاً، فحين تناول هذا الطعام سواء أكان مصحوباً بالجرثوم أم غير مصحوب به تحدث إصابة مرضية كما هي الحال في التسمم الوشيقي[ر] (البوتوليزم) الذي يحدث أحياناً بعد تناول الأغذية المحفوظة غير المعقمة.
    إن القدرة السامة للذيفانات البروتينية شديدة جداً ولاسيما لبعضها كالخناق والكزاز؛ فالمقدار الأصغري المميت لحيوانات التجربة منها ضئيل يمتد من 100/1 ملغرام إلى 1000000/1 ملغرام.
    ومن صفات هذه الذيفانات أنها تسبب عدداً من الآفات الخلوية والنسيجية يختص بها كل ذيفان تبعاً لخصائص انجذابه للنسيج. فذيفانات المطثيات الكزازية والوشيقية (البوتوليزم) ذات انجذاب عصبي لكن الأولى تسبب تقفعات (تقلصات)contractures عضلية في حين أن الثانية تسبب شللاً، وذيفان الخناق ينحاز للأنسجة كلها فيصيب معظم أنواع الخلايا.
    ومن صفات الذيفانات البروتينية أيضاً أنها تفقد سميتها إذا عوملت بالفورمول والحرارة لكنها تحافظ على خاصتها المستضدية فتسمى حينئذ ذوفان toxoïde ومن هنا أتى اللجوء لبعضها لتهيئة لقاحات تقي شر فعل الذيفان كاللقاح المضاد للخناق واللقاح المضاد للكزاز.
    خصائص الذيفانات
    البروتينية عديدات السكاريد الشحمية
    وجودها في الوسط + -
    مقاومتها الحرارة + -
    الجراثيم المسببة قليلة العدد كثيرة العدد
    معظمها مبوغ إيجابي الغرام معظمها سلبي الغرام
    القدرة المستضدية ++++ +
    إزالة السمية بالفورمول + (ترياق) -
    تأثيرها النوعي ++++ -
    التأثيرات العامة انجذاب عصبي اضطرابات دورانية مناعيةارتفاع حرارة

    الذيفانات البروتينية الشحمية السكرية (عديدات السكاريد الشحمية)
    وهي توافق الذيفانات الداخلية للجراثيم سلبية الغرام وأكثرها أهمية يأتي من زمرة الجراثيم المعوية enterobacteries من جنس السلمونيلات والايشريكيات القولونية. وقد تبين أنها تتوضع في أقصى القسم الخارجي للغشاء الجرثومي (الغلاف). وتظهر هذه الذيفانات في المزارع القديمة بعد انحلال الجراثيم. ومن خصائصها أنها لا تتأثر بالحرارة كالذيفانات الخارجية، وقدرتها السامة ضعيفة نسبيا،ً ولا يمكن تحويلها إلى ذوفانات ذات خواص مستضدية. وقد تمت دراسة دور الذيفان الداخلي للسلمونيلات التيفية على نحو مفصل فهذه الجراثيم حينما تصل إلى الأمعاء الدقيقة تستولي على العقد المساريقية، ثم تتلف داخل هذه العقد فينطلق ذيفانها الداخلي الذي يؤثر من جهة في الجهاز العصبي الودي للبطن فيسبب آفات نازفة بإحداثه تقرحات في لويحات باير Peyer، كما تؤثر من ناحية ثانية في المراكز العصبية النباتية للبطين الثالث فتولد تفاعلاً حرارياً واضطرابات عصبية. وقد أثبتت مشاهدات حدوث صدمة عند المرضى المصابين بتجرثم دموي بجراثيم سلبية الغرام، تؤدي في أحوال كثيرة، إلى الوفاة بظهور وهط قلبي collapsus ونزف هضمي. وآلية هذه الصدمة هو انطلاق مفاجئ للذيفان الداخلي مع إصابة الجهاز العصبي النباتي وحدوث ظاهرة ريلي Reilly أي توسع الأوعية وزيادة نفوذية الشعريات وظهور وذمة واحتشاءات. وتؤلف الصدمة بالذيفان الداخلي أهم خطر للإنتان الدموي[ر] septicemie وقد يزداد خطرها بإعطاء معالجة شديدة بالصادات.
    ومن المعتقد أن التأثيرات السريرية للذيفانات الداخلية كارتفاع الحرارة والوهط الوعائي والصدمة، تنتج من تأثر الوطاء بسيتوكينيين هما الأنترلوكين1 وعامل النخر الورمي وكلاهما ينجم عن البالعات الكبيرة macrophages كاستجابة للذيفان الداخلي.
    كما أن الصدمة بالذيفان الداخلي كثيراً ما تترافق بانتشار الجراثيم في الأجهزة كما هو في الإنتان الدموي بالإيشريكيات القولونية والنيسيريات السحائية عامل التهاب السحايا.
    عدنان تكريتي

  7. #617
    من أهل الدار
    الربو

    تشتق كلمة الربو asthma من كلمة يونانية قديمة تعني التنفس السريع والمجهد.
    هناك شبه إجماع على تعريف الربو بأنه داء التهابي مزمن في الطرق الهوائية تتجمع فيه خلايا التهابية عديدة ولاسيما الخلايا البدينة mast cells والحمضات eosinophils واللمفاويات وغيرها. يؤدي هذا التجمع إلى حدوث التهاب في جدر القصبات مما يوذمها ويشنجها ويحرض زيادة إفراز البلغم اللزج فيها فتتضيق لمعتها مما يسبب ضيق نفس وسعال وأزيز wheezing. وتتكرر هذه الأعراض ليلاً وعند التعرض لمحسسات (مؤرجات) allergens معينة تثير هذه العملية الالتهابية.
    نسب حدوث الربو
    الربو مرض شائع في أنحاء العالم وتشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى تزايد مستمر في إصاباته، إذ يقدر عدد المرضى الآن بما يزيد عن مائة مليون شخص في العالم، وتختلف النسب في البلدان بين 1 إلى 10% من السكان بمعدل وسطي 4 إلى 5% ثلثهم من الأطفال. ولوحظ أن للربو علاقة وثيقة ببعض أمراض التحسس الأخرى كالتهاب الأنف والملتحمة التحسسي والأكزيمة[ر] إذ يصاب نحو نصف مرضى التهاب الأنف التحسسي بالداءين معاً.
    عوامل الخطورة
    لاحظت دراسة إحصائية سميت الدراسة الدولية للربو والحساسية عند الأطفال ISAAC نشرت عام 1998 وضمت 155 مركزاً في 56 بلداً أن هناك اختلافاً كبيراً في إصابة الأطفال بالربو بين البلدان ففي حين تبلغ النسبة 20% في بريطانيا وأستراليا ونيوزلندا وأيرلندا تقل هذه النسبة من 1 إلى 2% في إندونيسيا واليونان والهند. وقد عُرف أن للوراثة شأناً في الربو منذ عام 1860 إذ لوحظ أن احتمال حدوثه يصل إلى 25% بين أقارب الدرجة الأولى و50% بين التوائم وحيدي البيضة مقابل 4% في الناس عموماً، ولكن نمط الوراثة هذا ليس بسيطاً ويشمل عدة جينات، كما يدخل فيه تأثير المحيط أيضاً.
    ووجد أن حالة التأتب atopy (التربة التحسسية) المتمثلة بحساسية الجلد وارتفاع بروتينات التحسس IgE تؤهب بشدة للربو. وقد يكون لارتفاع نسب المؤرجات (المحسسات) كعث الغبار المنزلي dust mites، وخاصة في ظروف الحرارة والرطوبة، ووسوف الصراصير والقطط دور في حدوث المرض، كما قد يكون لنمط الغذاء أثر أيضاً إذ لوحظ ازدياد إصابة بالربو مع السمنة في عدة دراسات. وهناك بعض العوامل التي قد يكون لها فعل وقائي في هذا الداء كتناول زيت السمك والرضاع الوالدي.
    نظرية الخمج
    يُعتقد أن اضطراب التوازن بين نسب اللمفاويات، من النمط TH1 وTH2 لمصلحة زيادة نسبة TH2 خلال المرحلة الجنينية والطفولة، والذي ينجم عن تأخر التعرض للأخماج يؤدي إلى تأهب الطفل لاكتساب التحسس من العوامل المحيطة المختلفة، ولذا فالمحافظة على هذا التوازن يتم عندما يتعرض الطفل للأخماج القصبية باكراً.
    التشريح المرضي
    يتميز الربو المزمن المستقر بوجود التهاب في جدر الطرق الهوائية ففيه تراكم للحمضات واللمفاويات والخلايا البدينة mast cells والبالعات macrophages وأرومات الليف العضلي myofibroblasts، مع تراكم ليفي كولاجيني تحت البشرة، وفرط تصنع وضخامة في الخلايا الغدية المفرزة والعضلات الملس والأوعية الدموية مما يؤدي الى توذم الجدار القصبي وتضيقه. كما لوحظ أن هناك تنكساً في الغضاريف المحيطة مع حدوث تليف حولها. وللمخاط المفرز داخل لمعة القصبات صفات مرضية عديدة منها: كثرة الحمضات ووجود خمائر متبلورة تسمى بلورات شاركو ليدين Charcot-Leyden crystals، وغزارة المفرزات ولزوجتها مما يشكل سدادات حلزونية تسمى حلزونات كروشمان Crushmans spirals، وتكتلات بشروية منسلخة تسمى أجسام كريولا Creola bodies. ويؤدي ذلك كله إلى انسداد الطرق الهوائية وتحريض تشنجها وزيادة أعراض السعال والزلة.
    وظائف الرئة
    قد تكون وظائف الرئة بين هجمات الربو طبيعية إلا أنها تبدي عادة نقصاً في سرعة جريان الهواء الأقصى في أثناء الزفير (PEF) peak expiratory flow وحجم الهواء المزفور في الثانية الأولى (FEV1) forced expiratory volume، كما يطرأ تحسن على الهواء المزفور في الثانية الأولى (FEV1) بمقدار 12% (شريطة أن يكون أكثر من 200مل) بعد إعطاء موسع قصبي، وهذا المعيار هو المشخص الأساسي للربو. وتقاس السعة الحيوية القسرية (FVC) forced vital capacity (وهي السعة الشهيقية القصوى للرئتين بعد زفير أقصى) وتكون عادة منخفضة، لكن انخفاضها يكون أقل من انخفاض حجم الهواء المزفور في الثانية الأولى(FEV1) ولذا تصبح النسبة بينهما FEV1/FVC منخفضة أيضاً وهذا يميز الانسداد القصبي كما هو الحال في الربو.
    ويتصف الربو أيضاً بفرط الاستجابة القصبية bronchial hyperresponsiveness التي يتم كشفها بإعطاء محرض (مشنج) قصبي كالهستامين أو الميتاكولين على شكل إرذاذ.
    المظاهر السريرية
    الأعراض الأساسية في الربو هي ثلاثة: الأزيز والإحساس بضيق الصدر والزلة التنفسية، وتزداد هذه الأعراض عادة بالجهد أو التعرض للمحسسات أو المخرشات أو الأخماج التنفسية وخاصة الفيروسية. وتتبدل هذه الأعراض من يوم ليوم ومن فصل لفصل ومن سنة لسنة لكن الشائع أن تزداد ليلاً. ومما يجدر ذكره أن السعال كثير الحدوث أيضاً وقد يكون العرض الوحيد، وخاصة عند الأطفال، ويتميز بأنه جاف وليلي ومزمن يزيد بالتعرض للمحسسات والمخرشات والجهد والهواء البارد والغبار والروائح.
    وقد تنطوي قصة المريض على تفاصيل أخرى هامة كإصابته بأدواء تحسسية أخرى كالأكزيمة والتهاب الأنف والجيوب والملتحمة التحسسي وأمراض تحسسية عائلية. ويقوم الطبيب عادة بتحديد شدة الربو وعلامات الخطورة السابقة اعتماداً على تكرار مراجعة المريض لقسم الإسعاف واستعماله للستروئيدات (الكورتيزونات) المتكرر والحاجة للتنفس الآلي وإصابته بتأق (صدمة تحسسية) anaphylaxis عند استعمال الأسبرين ومشتقاته أو تناوله بعض المواد الغذائية. ويجب أن تتضمن القصة أيضاً معلومات استقصائية عن المحسسات في محيط المنزل أو العمل كالحيوانات الأليفة والغبار والحشرات المنزلية والتدخين والأمراض التي قد تحرض الربو كالتهاب الجيوب والقلس المعدي المريئي.
    ويبدي الفحص السريري عادة أزيزاً وفرط تمدد الصدر وأحياناً علامات تحسس الأنف والجيوب.
    جهاز قياس الجريان الأقصى الصغير في أثناء الاستخدام. يأخذ المريض نفساً عميقاً، ثم ينفخ بجهد زفيري أقصى من خلال الجهاز. يعاد هذا الإجراء ثلاث مرات، ويسجل أعلى رقم للجريان الزفيري الأقصى peak expiratory flow (PEF) وتقارن النتيجة مع جدول للقيم الطبيعية يبين جنس المريض وعمره ووزنه، وتسجل النتائج على جدول الإظهار مدى تقدم المرض، أو استجابة المريض للعلاج


    سير المرض
    يتميز بأنه ناكس ويختلف في شدته وسيره ومسسبباته، ولذا وضعت عدة تصانيف وأنماط تعكس هذا التنوع السريري: فهناك الربو المعتمد على الستروئيدات، والربو المقاوم للستروئيدات، والربو الصعب difficult asthma والربو الهش brittle asthmaوهو نمط تحدث فيه هجمات مفاجئة وشديدة، والربو المحرض بالجهد، والربو الليلي، والربو المحرض بالأدوية، والربو المهني نتيجة التعرض لبيئة مهنية خاصة. وهناك نمط خاص يدعى داء العفنات القصبي الرئوي التحسسي وهو ربو سببه التحسس للعفنات أو الفطور الرئوية. وأفضل تصنيف للربو هو المعتمد على شدته (شديد، متوسط، خفيف) ومدته (مستمر أو متقطع) وتصنف شدته استناداً على شدة الأعراض واستمرارها ونكسها وتواتر الاستيقاظ الليلي ومدى انخفاض وظائف الرئة.
    ـ السير الطبيعي للمرض: قد يهجع المرض في الطفولة بعد سن الخامسة ولمدة طويلة بنسبة 50%، كما قد يهجع عند الكبار بنسبة 22% وتقل نسبة الهجوع بازدياد عمر المريض بعد سن المراهقة إذ تقل هذه النسبة حتى تصل إلى 10% فقط بعد سن الثلاثين.
    ـ تأثير العلاج على سير المرض: يغير العلاج المناسب للربو سير المرض الطبيعي فيخفض من شدته ونكسه ويحافظ على وظائف الرئة ويقلل من المراضة والموت.
    ـ نسبة الموت: يندر للربو أن يسبب الموت لكن وجد أن هناك عوامل خطورة قد تساعد على ذلك ومنها شدة الربو، وتدني المستوى الاجتماعي والنفسي والتعليمي والارتفاع المفاجئ للمحسسات في الجو وتقدم العمر والتدخين وعدم تناول العلاج بانتظام.
    علاج الربو
    يوصي خبراء الربو بتقييم شدة الآفة على نحو موضوعي قبل العلاج، وتخفيف العوامل المحرضة أو إزالتها، والعلاج الدوائي الشامل للتشنج القصبي والالتهاب المرافق، وإنشاء علاقة بين المريض والطبيب لمعالجه كل التغيرات الطارئة وحلها.
    ويتضمن العلاج الدوائي لنوبات الربو الحادة والشديدة إعطاء الأكسجين والموسعات القصبية بشكل مكثف والستروئيدات وأحياناً الصادات.
    - المعالجة المناعية immunotherapy: تتضمن حقن خلاصات المواد المؤرجة في محاولة لتحريض التحمل المناعي وتعويد الجسم عليها، ويشترط قبل بدء المعالجة إجراء تقييم للتحسس إما باستخدام الاختبار الجلدي أو تحري أضداد IgEالنوعية في المصل لاكتشاف المؤرج المسبب، بعد ذلك يبدأ بإعطاء جرعات صغيرة ومتزايدة من المحاليل الممددة للمؤرجات. وأما مدة المعالجة فهي غير محددة وتعتمد على استجابة المريض وينصح عموماً باستمرارها لمدة 3 سنوات على الأقل.
    - تثقيف المريض: يعد تثقيف المريض عن الربو عنصراً مهماً من عناصر تدبيره الصحيح وخاصة فيما يتعلق بفهم آليته وأسبابه المرضية وهدف المعالجة ومراقبة وظائف الرئة أحياناً بجهاز محمول يسمى مقياس الجريان الأعظمي peak flow meter.
    - الوقاية: إن الانتباه إلى نمط أعراض الربو مهم في تحديد نوع المحرضات. فالربو الذي يحدث في المنزل ينجم في معظم الأحيان عن مواد محرضة داخل المنزل كعث الغبار في حين أن الربو الذي يسوء في الربيع غالباً ما ينجم عن مواد محرضة خارج المنزل كغبار الطلع.
    - غبار الطلع: ينتشر غبار الطلع في الربيع بوساطة الهواء في الأيام الدافئة المشمسة، ويمكن أن ينتقل عند وجود الرياح لعدة كيلو مترات. ويكون تركيزه أقل في الأيام الممطرة الباردة. وللوقاية منه يجب مراعاة تجنب السير في الحقول وبين الأعشاب الطويلة في الأيام الجافة المشمسة، وإغلاق النوافذ عند الصباح وعند بداية المساء (الوقت الذي ينتشر فيه غبار الطلع في الهواء)، وإغلاق نوافذ السيارة خلال القيادة، وقضاء الإجازات على البحر، وتجنب أماكن وجود غبار الطلع بتراكيز عالية.
    - العث المنزلي: تتم الوقاية منه بتجنب وضع السجاد الثابت (الموكيت) والأثاث القطني والستائر القماشية، أو غسلها باستمرار، وغسل البياضات أسبوعياً بدرجة حرارة 60 ْ ونشرها بالشمس، وتخفيض درجة حرارة المنزل إلى 18 ْ وتهوية الغرف بانتظام، وتخفيض الرطوبة، واستخدام الأغطية الطبية المانعة للعث، وتجنب استخدام التدفئة التي تدفع الهواء لأنها تنشر الغبار معه، وإزالة الغبار بقطعة قماش رطبة، وتنظيف المنزل جيداً مرة أسبوعياً بالمكنسة الكهربائية بما في ذلك الفرشات والأرائك.
    - الابتعاد عن الحيوانات الأليفة.
    - إضافة إلى ذلك يجب السيطرة على الأخماج التنفسية وإخبار الطبيب فور ظهور أول علامة للخمج، وإعطاء لقاحالنزلة الوافدة (الكريب) مرة كل سنة، ولقاح المكورات الرئوية كل ثلاث سنوات، وتجنب المواد المخرشة والمهيجة للطرق التنفسبة (كدخان السجائر، ودخان الحريق، وروائح الطبخ، وملوثات الهواء ودخان السيارات).
    محمد نعيم شحرور

  8. #618
    من أهل الدار
    الرثوية (الحمى -)

    الحمى الرثوية rheumatic fever أو الرثية المفصلية الحادة مرض يصيب أجهزة عديدة في جسم الإنسان، وهي من المضاعفات غير المقيحة لالتهاب البلعوم بالمكورات العقدية الحالة للدم زمرة streptococcus hemoliticus A. ويماشي انتشارها انتشار الخمج بالعقديات في المجتمع، وكان قد تراجع حدوثها كثيراً في البلدان الصناعية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، لكن حوادثها عادت في أواخر الثمانينات، أما في الدول النامية فلم يحدث مثل ذلك التراجع وبقي الانتشار على حاله.
    السببيات
    العقديات الحالة للزمرة β- الدموية hemolytic streptococcus group A هي المسبب المباشر للحمى الرثوية ولكن الآلية غير مفسرة تماماً. وتختلف زمر العقديات في قدرتها على إحداث الحمى الرثوية، إذ إن منها ما لا يحدث الحمى الرثوية في أشخاص ذوي استعداد في حين تؤدي زمر أخرى متزامنة في انتشارها إلى معاودة الإصابة بالحمى الرثوية في الزمرة البشرية ذاتها بنسبة 20 إلى 50% من المصابين بالتهاب البلعوم، حتى إن بعض هذه الزمر استفرد بتواتر أكثر في المصابين بالحمى الرثوية (مثل الأنماط Types,1,3,5,6,18,24). ولكن بما أنه من المتعذر معرفة الزمر في أثناء تشخيص الإصابة بالتهاب البلعوم العقدي لذا يفترض السريريون أن الزمر العقدية A كلها يمكن أن تسبب الحمى الرثوية وتجب بالتالي معالجتها على هذا الأساس.
    الوبائيات
    ترتبط وبائيات الحمى الرثوية على نحو أساسي بانتشار التهاب البلعوم بالعقديات الأكثر حدوثاً بين 5 إلى 15 سنة من العمر، بالرغم من إمكان حدوثها بأعمار أكبر في المجتمعات المحرومة اجتماعياً والفقيرة، وكذلك حيث يكثر الاكتظاظ السكاني كما هو الأمر في المعسكرات. وتزداد الإصابات في الخريف والشتاء وأول الربيع، بـ 3% من المصابين بالتهاب بلعوم مقيح بالعقديات.
    لا يسبب الخمج الجلدي بالعقديات Aالحمى الرثوية ولكن الإصابة البلعومية أو الجلدية بها قد تسبب التهاب الكبد والكلية الحاد التالي للعقديات. والسبب في هذا الاختلاف غير معروف.
    يعتمد خطر الإصابة بالحمى الرثوية في أثناء انتشار الخمج بالمكورات العقدية على عدد المصابين الذين لم يعالجوا، أو عدد المعالجين معالجة ناقصة، كما يعتمد على نوع الزمر المنتشرة، وعلى عوامل خاصة في الإنسان الثوي (المضيف) إذ إن كثيراً من الأطفال هم بالواقع حملة للعقديات A في جهازهم التنفسي العلوي، وهم أقل بكثير إصابة بالحمى الرثوية إضافة إلى أنهم لا ينشرون هذا الخمج لبقية أفراد العائلة أو لرفاقهم في المدرسة.
    الإمراض
    ما زالت الآلية الإمراضية التي تحدث فيها الحمى الرثوية، غامضة على الرغم من ازدياد المعارف الطبية عن المكورات العقدية وارتكاسات جسم الإنسان تجاهها، وهناك نظريتان تفسران تلك الآلية:
    تقول الأولى بوجود تأثير سمي لذيفان خارج خلوي عقدي يصيب أعضاء مستهدفة كالعضلة القلبية والغشاء المفصلي والدماغ. في حين تقول الثانية بوجود ارتكاس مناعي شاذ في الثوي الإنساني المصاب، ويعود سبب العجز عن تأكيد أي من النظريتين إلى عدم وجود نموذج حيواني ملائم للتجربة. والنظرية الثانية هي الأكثر قبولاً وتقول بوجود ارتكاس غير طبيعي عند بعض الأشخاص تجاه مركب غير موضح من المكورات العقدية مؤدياً إلى تشكل أضداد تؤدي للأذية السريرية. ومما يدعم الآلية المناعية للأذيات النسجية وجود زمن يفصل بين الخمج العقدي وتظاهرات المرض السريرية، ومن المعروف أن العقدياتA تولد الكثير من المستضدات الجسمية وخارج الخلوية، قادرة على إحداث ارتكاس مناعي إضافة إلى وجود استعداد خاص عند بعض المصابين، كذلك تستند نظرية الارتكاس غير الطبيعي إلى الارتكاس المتصالب بين بروتين العقديات M والأنسجة البشرية. فالبروتين العقدي M هو عنصر الفوعة التي تقاوم البلعمة ويحتوي على تسلسل في بعض الحموض الأمينية يشبه ما هو موجود في بعض الأنسجة الإنسانية، مما يجعل هذه الأنسجة عرضة لارتكاس مناعي شاذ يقع بينها وبين الأضداد التي يصنعها الجسم تجاه البروتين M بحسب اعتقاد أصحاب هذه النظرية.
    التظاهرات السريرية
    - التهاب العضلة القلبية: وهو من النوع الشامل pancarditis الذي يصيب كل طبقات القلب. والقلب هو العضو الوحيد الذي يصاب بأذية دائمة في الحمى الرثوية. ويحدث في40 إلى 80% من المرضى ويتجلى سريرياً بإصابة الدسام (الصمام)valvule التاجي في أكثر الأحيان، أو بإصابة الدسامين التاجي والأبهري معاً إذ نادراً ما تكون الإصابة الأبهرية معزولة، وتتجلى الإصابة الحادة بالقصور insufficiency الدسامي، في حين تؤدي الإصابة المزمنة إلى تندب الدسام وتضيقه stenosis أو حتى تكلسه، وغالباً ما تكون الإصابة مزيجاً من القصور والتضيق.
    تتجلى الإصابات الأخرى بالتهاب التامور pericardium أو الانصباب التاموري أو اضطرابات النظم.
    قد يكون التهاب العضلة القلبية خفيفاً أو شديداً يؤدي إلى قصور قلب مستعصي.
    - التهاب المفاصل: وهو التهاب حاد متنقل يصيب المفاصل الكبيرة كالمرفق والركبة والرسغ والكاحل، يتجلى بالألم الشديد والاحمرار والانتباج والسخونة في المفصل المصاب، الخلايا في السائل المفصلي مرتفعة ومن نوع المعتدلات من دون موجودات أخرى مميزة. تشفى الإصابة المفصلية من دون عقابيل، وتزول الأعراض بسرعة بعد 12 إلى 24 ساعة من المعالجة بمضادات الالتهاب وإذا لم تطبق المعالجة يزول الالتهاب بعد أسبوع أو أكثر. وفي الكثير من المرضى بسبب المعالجة الباكرة لا تظهر الطبيعة المتنقلة لالتهاب المفاصل مما يشوش التشخيص.
    - داء الرقص chorea: داء رقص سيدنهام مميز للحمى الرثوية وهو يأتي متأخراً عن باقي التظاهرات، بحركات كنعية رقصية choreoathetoid تبدأ خلسة بعد أشهر من الخمج بالمكورات العقدية، يصعب كشفها في البدء، ولكن التحري الدقيق مع الأهل والمدرسة يدل على وجود ضعف حركي عادة، كما يدل عليها التراجع الواضح في الكتابة. ويمكن للرقص أن يصيب الأطراف الأربعة أو يكون وحيد الجانب. ويقدر حدوثه في10% من مرضى الحمى الرثوية، وكثيراًُ ما يكون التظاهرة الوحيدة لها. وهو يزول عادةً بعد عدة أسابيع أو عدة أشهر.
    - الحمامى الهامشية marginatum erythema: وهي من تظاهرات الحمى الرثوية المميزة، إلا أنها قد لا تلفت النظر أو تكون صعبة التشخيص لأن حدوثها قليل جداً، تتألف في بدئها من عدة حمامات وردية. مبعثرة على الجزع ثم بالتدريج يبدأ الاحمرار بالزوال من منتصفها ويميل بعضها للاتصال مع بعض مما يعطيها منظر آفة زاحفة. الحمامى هذه غير حاكة، ومصيرها إلى الزوال. وغالباً ما تظهر في المصابين بالتهاب عضلة قلبية مزمن.
    - العقيدات تحت الجلد: قليلة الحدوث وأكثر ما تشاهد في المصابين بالتهاب عضلة قلبية شديد. وهي بحجم حبة البازيلاء، ثابتة وغير ممرضة، ولا يوجد فيها التهاب. تتوضع على السطوح الباسطة المفصلية في الركبتين أو المرفقين والعمود الفقري.
    التظاهرات الصغرى
    وهي أقل نوعية ولكنها ضرورية للتشخيص وتضم الحرارة غير الشديدة وألماً مفصلياً من دون التهاب.
    التشخيص
    المعايير الكبرى المعايير الصغرى
    التهاب العضلة القلبية الحرارة
    التهاب المفاصل الكبيرة المتنقل الألم المفصلي بغياب التهاب المفاصل
    الحمامى الهامشية ارتفاع سرعة التثفل وCRP
    رقص سيدنهام تطاول PR على التخطيط بغياب التهاب العضلة القلبية
    العقيدات تحت الجلد
    + إثبات خمج عقدي سابق
    ما زالت معايير جونز Johns السريرية هي الأساس في التشخيص فهناك المعايير الكبرى والمعايير الصغرى ويعتمد التشخيص على وجود معيارين كبيرين أو معيار كبير إضافة إلى معيارين صغيرين وإلى إثبات وجود الخمج العقدي. وذلك بحسب الجدول.
    ولأن داء الرقص هو العرض الوحيد في كثير من الحالات لذلك يعد وجوده مشخصاً للحمى الرثوية. أما ارتفاع سرعة التثفل erythrocyte sedimentation rate(ESR) وC reactive protein (CRP) فيبقيان هكذا مدة قد تمتد أشهراً، وهي تعتمد من قبل بعض السريريين كدليل على سير المرض وتأثره بالمعالجة بمضادات الالتهاب. كما يفيد تخطيط الصدى (الإيكو) في إثبات الإصابة القلبية.
    إثبات الخمج العقدي
    وهو عنصر هام من معايير جونز ويكون بزرع مسحة من البلعوم أو ارتفاع أضداد العقديات A في المصل، ولا يمكن الجزم بتشخيص الحمى الرثوية من دون ذلك.
    وترتفع الأضداد كلها بعد الخمج بنسب مختلفة (كأضداد الحالة العقدية O (الستربتوليزين O في 80% من الحالات).
    ويمكن في 3 حالات تشخيص الحمى الرثوية من دون الشروط التقليدية:
    ـ داء الرقص بغياب أي مسبب آخر وحتى من دون شرط إثبات خمج عقدي.
    ـ التهاب العضلة القلبية الخفي المزمن من دون سبب مفسر وحتى بدون شرط إثبات عقدي.
    ـ معاودة أو نكس الحمى الرثوية في مريض مشخص له سابقاً التهاب عضلة قلبية رثوي أو حمى رثوية، يكفي في مثل هذه الحالات وجود معيار كبير واحد أو ظهور حرارة وآلام مفصلية أو ارتفاع في ارتكاسات الطور الحاد لتشخيص الحمى الرثوية ولكن شريطة إثبات وجود خمج عقدي.
    الموجودات المخبرية
    لا يوجد فحص مخبري خاص يثبت وجود الحمى الرثوية. أما تحري أضداد العقديات فإن أكثرها استعمالاً هو أضداد الحالة العقدية O الستربتوليزين (O) (ASO) ويليها أضداد الستربتوناداز (DB) (deoxyribonuclease) streptonadase وأضداد الهيالورونيداز (AH) hyaloronidase.
    يصل الستربتوليزين O إلى ذروته خلال 3 إلى 6 أسابيع من الخمج العقدي وارتفاعه المتزايد في نموذجي البدء والنقاهة أكثر تأكيداً. في حين يصل مستوى الستربتوناداز إلى ذروته بين 6 إلى 8 أسابيع. يرتفع مقدار سرعة التثفل و(CRP).
    أما تخطيط كهربائية القلب فيظهر تطاول PR الدال على حصار درجة أولى، وفي الحالات المتقدمة تلاحظ موجودات تدل على الضخامات اليسرى. كما تظهر صورة الصدر ضخامة العضلة القلبية حين وجودها.
    أما تخطيط الصدى (الإيكو) فيكشف الإصابات الدسامية، كما يكشف تخطيط الصدى دوبلر ثنائي البعد الإصابات ما تحت السريرية في مرضى لم تثبت إصابتهم بالتهاب العضلة القلبية في بدء الهجمة الرثوية.
    التشخيص التفريقي
    قد تلتبس الحمى الرثوية مع التهاب المفاصل الرثياني[ر] أو غيره من أمراض الغراء. كما يجب أن نميزها عن التهاب الشغاف الخمجي وبخاصة في الحمى الرثوية المعاودة لأن غالبية المرضى يتناولون أدوية وقائية تمنع غالباً إيجابية زرع الدم.
    المضاعفات
    تنحصر في الإصابة الدسامية التاجية والأبهرية الشديدة مفضية إلى فرط توتر رئوي.
    المعالجة
    وتشمل معالجة الخمج العقدي ومعالجة التهاب المفاصل والتهاب العضلة القلبية بأن واحد.
    يعالج الخمج العقدي بالبنسلين أو غيره عن طريق الفم لعشرة أيام كاملة. أو بجرعة واحدة من البنسلين المديد 1200000 وحدة ويفضل بعضهم عدم استعمال الجرعة العضلية لأنها تحدث ارتفاعاً في سرعة التثفل وهي المشعر الذي يتبعونه في متابعة استجابة الفعالية الرثوية للمعالجة.
    إن إعطاء الساليسيلات يزيل الأعراض المفصلية في 12 إلى 24 ساعة ويفضل عدم البدء بها حتى تكتمل الصورة السريرية اللازمة لتشخيص الحمى الرثوية. ونادراً ما تستعمل الستيروئيدات لمعالجة التهاب المفاصل. ولا توجد دراسات توضح دور مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية الأخرى.
    ويعالج التهاب العضلة القلبية البسيط بالساليسيلات في حين تستعمل الستيروئيدات في الإصابة الشديدة والمترافقة بقصور القلب، إذ إنها تحسن وضع المريض سريرياً، على أنه لا يوجد دليل يثبت أن استعمال الساليسيلات أو الستيروئيدات يقي من الإصابة القلبية المستقبلية.
    أما الستيروئيدات فتعطى ثم تنقص مقاديرها بالتدريج تبعاً للتحسن السريري والمخبري، وفي الأسبوعين الأخيرين تضاف الساليسيلات ويستمر بها 3 إلى 4 أسابيع (لمنع الردة الرثوية).
    يعالج قصور القلب الاحتقاني بالمدرات والديجتال بمقادير صغيرة والراحة في السرير حتى عودة سرعة التثفل للطبيعي. أما داء الرقص فيعالج بالفينوباربيتال أو الكلوربرومازين كما ثبتت فائدة الهالوبريدول ولكن أعراضه الجانبية قد تكون شديدة.
    لا توجد معالجة خاصة للحمامى الهامشية ولا للعقيدات تحت الجلد.
    الوقاية
    إن معالجة الخمج بالمكورات العقدية A والوقاية منه يمكن أن يمنعا حدوث الحمى الرثوية.
    - الوقاية الأولية: تعني معالجة الخمج العقدي في الطرق التنفسية العليا لمنع حدوث الهجمة الرثوية البدئية، فالبدء بالصادات خلال الأسبوع الأول من التهاب البلعوم يمكن أن يمنع حدوث الحمى الرثوية، شريطة أن تكون المعالجة كاملة.
    - الوقاية الثانوية: وتعني منع حدوث استعمار أو إصابة بالعقديات للطرق التنفسية العلوية عند مريض مصاب سابقاً بالحمى الرثوية. فالمرضى الذين يتناولون الصادات باستمرار أو الذين لم يحدث لديهم خمج عقدي لم تعاودهم الحمى الرثوية.
    يستعمل في الوقاية الثانوية البنسلين G المديد عضلياً كل 3 أسابيع أو البنسلين عن طريق الفم بشكل مستمر، أو أحد مركبات السلفا يومياً أو الاريثرومايسين.
    أما استمرار المعالجة فمختلف عليه إذ يعتقد بعضهم أن خمس سنوات كافية لأن معاودة الحمى الرثوية بعد خمس سنوات قليلة الحدوث، فيستمر بالمعالجة خمس سنوات أو حتى عمر 21 سنة. في حين يستعمل آخرون هذه المعالجة على الأقل 10 سنوات أو حتى يبلغ المريض الأربعين من عمره إذا كانت إصابته دسامية ولديه استعداد لاكتساب الخمج بالمكورات العقدية. لا يوجد لقاح مضاد للعقديات حتى اليوم.
    برنار خازم

  9. #619
    من أهل الدار
    الرثيات

    الرثيات rheumatisms كلمة شاملة تضم أمراض المفاصل والأوتار والعضلات بأنواعها الالتهابية والتنكسية والاستقلابية، ويترافق بعضها بآفات من المنشأ نفسه في أجهزة أخرى كالقلب والكلى والعين، وتدعى الأمراض الرثوية الجهازية.
    آفات البنى التشريحية
    يصاب المفصل بإحدى بُناه أو أكثر. وأهم البنى المفصلية إصابة: الغضروف الذي يكسو السطوح العظمية، والغشاء الزليلي synovial membrane الذي يبطّن المحفظة المفصلية، والأوتار المحيطة بالمفصل. وهناك إصابات تبدأ في بنية ما ثم تنتهي في بنية أخرى بشكل عقابيل. فالداء الرثياني[ر] rheumatoid يبدأ بالتهاب الغشاء الزليلي ثم يؤدي إلى تآكل في الغضروف.
    فالأمراض الرثوية الالتهابية تتناول الغشاء الزليلي مؤدية إلى ارتشاحه بالخلايا الالتهابية (الكريات البيض بأنواعها) وإلى انصباب في جوف المفصل يحتوي على نسب مختلفة من الخلايا الالتهابية ومن الخمائر الحالة. وفي الرثيات الالتهابية المزمنة كالداء الرثياني يحدث تكاثر في طبقات الغشاء الزليلي synovial proliferation يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى تآكلات فيالغضروف المفصلي بفعل الخمائر الحالة للبروتين إضافة إلى تخريب الأربطة والأوتار المجاورة. ومحاولات الترميم تكون بنسيج ليفي يساهم في قسطankylosis المفصل أي تحدد حركته بتغير تشريحي غير عكوس. أما الأمراض التنكسية degenerative(الاهترائية) فتبدأ باهتراء بطيء في الغضروف يليه تفاعل التهابي ثانوي خفيف في الغشاء الزليلي وانصباب مفصلي صفاته لا التهابية. لذلك لا يخرب كثيراً ولا يحدث القسط.
    أنماط الرثيات الكبرى وأسبابها
    1- الفصال arthrosis, osteoarthritis: هو نموذج مرض المفاصل التنكسي. ويتناول الغضاريف المفصلية. التنكس تطور طبيعي تابع للسن ولإجهاد المفاصل. فالغضروف الذي يكسو السطوح المفصلية مادة مطاطية القوام كثيرة الإماهة خالية من الأوعية الدموية. يتغذى الغضروف بالتحال osmosisمن السائل الزليلي synovial fluid الموجود بكمية ضئيلة في جوف المفصل ويغطي سطح الغضروف ويرشح من الدم، فتعتمد تغذيته على الحركة التي تسهل امتصاص الماء ثم رشحه عبر الغضروف. وخلوالغضروف من الأوعية الدموية يقلل جداً من قدرته على الترميم. ومع تقدم السن تخف إماهة الغضاريف وتتبدل مكوناتها الكيماوية الرئيسة (البروتيوغليكانات proteoglycans والغراء collagen) كماً ونوعاً فتفقد مزاياها الخامدة للصدمات أثناء حركة المفصل. تنتج عن ذلك تشققات في الغضروف وقلة في سماكته، فتنتقل الصدمات دون إخماد إلى السطوح العظمية مؤدية إلى كسور مجهرية وتصلب تالٍ وناميات عظمية للترميم تدعى المناقير.
    الأسباب: الفصال مرتبط بالسن حتماً. لكنه كثير التفاوت في شدته وتوزيع إصابته بين الأفراد وبين المفاصل المختلفة. لذلك لابد من وجود عوامل إضافية. منها ميكانيكي: عبء وزن الجسد أو أعباء الحمولات، والحركات الرتيبة المتكررة في فئة من المفاصل دون الأخرى، والوضعيات المعيبة المتكررة التي تسبب ضغوطاً على سطوح مفصلية معينة (كالقرفصاء والتربّع الذين يزيدان الضغط على الركبتين). ومنها الاستقلابي كالداء السكري والنقرس اللذين يسببان تنكساً مبكراً. ومنها التهابي إذ أن الرثيات الالتهابية المزمنة كافة تخرب الغضاريف مؤدية إلى تنكس ثانوي. ومنها عائلي وراثي.
    الأعراض: الفصال صامت في بدايته. فالغضروف خالٍ من النهايات العصبية ويتنكس دون ألم. يأتي الألم في مرحلة لاحقة بتأثير الفصال على البنى المجاورة التي فيها نهايات عصبية كالمحفظة المفصلية والأوتار والعظام. يصاب المفصل بالألم والانتباج (التورم) وتحدد الحركة والحرارة الموضعية. وقد تسمع فرقعة أثناء الحركة. وفي مراحل متقدمة قد يتبدل الشكل التشريحي للمفصل فتبدو ضخامة عظمية (ازدياد عرض المفصل) وانحراف زواياه كالرَّوَح varus أو الفَحَج valgus في الركبة وبذلك يتفاقم العطل الوظيفي. إلا أن الفصال مهما بلغ فهو لا يبلغ درجة العطل الوظيفي الذي يرى في الرثيات الالتهابية المزمنة. لذلك لا يعد الفصال من الأمراض المُقعدة. إن أكثر المفاصل تعرضاً للتنكس هي: المفاصل الحاملة للثقل أو المجهَدة أو كلاهما معاً كالركبة، والمفاصل بين السلامية القاصية (البعيدة) والدانية (القريبة) لليد، والمفصل الرسغي المشطي الأول لليد (قاعدة الإبهام)، والفقرات الرقبية والقطنية، والورك، والمفصل المشطي السلامي لإبهام القدم. وجميع الفحوص المخبرية سويّة في الفصال مما يؤكد طبيعته الموضعية غير الجهازية.
    المعالجة: المحافظة على وظيفة المفصل وإبطاء سير التنكس فيه كتخفيف الوزن، وتقليل الإجهاد، ومراعاة الأوضاع السليمة في الجلوس والعمل، وبرنامج منتظم من التمارين اللطيفة، والأدوات المساعدة لتخفيف العبء على الركبة والورك كالعصا. الأدوية المضادة للالتهاب anti-inflammatory drugs تزيل التورم والألم. حقن الأدوية داخل المفصل إذا لم يتراجع الانتباج والألم على الأدوية السابقة كالستيروئيدات ومركبات حمض الهيالوروني وهو المركب الرئيسي للسائل الزليلي. قد يستطب تصنيع المفصل جراحياً arthroplasty في حال العطل الوظيفي الهام والتنكس الشديد في مفصل رئيسي كالورك.
    2- التهاب المفاصل الخمجي: هو التهاب المفصل بعامل ممرض (جرثوم أو فيروس أو فطر mycose أو متفطرةmycobacteria) يمكن كشفه في السائل الزليلي أو الغشاء الزليلي. يأتي العامل الممرض من مصدر خمجي بعيد في الجسم عن طريق الدم، أو انتشاراً من الجوار من بؤرة في العظم أو الأنسجة الرخوة. تسبب الجراثيم كالمكورة العنقودية التهاباً حاداً وحيد المفصل عادة. بينما تؤدي النيسيرية البنية neisseria gonorrhea إلى التهاب حاد عديد المفاصل. أما المتفطرات والفطور فتحدث التهاباً مزمناً وحيد المفصل. والفيروسات تؤدي إلى التهاب حاد عديد المفاصل غير مقيح.
    العوامل المؤهبة: منها الموضعي في المفصل نفسه، ومنها العام في الجسم. تؤهب لخمج المفصل إصابة رثوية مزمنة أو وجود جسم غريب فيه (قطع معدنية في تصنيع المفصل) أو رضّه أو حقنه بالأدوية. أما الأمراض العامة المؤهبة فهي: الداء السكري والأورام وإدمان المخدرات والأخماج العامة ونقص المناعة بأشكاله والمعالجة بالستيروئيدات أو بمثبطات المناعة.
    الأعراض وسير المرض: يختلف ذلك كثيراً حسب العامل الممرض والإطار السريري الذي حدث فيه. ففي الالتهاب الحاد ينتبج المفصل ويحدث انصباب فيه مع ألم مبرح وسوء الحالة العامة للمريض. يعد التهاب المفصل الجرثومي الحاد حالة إسعافية. فخلال أيام تبدأ الخمائر الحالّة للبروتين في سائل الانصباب عملية تخريب الغضروف والعظم. وتتم عملية الترميم بعد القضاء على العامل الممرض بعمل الخلايا الليفية مما يحدث قسطاً لاحقاً متفاوت الدرجة حسب فوعة الجرثوم وتوقيت العلاج. أما الالتهاب المزمن، فأعراضه أقل وضوحاً وسيره أبطأ مما قد يؤخر التشخيص، كما هي الحال في سلّ المفصل وهو مرض شديد التخريب.
    يشخص خمج المفصل بزرع السائل الزليلي وعزل العامل الممرض منه. أما في سل المفصل فيعتمد على خزعةbiopsy الغشاء الزليلي التي تُبدي تغيرات خاصة وتسمح بالتشخيص خلال يوم واحد، في حين يحتاج زرع العامل الممرض أي عصية كوخ koch إلى ثلاثة أسابيع، مما يؤخر المعالجة.
    المعالجة: تختلف حسب العامل الممرض. ففي الالتهاب الفيروسي يكون الشفاء عادة تلقائياً وبلا عقابيل، أما في الخمجالجرثومي فالسرعة مطلوبة إنقاذاً لوظيفة المفصل ومنعاً للعقابيل الخطيرة مثل التهاب العظم والنقي بالجوار أو خمج الدم القاتل. يجب تفريغ الانصباب أي سحب السائل كاملاً إما بوساطة إبرة في المفصل ويومياً إلى أن ينضب، أو بالشق الجراحي والتفجير. ويستحسن أن يتم ذلك في المراحل الأولى والانصباب مازال سائلاً قبل أن يأخذ شكل القيح الصريح. ويعطى المريض الصادات antibiotics عن طريق الوريد، وفي مرحلة لاحقة عن طريق الفم، بمقادير قُصوى ولعدة أسابيع. وإذا كان المفصل المصاب حاوياً على جسم غريب، فلا تُرجى فائدة من العلاج دون نزعه مما يشكل صعوبة في خمج المفصل المُصَنَّع. أما في الخمج المزمن كالسلّ فتعطى الصادات الخاصة المتعددة بآن واحد ولمدة لا تقل عن السنة، مع المراقبة المستمرة.
    3- التهاب المفاصل الاستقلابي وبالبلّورات: تترسب في المفصل وفي الأنسجة المحيطة به عدة أنواع من البلورات بشكل مرضي. وتراوح الأعراض بين الغياب التام لها والسورات الالتهابية الشديدة. ويراوح سير المرض بين الهجمات الالتهابية المتقطعة المتحددة ذاتياً والمرض المزمن المخرب للمفصل. أما أنواع البلّورات المترسبة والأمراض التي تتأتى عنها فهي:
    ـ البولات وحيدة الصوديوم monosodium urate : كالنقرس الحاد والنقرس المزمن gout.
    ـ بيروفوسفات الكلسيوم ثنائية الماء calcium pyrophosphate dihydrate (CPPD): كالنقرس الكاذب pseudogout، وكُلاس الغضاريف chondrocalcinosis، واعتلال المفصل بالبيروفوسفات.
    ـ فوسفات الكلسيوم الأساسي basic calcium phosphate وهيدروكسي باتيت hydroxyapatite: كالتهاب الأوتار المكلس، والكُلاس calcinosis، والفُصال مع انحلال المفصل.
    أ - النقرس: هو مرض يتّصف بترسب البولات (أملاح حمض البول) في المفاصل والأنسجة محدثة تفاعلاً التهابياً. توجد في المصل السوي نسبة من البولات تكون تامة الذوبان إن لم تزد عن 6.4ملغ%. هذه النسبة تزداد في حالات مرضية أو وراثية إما بازدياد التركيب أو بنقص الإطراح الكلوي. يؤدي ذلك إلى ترسب البولات في أنسجة مختلفة خاصة حول المفاصل وتحت الجلد مشكّلة الأجناد (التوف)tophi التي ترى بشكل عقيدات قاسية في مناطق الاحتكاك (البوارز العظمية) وصيوان الأذن. تبقى هذه الترسبات صامتة بين الهجمة والأخرى. وما يثير الهجمات الالتهابية بالبلورات في المفصل غير واضح. لكن بعض العوامل تحرك الهجمة كالارتفاع المفاجىء في مستوى حمض البول أو انخفاضه المفاجىء، والرض المباشر على المفصل أو على الجَنَد، والتجفاف وتناول الكحول بكثرة. والنقرس نوعان: البدئي وفيه يكون ارتفاع حمض البول بخلل عائلي في الخمائر المشرفة على تقويضه، والثانوي حيث يرتفع بسبب القصور الكلوي أو تناول بعض الأدوية. فثلثا حمض البول يطرح من الكلى.
    الأعراض: يكاد النقرس البدئى يقتصر على الذكور البالغين ويبدأ بين سـن الأربعين والستين وتكاد النساء لا تصاب به إلا بعد الضهي. تتناول الهجمة في معظم الأحيان المفصل المشطي السلامي لإبهام القدم، كما تصيب الكاحل والعقب والركبة والمعصم والمرفق. ينتبج المفصل بشدة وعلى نحو مفاجىء ويصبح أحمر لمّاعاً لا يطيق اللمس. تستمر الهجمة أياماً أو أسابيع وتشفى شفاء تلقائياً. وتتكرر بفواصل مختلفة تتضاءل من عدة شهور إلى عدة أسابيع بإزمان الحالة. وبعد عدة سنوات تُبدي المفاصل المصابة علامات الإزمان من أجناد واضحة حولها وتشوهات في اليدين والقدمين وانتباجات مؤلمة، كما تُظهر الصور الشعاعية تآكلات مفصلية. من أهم مضاعفات النقرس ترسب البولات في الأنابيب الكلوية مشكلة الحصيات وقد يتطور الأمر إلى القصور الكلوي. وهو سبب الوفاة في 10% من حالات النقرس.
    تشخيصه: يشخص النقرس بكشف بلورات البولات في السائل الزليلي أو في الأجناد. وتتصف البلورات بأنها إبرية وسلبية الانكسار الثنائي negatively birefringent.
    العلاج: تعالج الهجمة المفصلية الحادة بمضادات الالتهاب اللاستيروئيدية أو بالكولشيسين ولا يُرجى تخفيض مستوى حمض البول في أثناء الهجمة إذ قد يثير ذلك هجمة لاحقة مباشرة. تبدأ المعالجة الهادفة إلى إنقاص مستوى حمض البول في فترة ما بين الهجمات وتستمر مدى الحياة. يمكن إعطاء مدرات حمض البول شرط عدم وجود حصيات كلوية. والأفضل منها مادة تُنقص من تركيب حمض البول هي الألوبورينول allopurinol التي تثبط خميرة أكسيداز الكزانتين xanthine oxidase. فحمض البول هو الناتج النهائي لاستقلاب نكلوئيدات البورين purine nucleotides في الجسم وإن المرحلة الأخيرة من سلسلة التفاعلات المؤدية إلى حمض البول هي أكسدة الكسانتين xanthine. لذلك كانت لمادة allopurinol فائدة في تخفيف كافة المضاعفات الناجمة عن ترسب حمض البول في المفاصل والكلى.
    ب- النقرس الكاذب وأدواء ترسب بيروفسفات الكلسيوم ثنائية الماء CPPD: يتصف بترسب بلورات بيروفسفات الكلسيوم ثنائية الماء في الأنسجة المحيطة بالمفاصل وفي السائل الزليلي وفي الغضاريف. تتشكل هذه البلورات لدى ازدياد البيروفسفات اللاعضوية (PPi) inorganic pyrophosphate. أهم مصدر لتشكلها هي الخلايا الغضروفية. وهناك أسباب عديدة لازديادها منها فرط الإنتاج ومنها نقص التقويض. ويرى ذلك في تقدم السن والرض وفي بعض الأمراض الاستقلابية (الداء السكري وفرط نشاط جارات الدرق).
    الأعراض: النقرس الكاذب الحاد يتصف بهجمات في مفصل وحيد، عادة الركبة أو المعصم أو الكتف أو الكاحل. تشبه الأعراض النقرس الحاد وتتفاقم خلال 12 إلى 36 ساعة وتدوم أسبوعاً أو اثنين. أما كُلاس الغضاريف فيتصف بتكلس الغضاريف المفصلية والضلعية بشكل لا عرضي عادة. وهو نادر تحت سن الخمسين وأكثر ما يصيب النساء. أما اعتلال المفاصل المزمن بالبيروفوسفات فيؤدي إلى ألم وتيبس وتحدد في مفاصل عديدة. وتبدو أعراض الفُصال في مفاصل قلّما تصاب به عادة كالمعصم والكاحل والمرفق إضافة إلى علامات فصال شديد في المفاصل المعهودة الإصابة به.
    المعالجة: تعالج الهجمة الحادة إما ببزل المفصل المصاب وحقن الستيروئيد فيه أو بمضادات الالتهاب اللاستيروئيدية أو بحقن الكولشيسين وريدياً. وتعالج الحالات المزمنة بمضادات الالتهاب وبمعالجة الاضطراب الاستقلابي إن وُجد.
    ج - داء ترسب فوسفات الكلسيوم الأساسي: تأخذ هذه الترسبات شكل كرات الثلج الصغيرة في الأوتار والأنسجة التي تعرضت إلى عسر تصنّع غضروفي ليفي. والتهاب الوتر المكلس شائع في أوتار الكم الوتري في الكتف. ويكون صامتاً لفترات طويلة تقطعها هجمات التهابية حادة وقد يوجد ألم وتحدّد مزمنين. ويرى التكلس على الصور الشعاعية العادية. أما التهاب المفصل المخرب ببلورات الأباتيتapatite فحالة نادرة تصيب المفاصل الكبيرة ولاسيما الكتف لدى المسنين مثالها كتف ميلووكي milwaukee. أما الكُلاس فيشير إلى ترسبات فوسفات الكلسيوم الأساسي في الأنسجة الرخوة في داء تصلب الجلدscleroderma وفي التهاب العضلات وفي البولة الدموية[ر] (اليوريميا) وفي فرط كلس الدم.
    الأدوية المضادة للرثيات
    الصفة الغالبة للرثيات التهاب المفاصل لذلك كانت معظم الأدوية القديمة هي مضادات التهاب إلى أن اكتشف الكورتيزون وظُنّ أنه سوف يحل محلها إلا أن أعراضه الجانبية حدّت من استعماله. ولما خاب الأمل بضبط أعراض وعقابيل الرثيات المزمنة بمضادات الالتهاب، نشأت فئة الأدوية المعدلة لسير المرض disease-modifying drugs. ثم عُرفت مرضيات الرثيات المزمنة وعلاقتها بالمناعة، فنشأت الأدوية المناعية. وحديثاً عرف المزيد عن التفاعلات الكيماوية الحيوية في الحدثية الالتهابية فنشأت الأدوية البيولوجية.
    - مضادات الالتهاب اللاستيروئيدية Non-steroidal anti-inflammatory drugs (NSAID): أقدمها الأسبرين. وصفتها المشتركة أنها تثبط خميرة سيكلوأكسجيناز (COX) cyclo-oxygenase: المسؤولة عن تحويل حمض فستق العبيد arachidonic acid إلى بروستاغلاندينات (PG) Prostaglandins ومعروف أن الأخيرة مسؤولة عن جزء كبير من الحدثيات الالتهابية في المفصل. إلا أن عدداً منها له وظائف أخرى كحماية مخاطية جهاز الهضم من التقرح وتكدّس الصفيحات وتوسيع الشرايين. لذلك ترافق استخدام مضادات الالتهاب اللاستيروئيدية NSAID بالقرحة الهضمية وتميّع الدم. ثم عُرف أن لخميرة السيكلوأكسجيناز COX نوعان COX1, COX2 والنوع الثاني يشرف على تركيب بروستاغلاندين المفاصل الالتهابية فتمكن الباحثون من تركيب مضادات التهاب نوعية تعاكس COX2 ولا تتدخل في تركيب بروستاغلاندين أنبوب الهضم وبذلك يفترض ألاّ تسبب القرحة الهضمية. إلا أن مثبطاتCOX2 ليست مطلقة النوعية. ومن أهم مضادات الالتهاب اللاستيروئيدية اللانوعية مشتقات الصفصافات، ومشتقات البيرازولpyrazole، ومشتقات الإندين ،indene ومشتقات حمض البروبيونيك propionic، وفئة اكسيام oxicams، ومشتقات حمض الخل. أما مثبطات COX2 فأهمها rofecoxib وcelecoxib.
    - معدلات سير المرض: وتدعى بالأدوية البطيئة. فهي تتداخل بالتفاعلات الالتهابية غير المرتبطة بالبروستاغلاندينات، كحركيات kinetics الكريات البيض تحرر الخمائر الحالة من الجسيمات الحالة lysosomes للخلايا الالتهابية وفاعليات الخمائر الحالة للبروتين المسؤولة عن تآكل الغضروف. ومن أقدم هذه الأدوية أملاح الذهب. ثم مركبات الثيول thiols. ثم السالازوبرينsalazopyrine وهو مركب من اتحاد جزيئة صفصافات مع سلفا sulfa برهن عن فاعلية في التهاب القولون القرحي. ومنها مضادات الملاريا كالكلوروكين.
    ومن الأدوية الحديثة المعدلة لفلونوميد leflunomide. سميت هذه الفئة بمعدلات سير المرض لأن لها فاعلية، ولو جزئية، لمنع التآكلات وبالتالي تخريب المفصل وعقابيله.
    - مثبطات المناعة immunosuppressors: تبين أن الرثيات المزمنة المخربة كالداء الرثياني تتصف بتفاعلات مناعية ذاتية. وتُخمَد هذه التفاعلات بمثبطات المناعة. لهذه الفئة دور في علاج الحالات الشديدة من الرثيات المزمنة ولاسيما مضاعفاتها الجهازية كالتهاب القزحية والتهاب الأوعية والتهاب الكبب والكلية. وأكثرها شيوعاً الميثوتريكسات methotrexate. ومن الأدوية الأخرى الأزاتيوبيرين azathioprine. ومن المواد المؤلكلة alkylating agents مادة سيكلوفوسفاميد cyclophosphamide وهو أخطر من المادتين السابقتين في تسبيبه للأعراض الجانبية لذا يستعمل فقط في المضاعفات المهددة للحياة. وسيكلوسبورين آ cyclosporin Aواستعماله محدود بسبب سميته الكلوية.
    - الستيروئيدات: هي لا شك أسرع المواد ضبطاً للعلامات الالتهابية إلا أن استعمالها المديد محفوف بالأعراض الجانبية ويصعب للمريض التحرر منها. أفضل ما تستعمل حقناً داخل المفصل حيث لا تحدث مشكلات جهازية.
    - العلاجات البيولوجية الحديثة: تستهدف السيتوكينات cytokines وهي بروتينات تنظم التفاعلات المناعية وتصنف إلى مناهضة ومناوئة للالتهاب. من هذه الأدوية مثبطات عامل النخر الورميtumor necrosis factor ومثبطات الأنترلوكين -1interleukin-1.
    ماجدة الخوري

  10. #620
    من أهل الدار
    الرثياني (داء المفاصل -)

    داء المفاصل الرثياني arthritis rheumatoid مرض التهابي مزمن يتناول المفاصل الزليلية synovial joints وله أعراض خارج المفصلية extra-articular في الأجهزة. وهو مرض مجهول السبب يصنف ضمن أمراض المناعة الذاتية لوجود دلائل مخبرية وتشريحية على تفاعلات مناعية ذاتية. فعلامته المخبرية الرئيسة هي العامل الرثياني rheumatoid factor وهو ضد من نوع IgM لمادة طبيعية في الجسم هي IgG. يتصف بالتهاب مفاصل عديد ومتناظر ومُتَرَقٍ progressive. وتدل الصفة الأخيرة على استمرار زمني ينتهي بالتخريب. وهو أكثر التهابات المفاصل المزمنة انتشاراً إذ يصيب 1% من الناس. تترافق الهجمة الالتهابية بانصباب صفته التهابية (مختلف عن الانصباب اللاالتهابي في الداء التنكسي) يحوي نسبة عالية من الكريات البيض وخمائر حالة للبروتين شديدة الفتك في الغضروف. ويبدي الغشاء الزليلي تكاثراً proliferation في طبقاته وتتخذ خلاياه صفات التهابية مفرزة للسيتوكينات cytokines المناوئة للالتهاب فتُحدث جذباً كيماوياً chemotaxis للكريات البيض إلى الساحة المفصلية. وينتهي الأمر بعد مدة بالتآكلات erosions الغضروفية والعظمية. وفي مرحلة لاحقة يحدث القسط ankylosis وهو تحدد نهائي لحركة المفصل بشكل جزئي أو كامل بسبب التصاق السطوح المفصلية بعضها ببعض بنسيج ليفي ثم بنسيج عظمي. كما أن التآكل يتناول الأوتار المحيطة بالمفصل مما يسبب الخلع الجزئي في المفصل.
    الشكل (1) ترسيم تخطيطي لمقطع عرضي لمفصل زليلي سوي (على اليسار) ولمفصل مصاب بالتهاب المفصل الرثياني (على اليمين)

    الأعراض: تبدأ 85% من الحالات في سن الكهولة و15% قبل سن 16 حيث يعرّف بالداء الرثياني الشّبابي. نسبة إصابة النساء إلى الرجال 1 إلى 3. قد يبدأ بشكل حاد أو بشكل بطيء خفي وقد يتناول مفصلاً أو أكثر. لكنه يشمل مفاصل عديدة خلال أشهر عادة. أكثر المفاصل إصابة إحصائياً هي: المشطية السلامية لليد فالمعصم فالمفاصل بين السلامية الدانية. تليها المشطية السلامية للقدمين أو الركبتان وبعدها المفاصل الأخرى (الكاحل، المرفق، الكتف، الورك، الفكي الصدغي، بين السلامية القاصية، الأطلسي المحوري في الرقبة) (الشكل -2). يبدي المفصل علامات التهابية صريحة هي انتباج وحرارة موضعية وتحدد حركة وأحياناً احمرار خفيف. وتأخذ الأصابع المنتبجة شكلاً مغزلياً وصفياً (الصورة -1). ويشكو المريض تيبساً صباحياً يدوم أكثر من ساعة. سير المرض شديد الاختلاف وغير قابل للتنبؤ. فشدّة الهجمات ومدّتها لا تتبعان قاعدة سوى أن تكرار الهجمات في مفصل ما يؤول في النهاية إلى تخريب محتّم. وفي المفاصل الكبيرة ولاسيما الركبة، تُحدث الهجمة انصبابا التهابياً.
    الشكل (2) المفاصل التي تتأثر عادة بداء المفاصل الرثياني الصورة (1) داء مفصل رثياني متقدم وقد أصاب المفاصل السنعية السلامية والمفاصل بين السلاميات الدانية في اليدين. ويوجد أيضاً ضمور في العضلات الصغيرة في اليدين. كما يلاحظ وجود انحراف زندي وتشوهات أخرى كنتيجة للخلع الجزئي

    وهناك سمات خاصة للداء الرثياني الشبابي في بدايته. فقد يبدأ ويبقى بشكل قليل المفاصل oligoarticular أي أقل من أربعة مفاصل ملتهبة. كما أن له شكلاً حرارياً يدعى داء ستيل Still ترتفع الحرارة فيه إلى ما فوق 40 درجة مع طفح بقعي عابر rash evanescent معمم في الجلد وغير حاك.
    المضاعفات المفصلية
    تتبع درجة التخريب في الغضروف والعظم والأوتار. فيحدث تحت الخلع sub-luxation (الخلع الجزئي) في المعصم والمفاصل المشطية السلامية في اليد، مع انحراف زندي نموذجي. وإن التكاثر الالتهابي في المعصم قد يضغط على العصب المتوسط median nerve في نفق الرسغ محدثاً متلازمة نفق الرسغ carpal tunnel syndrome وقد ينتهي التهاب غمد الوتر بانقطاع تام في الوتر. ويحدث عدم ثبات في الركبة والكتف بتخريب الأوتار والأربطة. أما في القدم فتنخلع رؤوس الأمشاط للأسفل وتنحرف الأصابع للأعلى بشكل أصابع المطرقة hammer toes ويحدث الإبهام الأفحج ويزداد عرض القدم وتهبط قُبَّتها (القدم المسطحة المَرَضيّة). ومن المضاعفات المفصلية الخطيرة تحت الخلع بين الفقرتين الرقبيّتين الأولى والثانية فتنزلقان، وقد يضغط الناتئ السني odontoid على النخاع الشوكي مهدداً بشلل الأطراف الأربعة. وإصابة مفصل الورك أكثر شيوعاً لدى الأطفال وكثيراً ما يحدث القسط فيه مسبباً إعاقة شديدة.
    الإصابات والمضاعفات خارج المفصلية
    ـ العقيدات تحت الجلد subcutaneous nodules: هي عقيدات غير مؤلمة ترى في أماكن الاحتكاك والضغط كالسطح الباسط للذراع وخلف العقب وسرج الأنف (احتكاك النظارات). وهي ترافق الداء الرثياني شديد الوطأة، على أنها غير مؤذية.
    ـ متلازمة فيلتي Felty: نادرة. تصيب النساء المصابات بالرثياني بعد سن الخمسين. ويضخم فيها الطحال وتنقص الكريات البيض.
    ـ الإصابات القلبية: نادرة وأكثرها شيوعاً التهاب التامور. وقد يحدث التهاب في عضلة القلب أو في الشغاف.
    ـ الإصابات الرئوية: نادرة. أكثرها شيوعاً التهاب الجنب. وقد يحدث تليف خلالي في الرئة أو عقيدات شبيهة بالعقيدات تحت الجلد. وأندر النادر التهاب الرئة الخلالي الخطير.
    ـ متلازمة الجفاف Sicca أو متلازمة شوغرن Sjögren: شائعة في 15 إلى 25% من الداء الرثياني. فيقل إفراز الغدد الدمعية واللعابية مما يعرّض لأخماج فموية ومضاعفات عينية عديدة.
    ـ الإصابات العينية: لدى الكهول يحدث التهاب ظاهر الصلبة episcleritis أو التهاب الصلبة scleritis وهو الأخطر على النظر. أما الأطفال فيصابون بالتهاب القميص الوعائي الأمامي المزمن للعين (العنبية) chronic anterior uveitis ولا ينتبه له لبدئه الخفي. لذلك لابد من فرض الفحص الدوري للعينين لدى الصغار.
    ـ التهاب الأوعية vasculitis: وهو أخطر المضاعفات على الحياة. يحدث في إطار داء رثياني شديد مشوه مع إيجابية العامل الرثياني. تصاب الأوعية بأنواعها وتتبع الأعراض الوعاء المصاب. فترى تقرحات في الجلد وخاصة رؤوس الأصابع. وقد يصاب أي حشى بأوعيته (القلب أو الرئة أو الأمعاء). ومن الإصابات الخاصة التهاب الأوعية المغذية لعصب ما أو أكثر ويعرف ذلك بالتهاب العصب المفرد المتعدد mononeuritis multiplex. وهناك علامات مخبرية تنبئ بإنذار سيء في التهاب الأوعية الرثياني: ارتفاع شديد في الكريات البيض، وانخفاض المتممة، وإيجابية العامل المضاد للنوى antinuclear antbodies (ANA).
    ـ الداء النشواني amyloidosis: هو اندخال الأنسجة بمادة نشوانية amyloid مما يعطل وظيفتها. والداء النشواني نوعان: أولي وثانوي. والثانوي يتبع الأخماج والالتهابات المزمنة كما في الرثياني. يحدث الداء النشواني بعد سنتين إلى 16 سنة من المرض. ويرتقب الموت لدى 50% من النشوانيين خلال 10 سنوات بقصور الكليتين أو الإصابة القلبية أو النزف الهضمي.
    الفحوص المخبرية والشعاعية
    ترتفع سرعة التثفل وغيرها من متفاعلات الطور الحاد دلالةً على الحالة الالتهابية. ويبقى تعداد الكريات البيض سوياً عدا في الشكل الحراري داء ستيل Still وفي التهاب الأوعية. ويحدث فقر دم متناسب مع فوعة المرض وقدمه. أما العامل الرثياني فيكون إيجابياً لدى 80% من الكبار و20% فقط من الصغار. ومن اللافت أن العامل المضاد للنوى ANA إيجابي لدى 20 إلى 70% من الصغار. ويبدي السائل الزليلي الصفات الالتهابية كارتفاع البيض وانخفاض السكر والمتممة فيه. أما خزعة الغشاء الزليلي فتبدي التهاب الزليلي التكاثري الزغابي النموذجي. أما الصور الشعاعية فتتدرج فيها العلامات المرضية من ترقق عظام جوار المفصل إلى انقراص المسافة المفصلية فالتآكلات الهامشية ثم غير الهامشية. وفي مراحل متأخرة ترى الخلوع والانحرافات ثم القسط العظمي.
    إنذاره: يجب أن يُنظر في الداء الرثياني إلى الإنذار الوظيفي للمفاصل وإلى الإنذار الحياتي. فالإنذار المفصلي قاتم إذا أهمل العلاج وتحسَّن كثيراً في السنوات العشر الماضية بتحسن الرعاية الطبية. أما الإنذار الحياتي فيتبع أمرين: حدوث المضاعفات الجهازية ومجمل الرعاية الطبية. فمُرتقب حياة المريض الرثياني أقل بعشر سنوات من المعدل العام، وتحسُّن هذا الأمر منوط بالعناية الطبية المتكاملة.
    المعالجة
    لما كان سبب الداء الرثياني مجهولاً فالمعالجة النوعية غير ممكنة. إلا أن تقدماً ملموساً قد أحرز في السنوات الماضية في فهم الآليات الإمراضية لهذا الداء وسمح بتصميم علاجات ناجعة. أهداف العلاج إزالة العلامات الالتهابية لإراحة المريض والحفاظ على استقلاليته، ومنع عملية التخريب التي تهدد بالإعاقة الدائمة ومعالجة المضاعفات الجهازية بسرعة لخطرها على الحياة.
    1- مضادات الالتهاب اللاستيروئيدية Non-steroidal anti-inflammatory (NSAID) drugs: وهي تحقق الهدف الأول وتريح المريض بسرعة. إلا أنها لا تمنع التآكلات وما يليها من تخريب غير عكوس. وتدعى بأدوية الخط الأول أو الأدوية السريعة ولابد من إشراكها بالأدوية التالية.
    2- معدلات سير المرض disease modifying anti-rheumatic drugs (DMARDS): أو أدوية الخط الثاني، أو الأدوية البطيئة: هي أدوية يُنتظر أن تمنع أو تقلل من حدوث التآكلات دون برهان قاطع، ويبدأ تأثيرها بعد تعاطيها المستمر بشهرين إلى ستة أشهر. وكل منها يعمل بشكل مختلف على أكثر من نقطة من سلسلة التفاعلات الالتهابية. ومعظمها يفيد أقل من 70% ممن يتناولونها. منها:
    أ - أملاح الذهب: وهي تستخدم منذ ستين عاماً ونيفاً حقناً عضلياً، ثم صُمّم منها شكل يؤخذ عن طريق الفم بفائدة أقل. لها تأثيرات مثبطة على تكاثر الكريات البيض ووظائفها، وعلى المتممة، وعلى فاعلية خمائر الجسيمات الحالة، وعلى الخمائر الحالة للبروتينات. من أعراضها الجانبية: طفح جلدي حاك سليم قد يتطور إلى التهاب الجلد التوسفي الخطير، إصابة كلوية تحسسية تتراجع بإيقاف العلاج، تثبيط النقي بأحد عناصره الثلاثة وأخطرها فقر الدم اللامصنع وهو نادر.
    ب - البنيسيلامين penicillamine: وهو من مشتقات حمض أميني هو السستئين cysteine. وهو ينقص تركيب الغلوبولينات المناعيةimmunoglobulins وتناثر الغلوبولينات الكبيرة macroglobulin depolymerization (ومنها العامل الرثياني) وينقص المعقدات المناعية الجوالة ويثبط بعض الخمائر الحالة للبروتين. ومن أعراضه الجانبية: طفح جلدي شبيه بالفقاع، رخاوة الجلد، زوال حس الذوق، آفات رئوية منها العكوس ومنها القاتل، آفات كلوية منها التهاب الكلية بالمعقدات المناعية وهي عكوسة ومنها متلازمة غود باستر Goodpasture الخطيرة وهي التهاب كبيبات الكلى مع نزف رئوي، تثبيط النقي بأحد عناصره الثلاثة، الذئبة الدوائية، الآفات العضلية المناعية.
    ج - مضادات البرداء (الملاريا): هدروكسي الكلوروكين hydroxychloroquine والكلوروكين chloroquine تثبط وظيفة الدنا DNA فيبطؤ تكاثر الخلايا ويُثبَّط تركيب البروتين. كما أنها تثبط انقسام الخلايا وتحوّلها وانجذابها الكيمياوي. وهي من أسلم المركبات. من أعراضها الجانبية اعتلال عضلي سليم واضطرابات هضمية عابرة. أهم مشكلاتها اعتلال شبكية العين وهو مرتبط بالمقدار اليومي لا كما كان يعتقد بالمقدار التراكمي. لذلك يعطى فقط 4ملغ/كغ يومياً من الكلوروكين أو 5ملغ/كغ من هدروكسي الكلوروكين وتراقب العين كل ستة أشهر.
    د - سلفاسلازين sulfasalazine وسالازوبيرين salazopyrine: ويستخدم في علاج التهاب القولون القرحي أيضاً. ويثبط إنزيم الأكسيجيناز الشحمية lipoxygenase في الكريات البيض ويقلل امتصاص واستقلاب الفولات. من أعراضه الجانبية التهاب الكبد والرئة، والتهاب الأوعية والذئبة الدوائية ونقص عناصر الدم والتهاب الجلد التوسفي.
    3- مثبطات المناعة: تفيد في الداء الرثياني إذ يعد من أمراض المناعة الذاتية. منها:
    أ - الميثوتريكسات (MTX) methotrexate: أصبح اليوم الخيار الأول الذي حل محل معدلات سير المرض DMARDS. وهو يثبط استقلاب حمض الفولي مما يثبط تركيب البيريميدين pyrimidine والدنا DNA الضرورية لتكاثر الخلايا المناعية. تبدو فائدة الميثوتريكسات خلال شهر وتتضح بعد 6 أشهر. وهو يقلل من التآكلات المفصلية. أهم أعراضه الجانبية السمية الكبدية وهي تابعة للمقدار الأسبوعي والتراكمي وتستدعي مراقبة الخمائر الكبدية باستمرار. كما يسبب اضطرابات هضمية عرضية وتثبيطاً لعناصر الدم وفقر الدم بعوز حمض الفولي. ومن أخطر العوارض التحسسية الارتشاحات الرئوية الخلالية مع تأذي الأسناخ.
    ب - الآزاثيوبرين azathioprine: وهو مشتق من البورين ويثبط تركيب الأدنين adenine والغوانين guanine. يقلل التآكلات المفصلية بالاستعمال المديد. يحد من استعماله تثبيطه عناصر الدم وتأهيبه للخباث اللمفاوي وللأخماج ولاسيما بفيروسات الحلأ herpes.
    ج - السايكلوفوسفاميد cyclophosphamide: وهو مادة سامة للخلية من مشتقات الخردل الآزوتي. يثبط كلتا المناعتين الخلوية والخلطية بشدة. وله أعراض جانبية شديدة كالأخماج والخباث والتهاب المثانة النزفي والعقم (وقد يكون عكوساً) وتثبيط النقي. ويقتصر استعماله على الحالات المهددة للحياة كالتهاب الأوعية.
    د - الكلورامبوسيل chlorambucil: ينتمي إلى عائلة السابق. ويحد من استعماله العقم غير العكوس لدى الذكور. تكمن فائدته في التهاب القزحية العنيد وفي الداء النشواني.
    4- المعالجات البيولوجية: هي مثبطات السيتوكينات cytokines ومعدلات المناعة immunomodulators وأهمها مضادات عامل النخر الورمي(TNF) tumor necrosis factor وما زالت تستعمل على نطاق ضيق بسبب ثمنها الباهظ. وأهم مشكلاتها الأخماج. وهناك مضادات الأنترلوكين-1interleukin-1 كمركبات الأكسيندول oxindoles، ومادة السكلوسبورين cyclosporin التي تثبط الأنترلوكين-2 interleukin-2 وغيرها، ومادة لفلونوميدleflunomide المثبطة لتكاثر الخلايا البائية ولعدة أنترلوكينات. وهناك أضداد وحيدة الذرّية monoclonal antibodies نوعية ضد مستقبلات الأنترلوكين-1 interleukin-1 أو ضد CD-4 وهو من العلامات السطحية للخلايا التائية المساعدة وما تزال في حيز الأبحاث.
    ماجدة الخوري

صفحة 62 من 146 الأولىالأولى ... 12526061 62636472112 ... الأخيرةالأخيرة
تم تطوير موقع درر العراق بواسطة Samer

قوانين المنتديات العامة

Google+

متصفح Chrome هو الأفضل لتصفح الانترنت في الجوال